تقرير عن ندوة " الدبلوماسية العامة الأمريكية تجاه العالم العربي"

        الجلسة الافتتاحية:

د/ نادية مصطفى: موقع موضوع الندوة من أجندة عمل البرنامج

أشارت د/ نادية مصطفى إلى أن أعمال هذه الندوة تقع فى نطاق الخطة العلمية الثانية (سبتمبر 2004- سبتمبر 2006) للبرنامج، والتى تقوم على الاهتمام بالبحث الرأسى المتعمق فى عدة مستويات من التفاعلات ذات الطبيعة الثقافية، حيث قامت الخطة الأولى على التقييم الأفقى لخبرات وخطابات الحوار. وقد ركز أولى هذه المستويات على قضايا الحوار، والثانى فكان مستوى الحوار الإسلامى المسيحى، وثالث هذه المستويات؛ مستوى الاهتمام بالجهود التى تبذلها القوى الكبرى والمنظمات الدولية فى مجال الحوار وخاصة التى يتجه منها إلى دائرتنا العربية والإسلامية .

      ويقع موضوع هذه الندوة فى المستوى الثالث والذى لم يحظى اهتماماً فى دوائرنا العربية والاسلامية وهو ما يتعلق بأهمية التوثيق العلمى والرصد المتراكم للخبرات والتجارب والمبادرات التى يظهر فيها البعد الثقافى (مبادة الشرق الأوسط الكبير مبادرة الشراكة الأوربية المتوسطية)، وفى هذا البعد تطرح قضية الحوار بوضوح.

هدف الندوة ..استطلاعية...

 أوضحت د/ نادية أن الندوة تهدف بالأساس إلى استطلاع الرأى حول عدة أسئلة مهمة بحاجة إلى الإجابة عنها كخطوة إضافية فى مسار التراكم العلمي لأنشطة البرنامج هذا من جانب.  ومن جانب آخر يمثل موضوعها أهمية قصوى لدارس العلاقات الدولية وخاصة البعد الثقافي فيها كأحد أهم أبعادها)والحوار كأبرز قضايا المجال الثقافي وتأتى الندوة لتستطلع الرأى حول أسئلة ثلاثة هى:

1- ما هى الدبلوماسية العامة؟ وصولاً إلى مفهوم والتعريف به

2- لماذا الدبلوماسية العامة الأمريكية ؟ فى محاولة للتعرف على أهدافها،آلياته،أدواتها.

3- ما الدلالة لدائرتنا العربية والإسلامية؟

وبالنسبة لمفهوم الدبلوماسية العامة، تقول د/ نادية أن المفهوم ظهر بقوة فى الأدبيات السياسية منذ نهاية الحرب الباردة، والمقصود به التوجه بالحوار نحو قطاعات غير حكومية.

وعن دلالة المفهوم للولايات المتحدة الأمريكية ولدائرتنا العربية والإسلامية؛ فباعتبارها الرائدة فى مجال القوة الصلدة تجد جاذبية للاقتراب من مجالات القوة الرخوة، وفرضت فى إطار ذلك السؤال: لماذا يكرهوننا؟؛ قاصدة العرب والمسلمين. وهنا يأتى السؤال الثالث فى هذه الندوة  عن الدلالة للعالم العربي حيث فرضت الإدارة الأمريكية أيضاً الإجابة واستخدمت القوة الصلدة لتحقيق أمنها الذى تراه مهدداً بسبب هذه الكراهية وانتقل السؤال نفسه إلى دائرتنا العربية والإسلامية وصرنا نردده، لماذا تكرهنا أمريكا؟ وتعددت حوله الإجابات وتفرعت منه تساؤلات أخرى جوهرية مثل: ما معنى الكراهية (ثقافياً ودينياً)؟ وهل هى كراهية أم لعبة مصالح تستغل فى سياقها الأبعاد الثقافية؟؛ فمثل ذلك حافزاً وراء اهتمام الولايات المتحدة بالدبلوماسية العامة تحسيناً لصورتها وترويجاً لسياساتها، بهدف تغيير الأفكار. و يقودنا  ذلك إلى تساؤل آخر: ما هى أدوات الدبلوماسية العامة والجهود التى تبذلها الإدارة الأمريكية لتحقيق أهدافها من الدبلوماسية العامة؟

ويجيب موضوع الندوة على هذه التساؤلات السابقة من خلال محاور ثلاثة:

محاور الندوة:

 تنقسم الندوة إلى ثلاث محاور:

المحور الأول:  عن مفهوم الدبلوماسية ، وتحليل الخطاب الأمريكى.

المحور الثانى : عن دور المراكز البحثية فى الدبلوماسية العامة.

المحور الثالث: عن شهادات ذوى الخبرة من مراكز بحثية وهيئات التبادل العلمى ومن الإعلام، والتبادل الطلابى المباشر.

 وفى آخر كلمتها نبهت د/ نادية إلى تساؤل مهم جداً، هل ندرك نحن العرب والمسلمون فى جميع مستويات المجتمع أهداف هذه الدبلوماسية وكيف نحكم عليها، وهل يجدى الاستماع لها؟ وما موضع  الدبلوماسية العامة على أهميتها تلك من السياسة الخارجية المصرية،علماً بأنا حاجتنا إليها أكثر من الآخر .

وقد أكدت الدكتورة/ منى البردعى فى كلمتها على نفس المعنى، فتقول أنه من المفترض أن تعطى كل دولة الاهتمام للدبلوماسية العامة وتضعها فى الاعتبار وتخاطب  الرأى العام والشعوب على جميع المستويات لتحسين الصورة وتفكيك سوء الفهم تدعيماً للمصالح، وقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية هذا وكرست إدارتها كل جهودها فى هذا المجال وخاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر .

وركزت  السفيرة/ منى  خشبة فى كلمتها على توضيح المقصود بالدبلوماسية العامة وذلك من خلال ثلاث أفكار رئيسية:

1- نشأة المفهوم، وأول استخدام للمصطلح

2-تطوره التاريخى.

3- الدور الذى يمكن أن تضطلع به الدبلوماسية العامة وأدواتها .. والنتيجة التى خلصت لها السفيرة / منى خشبة.

نشأة المصطلح..

