الخصوصية الثقافية فى خطابات الإصلاح وسياساته فى مصر:

الخريطة والإشكاليات

د/ نادية مصطفى

مقدمة:

بعد تراكم موضوعات المؤتمر، ابتداء من الأبعاد النظرية، إلى النماذج الفكرية إلى خبرات المؤسسات المقارنة، إلى خبرات وخطابات عربية وغربية، كان لابد وأن نصل إلى محطة الحالة المصرية. حقيقة تناولت إحدى دراسات المؤتمر حالة المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر كما تناولت دراسة أخرى رؤية أقباط مصر عن الموضوع محل الاهتمام، إلا أنهما حالتان جزئيتان، في حين أن الاقتراب من الحالة المصرية في هذه الورقة الخلفية لحلقة النقاش هو اقتراب كلي يهدف لرسم خريطة هذه الحالة ونمط العلاقة بين أبعادها من ناحية، وتحديد إشكاليات المناقشات حول أبعاد هذه الخريطة من ناحية ثانية، وطرح الدلالات بالنسبة لكيفية تفعيل "الخصوصية الثقافية" في السياق المجتمعي المصري وعلى صعيد مجالات التغيير المختلفة الاجتماعية والسياسية والثقافية من ناحية ثالثة. والهدف من هذا الاقتراب هو محاولة بيان كيف أن قضية الخصوصية الثقافية على الساحة المصرية تتجسد فعليًا على أكثر من مستوى بحيث لا يمكن إسقاطها من حسابات الإصلاح الشامل.

بعبارة أخرى، بقدر ما كانت معايشتنا –طوال الخمسة الأعوام الماضية- الحالة المصرية –في سياقها الإقليمي العربي وسياقها الإسلامي وسياقها العالمي بمثابة أحد المحفزات لتحديد موضوع هذا المؤتمر وتصميم هيكله، بقدر ما كان لابد وأن يؤدي تفرع موضوعاته بنا في النهاية إلى هذه المحطة.

ومن ثم؛ فإن هذه الورقة الخلفية للحلقة النقاشية تتكون من ثلاثة محاور.

الأول عن دوافع الحاجة لرسم خريطة أبعاد قضية الخصوصية الثقافية على ساحة النقاشات حول الإصلاح في مصر.

والثاني يرسم هذه الخريطة على ثلاثة مستويات: منطلقات ومفردات القضية ومجالاتها وقضاياها.

والثالث يقدم بعض النتائج التي تمثل منطلقًا للنظر في كيفية تفعيل التغير السياسي والمجتمعي في مصر آخذين في الاعتبار مقتضيات ما يجب استمراره من سمات الخصوصية وما يمكن تغييره من هذه السمات.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة الخلفية لا تقدم توثيقًا شاملًا لموضع الخصوصية من خطابات وسياسات الإصلاح في مصر بقدر ما تقدم نتائج القراءة في النقاشات التي دارت حول خطابات وسياسات الإصلاح في مصر، والتي تطرقت بصورة مباشرة أو غير مباشرة للقضية المعنية. وهذه النقاشات جرت على ساحات إعلامية وفكرية وأكاديمية متنوعة شاركتُ فيها بصيغ مختلفة: كباحثة أو مناقشة أو مراقبة أو محررة، وجمع خيوط هذه النقاشات الممتدة على هذه الساحات المتفرعة كان يمثل همًا فكريًا وأكاديميًا تفاعلتُُ معه طوال خمس سنوات، أي منذ أحداث سبتمبر 2001، والتي كشفت الغطاء وبقوة عن إشكالية كانت كامنة ألا وهي إشكالية العلاقة بين الديني الثقافي وبين السياسي في عمليات الإصلاح موضع الاهتمام في أبعادها الداخلية والخارجية.

ومن ثم؛ فإن جمع هذه الخيوط الممتدة والمتفرعة لتقديم رؤية كلية عن حقيقة موضع "الخصوصية الثقافية" من النقاشات حول التحولات والتغيرات على الساحة المصرية هو هدف هذه الورقة الخلفية وكمنطلق لا غنى عنه للاقتراب من مدخل تفعيل التغيير السياسي والاجتماعي الراهن في مصر.

ولا مفر من التأكيد مرة أخرى أن الرؤية التي تقدمها الورقة هي الرؤية الناجمة عن خبرتي الذاتية في أنشطة متنوعة(*).

المحور الأول: دوافع الحاجة لرسم الخريطة وتحديد الإشكاليات

يشكل الاهتمام بهذه المحطة اعتباران أساسيان: الاعتبار الأول يتصل بالدلالات العملية لهذه الحالة بالنسبة لمقولات نظرية عن محددات تشكيل دوافع ومسار عمليات التحول السياسي والمجتمعي وفي قلبها المحددات الثقافية وإشكاليات علاقتها بنظائرها السياسية.

والاعتبار الثاني يتصل بدلالة المرحلة الراهنة من التحولات المصرية –مقارنة بغيرها- فيما يتصل بإشكالية "الخصوصية الثقافية" وكيف تقدم هذه المرحلة سمات جديدة مقارنة بسمات مراحل سابقة شهدت أيضًا اهتمامًا بتأثير المتغيرات الثقافية على التحولات السياسية الداخلية والعلاقات الخارجية في مصر وغيرها من الدول العربية والإسلامية.