استخدم مصطلح الدبلوماسية العامة أول مرة بعد الحرب العالمية الثانية، وهو مفهوم يتعامل بالأساس مع المنظمات غير الحكومية، ويعنى بتوصيل المعلومات إلى المستويات المختلفة للرأى العام تحقيقاً لمصالح أمريكا، وكانت من الوسائل المستخدمة فى ذلك برامج الإعلام. وتم إضافة مكتب للتبادل الثقافى يمثل مكتب الدبلوماسية العامة وذلك فى عام 1979، وإنشاء وكالة المعلومات الأمريكية وقد أنشاها كارين هيوز، وكانت أهم أهدافه:

        التعريف بالقيم الأمريكية وضمان فهم الشعوب لها .

        عزل المتطرفين .

        تصوير الغرب فى حالة مواجهة مع الإسلام،ومحاولة الوصول إلى مفاهيم مشتركة بينهما.

تطور الفكرة ... وأبرز الأخطاء

أوضحت السفيرة/ منى، أن فكرة الدبلوماسية العامة نشأت أمريكية ثم ساد الاهتمام بها دولاً أخرى فأصبحت جزءاً أساسياً من الدبلوماسية والسياسة الخارجية للدول، وإذا كانت الإدارة الأمريكية أولت هذا المفهوم اهتماماً منذ إنشاء وكالة المعلومات الأمريكية فى 79، إلا أنها تراجعت فى اهتمامها هذا بعد انتهاء الحرب الباردة وخفضت الإدارة الأمريكية المخصصات المالية الموجهة للدبلوماسية العامة، وقد تجدد هذا الاهتمام مرة أخرى بشكل واضح بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، وركزت رؤية الإدارة الأمريكية هدفها من الدبلوماسية العامة على تعميق الحوار مع الشباب والقوى المؤثرة فيهم من أساتذة وعلماء دين.

وأثبتت مراحل تطور الدبلوماسية العامة وتطور آلياتها إدراك الإدارة الأمريكية لأهميتها فى تحسين صورتها فى المجتمع الأمريكي، وقد رأى أن الإدارة قد وقعت في كثير من الأخطاء عند تحقيق ذلك و كتب روبرت سكالوف في كتابه "تغيير العقول والفوز بالسلام" عن تلك الأخطاء ولخصها فى:

1- جهل الإدارة الأمريكية بأعدائها وأصدقائها.

2- أنها تقوم بتقديم مساعدات لهيئات غير مرغوبة.

3- دعمها لإسرائيل.

ونستنج مما سبق كما تقول سيادة السفيرة أن المشكلة لدى أمريكا لا تكمن فى فشلها فى توصيل صورتها للرأى العام العالمي والعربي والإسلامى تحديداً؛ ولكن تكمن بالأساس في سياساتها ومعاييرها المزدوجة. وقد خلصت عرضها للمفهوم وتطوره إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن أن تنجح الدبلوماسية العامة فى القيام بدور فشلت الدبلوماسية السياسية في تحقيقه، فالدبلوماسية العامة ترتبط ارتباط وثيق بالسياسة الخارجية وأشارت فى هذا السياق إلى أهمية تأسيس برامج للتبادل والحوار قابلة للاستمرار.

الجلسة الأولى : الدراسة الأساسية : خطاب الدبلوماسية العامة الأمريكية تجاه العالم العربي .. التحليل والفعالية  

انقسمت هذه الدراسة - والتى مثَّلت أول محاور الندوة- انقسمت إلى ثلاثة أجزاء أساسية؛ أولها، عن التعريف بمفهوم الدبلوماسية العامة وأهم أدواتها ووسائلها وعرضت لهذا الجزء الطالبة/ منى عقيل، وثانيها عن: محتوى الرسائل الاتصالية الأمريكية وتحليل لهذا المضمون وأهم أبعاده ومجالاته وقدمته أ/ داليا أحمد وثالثها عن نتائج اختبار فاعلية هذه الرسائل الاتصالية وعرضه الجزء د/ معتز بالله عبد الفتاح.

الدبلوماسية العامة الأمريكية ... المفهوم ... أدواته / آلياته

وعن الجزء الأول من الدراسة، فقد انطلق من مقوله للرئيس بوش في 14/11/2001 قالها فى مؤتمر عام بعد أحداث 11 سبتمبر مباشرة وجاءت في شكل شكوى أبداها في تساؤله لماذا يكرهوننا؟ ونحن أناس طيبون،في معنى فحواه "لو يعرفوننا لن يكرهونا".

وكما أوضحت الدراسة، جاءت الاحصاءات لتثبت تدنى الشعبية الأمريكية عند مجتمعات العالم وليس فى الدوائر العربية والإسلامية فقط ومثال ذلك، وجد فى استطلاع للرأى قام به مركز زغبى أن 6% فقط من المصريين لديهم توجهات إيجابية للإدارة الأمريكية، وفى استطلاع آخر قام به مركز PEW، وجد أنه لا يوجد أى دعم للإدارة الأمريكية في دولة مثل باكستان وكانت نسبة الدعم 3% فى تركيا، وعلى المستوى الدولي جاءت الولايات المتحدة الأمريكية فى المرتبة الرابعة بين الدول التى لا تستحق الاحترام الدولي، وتوافقت هذه الأرقام والإحصاءات ودلالاتها من جانب آخر مع تصريحات مسئولين فى الإدارة الأمريكية أعربوا عن فشلهم فى تحسين صورة بلادهم لدى العالم،مما أدى ببعضهم إلى تقديم استقالتهم والتخلي عن مناصبهم.

ومن هذا المنطلق، وباعتبار الدبلوماسية العامة كما عرفهاHenry Wyde  هى  مسئولية الشعوب عن تحقيق الأمان للولايات المتحدة الأمريكية، قسمت الدراسة وسائل القوة الرخوة التى استخدمتها الإدارة الأمريكية فى تحقيق ذلك إلى ثلاثة أبعاد:

1- بعد التواصل اليومى.

2- البعد الاستراتيجي.

3- بناء العلاقات بين الشعوب.

ويركز البعد الأول على المواطنين والإعلاميين حيث يعتمد على إجراء المقابلات واللقاءات المباشرة ونشر المقالات التي يقرأها المجتمع بشكل عام. وللسفراء دور أساسي فى هذا الاتصال الجماهيرى بدأ بيرز مؤخراً.

أما البعد المتعلق بالاتصال الاستراتيجي فيركز على الدعاية السياسية. وقد قامتا كل من إذاعة "سوا" و"الحرة" بدور فى تقديم المعلومات المطلوب توصيلها للعالم العربى الذى سيطر عليه الإعلام المرئى، وكانتا تركزا بالأساس على شئون الشرق الأوسط، وأخيراً فيما يتعلق بالبعد الثالث الذى يهتم ويركز على بناء العلاقات بين الشعوب أهم وسائله،إرسال بعثات دراسية،وعقد دورات ومؤتمرات واعتماد المنح العلمية وتكثيف دورات التبادل الطلابى ومثال تلك المنح : برنامج فولبرايت الذى خصص 144.5 مليون دولار للمنح العلمية.

محتوى الرسائل الاتصالية .. المضمون .. ودلالاته..ومؤشراته

وبالنسبة للجزء الثانى من الدراسة؛ فقد ركز على تحليل مضمون الرسائل الاتصالية الأمريكية التى تريد إرسالها للعالم العربي من خلال المادة المنشورة على الموقع، أجرت الدراسة التحليل لـ 892 مقالة مثلت المادة الاتصالية وهى مجموعة مقالات معروضة على موقع وزارة الخارجية الأمريكية الفترة من (نوفمبر 2005 مارس 2006).

وقد أبرز التحليل أهم الموضوعات المطروحة في هذه المادة الاتصالية: (وجاء ترتيبها من حيث الأهمية كالتالي).

1- التعريف بالمجتمع الأمريكي في جميع جوانبه السياسية/ الاقتصادية/ الاجتماعية/ الدستورية والقانونية / الثقافية والدينية / والإدارية، ومثلت 41%

2- السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الدول غير العربية، 35%

3- السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الدول العربية، 18%

4- دور الولايات المتحدة الأمريكية ومثلت 11% من المادة

5- السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الدول إسرائيل 7% وهى أقل نسبة ودلالتها ك أن الإدارة الأمريكية تقول بلسان حالها -كما ترى الباحثة -حاولوا أن تعرفونا بعيداً عن قضية الصراع العربي الاسرائيلى.

- وقد تم تحليل مضمون هذه الموضوعات وفقاً لمستويات ثلاثة هى:

1- المفاهيم المستخدمة.

2- البعد المعلوماتى ... المعلومات المقدمة.

3- البعد النموذجى.. إظهار المجتمع الأمريكي كنموذج يحتذى به.

 أوضحت الباحثة عدد من المؤشرات لما سبق من مضامين للموضوعات محل تركيز الرسالة الاتصالية، واستنتجت عدة دلالات مثل:استخدام مفاهيم الديمقراطية، والحرية، والتنوع والتسامح، والتطوع، إثباتا واحتفاءاً بالمجتمع الأمريكي كنموذج. وظهرت هذه النزعة التقليدية فى أغلب الرسائل الاتصالية وتم إضفاءها على كافة مجالات المجتمع وأبرزها الحياة الأسرية  وكيف تمثل رابطة أساسية لدى المجتمع الأمريكى؛ والتعليم فى الخارج كحلم يتم تجسيده أمام  كل شاب عربي وذلك من خلال تقديم كل ما يهمه من معلومات عن الحياة والمعيشة هناك.

ومثلاً فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه العالم العربى؛فقد استخدمت مفاهيم الديمقراطية وتحقيق الحرية كمفاهيم تبرر الممارسات الأمريكية فى الشرق الأوسط بل ويستدل بها على نجاح التجربة فى العراق على حد زعمهم .

وتخلص الباحثة فى هذا الجزء إلى نتيجة تجسدت فى المسكوت عنه فى هذه الرسالة وهى أن الإدارة الأمريكية أرادت طرح صورة ذاتية عن نفسها مركبة من أربع أبعاد:

1- الولايات المتحدة الأمريكية هي القائدة نحو الحرية، ولديها مسئولية أخلاقية يجب أن نقوم بها فى هذا السياق.

2- الولايات المتحدة نموذج للمجتمع الليبرالي، الذي يتعلم منه قيم الحرية وحقوق الإنسان.

3- الولايات المتحدة نموذج للانفتاح الاقتصادي.

4- المجتمع الأمريكي مجتمع أساء الآخرون فهمه ويتضح ذلك من عبارتهم " لو يعرفوننا جيداً لن يكرهوننا".

   وبالتالي المعرفة لدى الإدارة الأمريكية هى الخطوة الأولى والبداية لتقبل سياساتها فى المنطقة.

جدوى هذه الرسالة الاتصالية ... اختبار الفاعلية والتأثير

   وعن مدى فاعلية هذه الرسائل الاتصالية يأتى الجزء الثالث والأخير من هذه الدراسة فيقول د/ معتز بالله أنه تم اختبار فاعلية هذه الرسائل عن طريق انتقاء رسائل عالية الإقناع وتوزيعها على طلاب جامعيين. وكانت الأسئلة المطلوب إجابتها قبل وبعد قراءة الرسالة هى:

1- جدية دعم أمريكا لحل عادل للقضية الفلسطينية؛ وكان ذلك أقل متغير ظهر فيه تأثير الرسالة على العينة محل الاختبار .

2- جدية موقفها من الانسحاب من العراق (كان هناك تأثير ملحوظ للرسالة الاتصالية).

3- جدية موقفها فى الضغط على الدول العربية لتحقيق الديمقراطية (حدث تطور بعد قراءة الرسالة).

4- عدم إمكانية تبرير أحداث الحادى عشر من سبتمبر (كان هناك استعداد لتقبل ذلك).

ومن النتائج التى توصل لها د/ معتز من هذا الاختبار؛ أن هناك استعداد لمن قرأ الرسالة أن يُقدم على الحياة والعمل هناك، وأن المسيحيين لديهم نزعة أكبر لتقبل الرسالة الأمريكية، ويروا أن الحرب على الإرهاب ليست حرباً على الإسلام مما يؤكد فكرة تأثير عامل الدين فى تقبل الرسالة الاتصالية، وأخيراً أن غير المشتغلين بالسياسة أكثر تقبلاً للتأثر.

وجاء تعقيب د/نازلى معوض ليؤكد وينبه على فكرة غاية فى الأهمية فى هذا السياق وهى: أنه إذا كان هناك كراهية للولايات المتحدة الأمريكية فهى ظاهرة حديثة عمرها عشر سنوات فقط، وقبل ذلك التاريخ كانت الولايات المتحدة الأمريكية فى ذهن المثقف المصري نموذجاً للاحترام، وكانت مساعداتها فى المجال الدولي تقدر. ولم تكره ولم يعترض أحد على سياساتها حين استخدمت القوة الصلدة ضد الاتحاد السوفيتى حفاظاً على مصالحها، وأنهت الحرب الباردة باستخدام الوسائل المادية. ولكن ما يحدث الآن هو عنف غير مشروع ضد خصم غير مادى وهو "الإسلام" بل وتجسيده ووصفه "بالإرهاب". وهو ما يبين الفارق الجلى بين الخطاب الأمريكى الحالي والخطاب الاستشراقى الاوروبى؛ فالأخير كان يحترمنا أما الأول فيريد تطويع الشرق ونسخه تحقيقاً لمصالحه؛ فهو يستخدم العنف فى فلسطين وأفغانستان والعراق وجميعها صخور تتحطم عليها مصداقية الخطاب الأمريكى.

وأثارت المداخلات من الحضور عدة تساؤلات تلخصت فى الأفكار الآتية:

-     ألا توجد مفارقة بين المقولة التي انطلقت منها الدراسة وهى: أن أساس الصورة الذهنية السلبية المأخوذة عن الولايات المتحدة هو عدم المعرفة وذلك وفقاً  لرؤية الإدارة الأمريكية وبين ما أثبتته الدراسة فى نتائجها من أن المعرفة والرسالة الاتصالية كان لها تأثير، وبالتالى تثبت هذه النتيجة  مقولة "لو يعرفوننا لن يكرهوننا" وبالتالى صحة رؤية الإدارة الأمريكية.

-     ما جدوى اهتمام الإدارة الأمريكية بالدبلوماسية العامة طالما لم تستخدمها فى عملية تغذية استرجاعية تغير على أساسها سياساتها.

-     أليس الأجدى بدائرتنا العربية والإسلامية أن تهتم بالدبلوماسية العامة وتدرك أهميتها وأهمية مخاطبة الرأي العام العالمي لتوضيح الصورة الأصلية للإسلام.

 ورداً وتعقيباً على هذه التساؤلات، أشار د/ معتز إلى ضرورة أن يكون هناك لوبى عربى مصرى فعّال يفهم المجتمع الأمريكي ويدرك كيفية التعامل معه، وفى هذا السياق أشار د/ معتز إلى موقع إسلام أون لاين الذي يراه أحسن موقع للدفاع عن الإسلام، وأكد أيضاً على أهمية إدراك الفارق بين الشعوب والحكومات عند رسم الصورة الذهنية للولايات المتحدة، لأن المجتمع الأمريكى يتميز بالفعل بقيم التسامح، وبالتالي من يتعامل معهم سيحبهم وقبولنا بذلك لا يتناقض مع ثوابتنا الدينية. واستند د/ معتز لمقولة الغزالى: "نقبل الحق المكتوب فى كتب أهل الباطل".

-     وفيما يتعلق بمعنى "المعرفة بهم" الذى أثار مفارقة لدى البعض، فردت أ/ داليا أن المعرفة الحقيقية التى يجب أن يُعتد بتأثيرها التى تنتهى بعد عدة مراحل  إلى بناء موقف أساسه إدراك الفعل والممارسة الحقيقية فى الواقع. فللمعرفة مستويات لابد المرور بها جميعاً ثم يعتد بالرأى القائم عليها بعد ذلك وهنا تغيب المفارقة، لأن المعرفة الحقيقية بهذه الإدارة يجب أن تنبنى على أساس قراءة ممارساتها حيث تختبر مصداقية القيم التى تتبناها  من خلال واقع تطبيقها.

-     وأثارت التعقيبات أيضاً فكرة الثابت والمتغير عند التواصل والحوار، فمن الوارد أن يحدث تغيراً  فى الصورة الذهنية لدى كل طرف عند الحوار والاحتكاك المباشر دون أن يعنى ذلك حدوث تغيير فى الثوابت، وإدراك هذا الفارق ينبنى على مدى قوة بناء الأنا وتمسكها بثوابتها .

الجلسة الثاينة: دور المراكز الأمريكية في التعريف بالمجتمع والسياسة الأمريكيين في العالم العربي

أ/ هاينز ماهونى - أ/ماجدة برسوم .. خبرة المركز الثقافي الأمريكي في القاهرة

-     كانت أهم الأفكار والملاحظات التى خرج بها د/هاينز ماهونى من خلال خبرته كمستشار ثقافي للولايات المتحدة في القاهرة، هى:

-     أن هناك صورة نمطية لدى المجتمع المصري عن المجتمع الأمريكي؛ وهى أنه مجتمع مادي ولا ديني ولا أخلاقي. وهذه الصورة مشوهة وخاطئة وتعد من أكبر التحديات التي تواجه الدبلوماسية العامة الأمريكية.

-     وتمثل هذه الصورة المغلوطة عن المجتمع الأمريكي إلى جانب معاناة الشباب العربي من عدم وجود هدف لهم وما يقابلونه من مشاكل اقتصادية، يمثل كل ما سبق أسباب للإرهاب.

-     وتحدث د/ ماهونى عن دور المراكز والبرامج الثقافية فى تقديم المعلومات. وأكد أن هذه المعلومات ليست من مصادر أمريكية حكومية فقط، كما أن هناك اتجاه فى هذه البرامج لإيجاد نوع من التواصل بين جماهير أمريكيين ومصريين من نفس المستوى يتم الحوار بينهما بشكل مباشر .

-     وأشار أيضاً إلى الدور الذى يجب أن تضطلع به دور النشر والإعلام و المؤسسات التى تنتج الأفلام السينمائية وكل الأجهزة المسئولة عن رسم الصورة.

 نشأة .. تطور المركز الثقافي الأمريكى

ومن جانبها عرضت أ/ماجدة برسوم لتطوير ونشأة المركز الثقافى الأمريكى فى القاهرة فكانت المراكز الثقافية مغلقة فى الفترة من 69-74. ومع عودة العلاقات المصرية الأمريكية فى 74 بدأت الدبلوماسية العامة تلعب دورها من خلال مركز معلوماتى تطور بعد ذلك إلى مكتبة عامة، وكان يمارس دوره بدون وجود حساسية سياسية تجاهه. ولكن تغيرت الأوضاع بعد أحداث نيروبى فأصبحت المراكز الثقافية تعمل داخل قلاع السفارة؛ وحتى نوعية الجماهير التى تتعامل مع المراكز اختلفت.

  أهم خدمات المركز

   وأشارت أ/ماجدة إلى أن أهم ما تقدمه هذه المراكز هو توصيل المعلومات اللازمة للباحثين وإتاحة وتسهيل فرص البحث لديهم سواء فى المكتبة، أو من خلال البحث في المواقع على الانترنت. وصار هناك تركيزاً أكبر على الأخير كمساعدة للباحثين .

   كما ينظم المركز الدورات والبرامج، ويعقد المحاضرات ويدعو لذلك محاضرين مم مختلف التوجهات دون تحيز، وتقول أ/ماجدة أن التوجه بالحوار والمساعدة أصبح بشكل أكبر للشباب .

   وتحدثت أيضاً عن كيف عدَّ مركز الدراسات الأمريكية نقلة نوعية في مجال التعرف على الداخل الأمريكي ودراسته وإدراك كيفية التعامل معه، وهناك أيضاً برنامج لترجمة الكتب الأمريكية إلى العربية وذلك ضمن ما يقدمه المركز الثقافي الأمريكي من خدمات وأدوات للتواصل والتعارف.

   وتؤكد أ/ماجدة على أهمية الدبلوماسية العامة والشعبية طويلة المدى؛ فالحكومات تتغير أما الشعوب فهى قائمة. وبالتالي يجب أن يكون لدينا إدراكاً بأهمية التواصل مع جميع قوى الضغط الأمريكية والتي ترى  تاثيرها على السياسات أو- على الأقل- قد يظهر تأثيرها على مستوى لغة الخطاب والمفاهيم التى تحكمه. ومثال ذلك وكأحد أهم نتائج جهود هذه المراكز الثقافية، ما حدث من تغير فى لغة الخطاب الأمريكي فقد جنح عن استخدام بعض المفردات من قبيل "فرض الإصلاح"، و"يجب " وإلى غير ذلك من مفردات تشير إلى سياسات  فرض القوة، إلى استخدام مصطلحات أقل حدة، ويرجع ذلك إلى المقابلات واللقاءات التى يتواصل فيها الدبلوماسيين هناك مع قوى المجتمع المدنى هنا والقوى الأخرى فى المجتمع.

   وشددت أيضاً على أهمية معرفة المجتمع الأمريكي عن طريق التعايش وليس فقط عن طريق الإعلام الذي يعطى صورة سلبية.

وأشادت بفكرة محاكاة الكونجرس الأمريكي التي تم تبنيها مباشرة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، وقد عكس ذلك وعى النخبة الثقافية بأهمية التواصل والحوار من خلال الدراسة والتعرف على الإدارة الأمريكية وكيف تتخذ القرارات داخل هذا المجتمع.

وعن خبرة الهيئات الأمريكية العلمية والبحثية فى العلاقات الأكاديمية العربية الأمريكية عرض د/ عبد الموجود الدرديرى خبرته من خلال نموذج "مؤسسة فولبرايت"

وركز بشكل أساسي على خبرته العلمية والعملية فى الخارج من 1985 ولخص هذه الخبرة الشخصية فى ثلاث محطات؛ كانت المحطة الأولى هى الاصطدام بالخارج ولم يكن وقتذاك لديه مشروع حضارى يتواصل من أجله مع الآخر. والمحطة الثانية كانت فى الجسر بين الخارج والداخل وحالة التحاور، والذى حاول فى سياقه أن يلعب دوراً فى هذا الحوار، وأخيراً محطة العودة إلى الداخل وتنظيم تجربة الحوار خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر الذى طرح فى إطارها السؤال الذى فرض علينا Why did they hate us? فى حالة من إلقاء التهمة علينا وقد أعددنا من خلال المركز دراسة على هذا السؤال .. ويقول د/عبد الموجود: إن من أهم ما خلص له أن بعض الآراء تعرف الحقيقة ولكن من مصلحتها أن تبقى الآخرين لا يعرفون وهذا هو التحدى . ونبه الدرديرى إلى ضرورة تشجيع الحوار بين الطلبة الأمريكيين والمصريين وتبنى مؤسسة سوليا هذه البرامج للتبادل العلمى الطلابى وشدد على ضرورة ألا يصاحب عملية الحوار مع ثقافات الآخرين الانبهار بهم؛ هذا الانبهار الذى يتخافت من خلال التعايش.

وتعرض أيضًا د/عبد المنعم المشاط فى تعقيبه خبرته كمستشار إعلامي مصري فى الولايات المتحدة، وأشار إلى دور المعارض المتعددة والفرق الشعبية، ودور الأفراد (مثال  د/زاهى حواس)، وكذلك دور الندوات والمؤتمرات فى التواصل بين ثقافات الشعوب، كل ما سبق يعكس كما قال د/المشاط أهمية طرق الأبواب، وأشار أيضاً إلى دور اتحاد الطلاب المصريين فى الخارج لخلق تواصل بين الشعب الأمريكي والمصري.

وأثارت المداخلات من الحضور عدة أفكار وتساؤلات أهمها:

1.     عدم وصول جهود المركز الثقافى الأمريكى لجميع مستويات المجتمع المصرى فهى تركز فقط على قطاع المثقفين.

2.  المواطن الأمريكي متمركز حول ذاته ولديه قابلية لأخذ أى صورة عن الآخر ولذا يظهر التأثير الصهيوني فى المجتمع الأمريكي حيث يسيطر على الإعلام.

3.    لابد من التفريق بين الحكومات والشعوب. ومدى مصداقية حرية الإعلام الأمريكي

-       كيف تصور قضايانا من خلال مكاتب الدبلوماسية العامة وهى بالتأكيد انعكاس وتعبير عن الخطاب الرسمي الأمريكي.

-   الخطاب الأمريكي لابد أن يكون عادلاً وغير مانع بالنسبة للقضايا التى تتعلق بالقيم التى تتبناها (الديمقراطية وآلياتها من الانتخابات الحرة..الخ).

-       تخاذل العرب سبب أساسى فى سيطرة القوة المهيمنة.

-   لابد من إدراك أن الدبلوماسية العامة الأمريكية هى وسيلة السياسة الأمريكية فى تحقيق مصالحها ، وهذا ما يفسر اهتمام الإدارة الأمريكية  بمخرجات الديمقراطية أكثر من الاهتمام بمدخلاتها.

وأثير تساؤل حول ما إذا كان للإدارة الأمريكية استراتيجية كلية يتم من أجلها التنسيق بين المركز الثقافى والهيئات والمؤسسات الثقافية الأخرى، أى هل هناك network أم لا مركزية فى عملية التأثير فى ثقافة الآخر، وقد نفى أ/ماهونى  وجود استراتيجية أمريكية للتأثير فى ثقافة الآخر وأشار إلى وجود فضول عربي أمريكي متبادل لتعرف كل طرف منهما على الآخر.

وفيما يتعلق بتساؤل حول حركة حماس وموقف الإدارة الأمريكية منها؛ فقد برر أ/ماهونى هذا الموقف بما أعلنته الحركة من عدم قبولها لوجود إسرائيل وهو ما لا تستطيع المجتمع الدولى ولا أمريكا التعامل معه.

والقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي قضية لم تغيب عن مداخلات المناقشين فى محاور الندوة الثلاثة كنموذج تختبر فيه مصداقية الإدارة الأمريكية.

وعن دور أقسام اللغات، نبه د/الدرديرى إلى ما يمكن أن تضطلع به هذه الأقسام فى المشروع الاستشرافى ونبه أيضاً إلى ضرورة تفعيل الجيل الثانى والثالث فى المجتمع الأمريكى مع أقسام العلوم السياسية.

وفسرت أ/ ماجدة اقتصار جهود المركز الثقافى الأمريكى على القاهرة، فسرت ذلك وأرجعته إلى المحاظير الأمنية التى تفرض عليهم عند الخروج إلى خارج مجتمع القاهرة ونطاقه.

الجلسة الثالثة:صناعة الصورة الأمريكية فى العالم العربى: شهادات وخبرات مصرية

     وجه د/ محمد السيد سعيد رسالة جوهرية في مفتتح هذه الجلسة أوجب على الجميع تبنيها وإعلانها وهى أن قضيتنا ومشكلتنا ليست مع الشعب الأمريكي ولكن مع الإدارة الأمريكية.

       وعرض د/ إكرام لمعي خبرته عبر جولات للحوار المصري الأمريكي مر بها، ووصل من قراءته فيها إلى مجموعة من الاستنتاجات:

   بين الموقف المصري والموقف الأمريكي في حوار

      يقول د/إكرام، بالنسبة للجانب المصري فالحوار فرض علينا ولم نكن وقتذاك نمتلك أدوات الحوار ولا القدرة على الفهم والتفهم اللذان يمثلان أهم معاني الحوار، وليس لدينا مرونة.إضافة إلى ما كنا نعيشه من هزائم داخلية وخارجية جعلتنا نقدم أسوأ ما عندنا، ورأى فينا الآخر أردأ ما لدينا. إلى جانب ما أخذوه من موقف التسامح وأخذناه نحن من موقف الرفض. 

      وبالنسبة للمجتمع الأمريكي، يقول د/ إكرام إن المجتمع الأمريكي ليس مجتمعاً واحداً؛   ففيما يتعلق بقضية الحوار؛ فالمجتمع والإدارة الأمريكية ينقسمان إلى تيارين رئيسيين؛ تيار يدافع عن مفهوم صدام الحضارات، وتيار يجابه الصدام. والأخير هو الغالب في المجتمع  لكن كلاهما يتفقا على أن الإسلام حل محل العدو الشيوعي، فالاختلاف إذن في أساس التعامل على حد ما سنرى.

   ويقود  تيار صدام الحضارات مجموعة من المحللين،أهم توصياتهم هى:

1-  ايقاظ الغرب

2-  الإسلام سيغزو أمريكا من خلال المزيد من المسلمين.

3-  أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالتحرك الاستراتيجى لاجهاض دعوة هزيمة الغرب.

4- أن الضغط على الحكومات العربية لتبنى الدفاع عن حقوق الإنسان و تبنى  مبادىء وآليات الديمقراطية هو نوع من الرفاهية لشعوب هذه المنطقة. وسيعمل ذلك على اضعاف الحكومات، وإلى اختيار هذه  الشعوب المسلمة حكومات متطرفة إذا ترك لها الاختيار.

       وفى المقابل يرفض التيار المجابه لفكرة الصدام هذه الرؤية السابقة التي يتبناها البعض في الإدارة الأمريكية، ويفسر رفضه هذا بناءاً على مبدأين يشكلان رؤيته لعملية الحوار وهما:

1-  أن الإدارة الأمريكية يجب أن تحترم تنوع الثقافات.

2- يجب أن توجه وتركز الإدارة الأمريكية اهتمامها في التواصل والحوار مع النموذج الإسلامى المعتدل، فيجب  أن تفرق بين الإسلاميين الذين يمكن التفاهم معهم وبين الآخرين المتطرفين.

ويرى أيضاً أصحاب هذا الاتجاه أن الأصوليين يعدوا تحدياً ولكنهم فى ذات الوقت فرصة لإعادة تشكيل الفكر من خلال الحوار.

            ويتفق د/كرام مع رؤية المجتمع الأمريكي فى إرجاع مسئولية الصورة السلبية عن مجتمعاتنا إلى تلك المجتمعات ذاتها وحكوماته فعليهما القيام بالتخطيط لحوار، فاليهود  لديهم أجندة موحدة أما أجندات العرب غالباً -إن لم تكن دائما-ً مختلفة مما يؤثر سلباً على فاعلية الحوار.

 ويضيف أن هناك مجموعة من التساؤلات المكررة لدى المجتمع الأمريكي عند الحوار مع الجانب المصري:

 - إذا كان الدين الإسلامى هو دين الأغلبية ف مجتمعكم فكيف تتعايشون؟ وما علاقة الدين بالسياسة  وتأثيره عليها؟

- ما تقييمكم لأداء الحكومة المصرية فى سياق إعلان حقوق الإنسان،وما مدى تأثير مصر فى المجتمع العالمي ومدى إدراكها لمتطلبات هذا المجتمع؟

- علاقة أحداث الحاد عشر من سبتمبر بالقضية الفلسطينية ، والإسلام ، الحل للإرهاب .

    وأخيراً يشير د/ إكرام إلى أحد وأهم المفارقات التى لاحظها من خبرته وجود اختلاف فى درجة معرفة المجتمع الأمريكي بالثقافات الأخرى فمعرفته عن مصر واندونيسيا مثلاً فى مستوياتها الدنيا ولا يعرفوا عن هذه الدول شيئا،والمواطن الأمريكى لديه شغف للتعرف عليهما جغرافياً وتاريخياً عكس الحال بالنسبة مثلاً للهند التى فوجئوا بما لديى الأمريكيين من معرفة مزهلة عنها، وهذه المفارقة تحتاج منا إلى تأملها و محاولة تفسيرها كما يقول د/اكرام.   

   وانتقالاً إلى خبرة أ/ عاطف الغمرى فى المجال الاعلامى، فيقول أننا اعتدنا تعويل الصورة السلبية المأخوذة عنا على سيطرة اللوبى اليهودى على الإعلام الأمريكي.  وبالفعل النفوذ اليهودى فى أمريكا بدأ ينظم ويخطط له استراتيجاً من عام 57 ، وساعد على ذلك طبيعة الإعلام هناك  حيث تسيطر عليه وتمتلكه شركات كبرى.

وفى حديثه عن علاقة سياسة الإدارة الأمريكية بالسياسة الإعلامية يقول أ/ عاطف أن منذ أحاث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان الإدارة الأمريكية الإسلام العدو الذي يهدد الأمن القومي، تبنى الخطاب الاعلامى ذلك. وعندما ثار النقاش مؤخراً حول  ما إذا كان قد تحقق الأمن القومي لأمريكا بالفعل أم لا ؟! اعتبر البعض وصف الإرهاب متجسداً فى الإسلام أنه هو العدو هو توصيف غير دقيق للعدو ولذا لابد من تحديد تعريف واضح للعدو،كذا لمصدره.  وقد حدد بالفعل فى المنطقة العربية التي تحكمها حكومات ديكتاتورية وتحول حينئذ الخطاب الاعلامى الذى تبنته وسائل الإعلام تباعاً لذلك  إلى خطاب يركز على غياب الديمقراطية فى المنطقة العربية ومسئوليتها بسسب ذلك عن الارهاب.

   وعن الوسائل الإعلامية التى توظفها الإدارة الأمريكية؛ فيقول الغمرى إن لوكالات الأنباء و مراكز الفكرthink tanks دور كبير فى مساندة سياسات الإدارة الأمريكية   

 محددات التعامل والحوار المصري الأمريكي:

     وإضافة للخبرات السابقة حددت د/ منار الشوربجى  عدة محددات تحكم التعامل العربى الأمريكى أهمها:

1-    استبعاد إمكانية التعامل مع الولايات المتحدة فىظل سياستها العدائية القائمة على العسكرة وقد سيطر هذا الشعور ووجد تبريره من نقطة تاريخية محددة فى نوفمبر 2004 عندما أعيد انتخاب الرئيس بوش مرة ثانية، فساد المجتمع العربي والمصري حالة من القنوط والحيرة، وأثير النقاش حول مسئولية الناخب الأمريكى عن هذه النتيجة .مما دل على تجاهله للاعتبارات المسئولة عن الاستياء العالمى تجاه السياسة الأمريكية. ومنذ ذلك الحين ترسخ فى فكر العقل الجمعى المصرى فكرة مؤداها: أن أمريكا صندوق أسود لا يملك مفاتيحها إلا اللوبى اليهودى.

وانقسم هذا العقل الجمعى إلى ثلاث اتجاهات تبنى كل منها خيار مختلف فى التعامل مع المجتمع الأمريكي:

1-   خيار الانفتاح الكامل

2-   خيار المواجهة الشاملة

3-   خيار القطيعة الكاملة

              مسئولية الخطاب الاعلامى المصري ... خصائصه

وترى د/ منار أن هذه الخيارات تعكس قتامة الصورة لدينا وستظل كذلك حتى يتم الانتباه إلى أمريكا الأخرى على حد وصف د/ ادوارد سعيد ، فهناك اختزال للمجتمع الامريكى الهائل التشابك ومرجع ذلك للخطاب الاعلامى الذى يتسم بالانفعال والتبسيط والقنوط واللانهائية فى الوصف للسياسات الأمريكية، دون محاولة الانتقال إلى تفكير خلاق فى تفعيل ذلك لفهم الولايات المتحدة. ولتحقيق ذلك  لابد من بحث علمى وإلا سيظل الموقف من المجتمع الأمريكى متحيزاً سواء فى إيجابيته أو سلبيته.

    أمريكا الأخرى..دور البحث العلمى فى اكتشافها

وعودة ثانية إلى فكرة أمريكا الأخرى التى يجب التفاعل معها تقول د/ منار أن أمريكا الرسمية ليست كتلة واحدة ولكن يوجد تبايناً بداخلها؛ أى داخل مؤسساتها، حتى فى مؤسسات اتخاذ القرار فالكونجرس الأمريكي ذاته يشمل اتجاهات ترفض التفكير الامبراطورى . كما أن الخبرة التاريخية توضح أن التغيير فى أمريكا يأتى عبر الحركات الاجتماعية ، وهذا الجانب يتم التعتيم عليه؛ مما يكشف عن الدور الذى يجب أن تضطلع به المراكز البحثية والبحث العلمى الجاد فى دراستها عن أمريكا وتتجه فى ذلك لأبعد من مجرد إعادة انتاج لدراسات أمريكية. وقد خلصت د/ منار إلى نتيجة مؤداها:  أن المقاومة الحقيقية تبدأ من الفهم والمعرفة.

        وعن خبرات التبادل الطلابي عرضت الطالبة منى عقيل لخبرتها فى ذلك وحددت مصادرها فى ثلاث خبرات: الأولى من التبادل الطلابي من خلال نموذج الكونجرس الأمريكى والثانية خبرة التنسيق بين أحد مؤسسات المجتمع المدني ووزارة الخارجية الأمريكية.

 وكانت أهم خلاصة هذه الخبرة :

-اكتشاف الاختلاف فى الرؤى مع وجود تسامح يعبر عما أسماه د/ محمد السيد سعيد بالاستعباط السياسي.

- كان موضوع الحوار الرئيسي  بين الطلاب عن قضية الصراع العربي الاسرائيلى، وقوبل من جانب ممثلو الإدارة الأمريكية بقدر كبير من التسامح وقبول الرأى الآخر وقد كان ذلك متوقعاً من الطلاب المصريين.

- تبرير ما يتخذونه من قرارات بعدم معرفتنا وإدراكنا لحقائق الأمور

-  حدوث نوع من العصف الذهنى نتيجة هذه الخبرة. 

ويعقب  الدكتور/ محمد السيد سعيد على ما سبق فى عدة أفكار وتساؤلات تتطلب منا  التأمل  والتفكير فيها :

- لابد أن نحدد من نحن؟ ماذا نريد؟ ولابد من حسم موقفنا من قضايا خلافية عديدة مثال : تحديد موقفنا من حرية التعبير وحرية العقيدة فى إشارة منه إلى قضية البهائيين.

- ما الرسالة العالمية التى نضع فى سياقها تجربتنا ؟

- ما يبدو من وجود مؤامرة بين الحكومات والإدارة الأمريكية.

المداخلات والردود: 

   انقسمت المداخلات والتعقيب عليها حول عدة أفكار: 

- مسئولية تحسين الصورة مسئولية من؟ وفى المقابل استبعد د/ إكرام ما يسمى بتحسين الصورة فما يجب هو تحسين الأصل؟

- التركيز على الداخل المصري وضرورة التنسيق بين قوى المجتمع المدني. وأهمية تكتل مؤسستنا الإعلامية فى المجتمع الأمريكي.

- لا توجد أمريكا الأخرى على أرض الواقع وبالتالى كيف سنتعامل معها ؟ وفى المقابل رفضت د/ منار هذه النظرة التى تقوم على أساس تأريخ العلاقات العربية الأمريكية منذ 11 سبتمبر واختزالها فى هذه اللحظة التاريخية.

-لماذا التركيز فى الحوار المصرى الأمريكى على الطرف الإسلامى فأين الطرف المسيحى وطرح هذا التساؤل تعليقاً على الخبرة التى قدمها د/ اكرام.

- هل نتيجة التبادل الطلابى هو عصف ذهنى أم غسيل للعقول؟  وفى المقابل أثارت الطالبة منى إشكالية الثابت والمغير، وأن ما يتم عصف الذهن حوله هو المتغير أما الثابت فلا يمكن تغييره ويتوقف ذلك على قوة ترسخه فى البناء الذاتي للشخصية التي تتعرض للاحتكاك والتواصل.

- هل الاتجاه الغالب بالفعل لدى الإدارة الأمريكية هو: إن لم تكن معنا فأنت ضدنا؟.

المحاضرة الختامية:د/ عبد الوهاب المسيرى

تعرض المسيرى لقضية الحوار وموضوع الندوة من خلال طرحه لمفهوم الخريطة الادراكية ويقصد به: أن المرء تتحدد استجابته للواقع من خلال مجموعة فلاتر تمثل مخزونه الادراكى.

ويقول فى هذا السياق إن الإدارة الأمريكية استطاعت أن ترسم المخزون الادراكى للأمريكيين؛ فقد نجحت فى تفريغ المجتمع الأمريكي وتقسيم مهام الحكم بين الإدارة والمجتمع فتختص النخبة الحاكمة بأمور الحكم وتحولت النفس الأمريكية إلى آلية لتحقيق ذلك.

ومع إدراك الإدارة تأثير الصورة عن الكلمة المكتوبة صارت السيطرة وعملية التحكم فى المواطن الأمريكى سهلة، وقد أسهم كل ذلك فى تهميشه  وتكوين خريطته الادراكية.

كما نجحت الولايات المتحدة فى استغلال عامل الدين فى قضايا الشرق الأوسط واعتقدت الحركة الصهيونية أن المسألة بالأساس إعلامية.وفرغت الإدارة الأمريكية الظاهرة من سياقها التاريخى وهنا يمكن أن تفرض أى معنى.

ولذا يرى المسيرى إنه لا يمكن تغيير الصورة الذاتية إلا بتغير الخريطة الادراكية للنخبة الحاكمة التى ترى أن الإسلام جزءاً من منظومة الإرهاب- والتساؤل هنا أنه إذا كان ذلك صحيحاً فلماذا تظهر هذه الظاهرة إلا منذ منتصف السبعينيات)

والحوار لدى المسيرى له ثلاثة مستويات:

1-   الحوار الندى والذى لا يثار فى إطاره أى مشكلة الا فى التفاصيل.

2-   الحوار النقدى وهنا لابد أن يرسل للآخر رسائل عن الخطأ الذى وقع فيه. 

3- الحوار المسلح وهو الذى يتبعه المناضلون فى العراق وفلسطين وفيه تتم إرسال الرسائل أيضاً ولكن بالوسائل المادية.

تلخصت المداخلات فى عدة أفكار:

- للحوار جدوى ولكن فى سياق ضوابط محددة.

- الخريطة الإدراكية تتطور وتتغير وهذا ما حدث للشعب الأمريكي في خبرته في حالة العراق.

- نجت حماس في تطوير حوار مركب فلم تتنازل عن حقها في المقاومة واستمرت فى نفس الوقت فى الحوار النقدى.

وختم المسيرى المحاضرة بقوله إن أصعب ما يمكن أن يحدث للإنسان أن تهتز صورته الإدراكية وقد حدث ذلك للشعب الأمريكى. ففى اعتراف لمادلين اولبرايت قالت فيه أنها بقت ستة  أشهر لتفهم معنى الكرامة. وتفسير ذلك أن هذا المفهوم ليس جزءاً من خريطتها الإدراكية.