فمن ناحية، بالرغم من أن مستوى هذه الدراسة هو مستوى الممارسة –وليس مستوى النظرية، إلا أن هذه الممارسة الوطنية المصرية لتمثل ساحة هامة من ساحات عديدة يمكن أن تساعد على اختبار مقولات نظرية متنوعة تموج بها أدبيات العلاقات الدولية وأدبيات النظم المقارنة بصفة عامة وتلك المتصلة بالجنوب بصفة خاصة. وهي المقولات التي تعكس تجدد الاهتمام وصعوده بدراسة دور الدين– والثقافة. ولقد اقترن هذا التجدد في الاهتمام بملمحين أساسيين من ملامح المراجعة في علم السياسة بصفة عامة، والعلاقات الدولية بصفة خاصة، والذي ترتب عليهما هذا التقاطع الراهن بين مجالي العلاقات الدولية والنظم المقارنة.

وهذان الملمحان هما: اهتزاز الحدود الفاصلة بين الداخلي والخارجي (في ظل عمليات وسياسات وإيديولوجية العولمة) من ناحية([1]) وإعادة تعريف السياسي من ناحية أخرى([2]) في ظل اهتزاز الحدود الفاصلة في الدراسات السياسية بين الديني– الثقافي- المجتمعي وبين السياسي– الاقتصادي، وكذلك فيما بين الدولة والفواعل من غير الدول، ومن ثم الاهتمام بمستويات أخرى للتحليل تتجاوز مستوى الدولة– القومية إلى مستويات أكثر اتساعًا مثل مفهوم "الجماعة العالمية" World community.

ومن ناحية أخرى، هذان الملمحان يتجسدان بأشكال متنوعة على أرض الممارسة والحركة. ومن أهم تجلياتهما المعاصرة ما يتصل بقضية العلاقة بين الثقافة وبين التحولات المجتمعية والسياسية الشاملة التي تشهدها ليس مصر فقط ولكن النظم والمجتمعات العربية والإسلامية برمتها في ظل الموجة الراهنة من موجات الإصلاح التي مرت بها من قبل هذه النظم والمجتمعات، ولو في ظل سياقات وطنية وإقليمية وعالمية مختلفة، وهذه الموجة الراهنة تشهد تدخلًا خارجيًا في عملية الإصلاح الداخلية، غير مسبوق من حيث درجة وطبيعة توظيفه للأبعاد الدينية- الثقافية في تدخلاته، مما أبرز الحديث عن "الخصوصية الثقافية".

وفي المقابل نرصد أيضًا التوظيف السياسي من جانب كل من نخبة القيادة المصرية وبعض من قوى المعارضة لخطاب الخصوصية الثقافية وإن اختلفت بالطبع منطلقات كل من الجانبين وغاياته من وراء هذا التوظيف، ولكن جمع بين الجانبين رفضهما (ولأسباب مختلفة) للتدخل الخارجي باسم الإصلاح.

ولهذا؛ فإن استكمال حديث دوافع الحاجة لرسم الخريطة وتحديد الإشكاليات يفترض -بعد الإشارة عاليًا إلى الاعتبارات التي تشكل الاهتمام بهذه الخريطة- التوقف عند أمرين أساسيين تكشف عنهما حالة النقاش حول المدخل الثقافي لخطابات الإصلاح ولسياساته.

الأمر الأول هو الاشتباك بين مفهوم الخصوصية الثقافية ومفهوم البعد الثقافي في حديث الإصلاح بصفة عامة (الشامل) أو الإصلاح السياسي بصفة خاصة أو الإصلاح الثقافي بصفة أخص.

الأمر الثاني المنطلقات المختلفة لكل من النخب الحاكمة والنخب المعارضة (مع ملاحظة التنويعات أيضًا على صعيد تلك الأخيرة) وكذلك غاياتهما المختلفة من وراء توظيف حديث الخصوصية في تقاطعه مع حديث التدخل الخارجي وذلك في لعبة توازنات القوى السياسية حول عملية الإصلاح بصفة عامة والسياسي بصفة خاصة.

وإذا كانت إشكالية العلاقة بين الديني- الثقافي وبين السياسي تقع في صميم الأمر الأول؛ فإن إشكالية العلاقة بين الداخلي والخارجي هي التي يتمحور حولها الأمر الثاني. وهما إشكاليتان متقاطعتان، كما سنرى.

الأمر الأول يطرح قضية اشتباك مفهوم الخصوصية الثقافية مع المتغير الثقافي عند تناول التحولات السياسية والمجتمعية في مصر من مدخل ثقافي؛ فلابد وأن نتساءل أين مناط التمييز الصريح وكيف ولماذا يجب فك هذا الاشتباك، وكيف يتحقق هذا على ضوء رسم خريطة أبعاد النقاش حول الخصوصية؟

1- مما لا شك فيه أن النقاش الأكاديمي والسياسي حول تأثير العامل الثقافي على السياسة في مصر (وخاصة الداخلية) ليس بجديد، كما أنه اتخذ أشكالًا مختلفة، ابتداءً من حديث الثقافة السياسية والتنشئة السياسية (الذي بدأ في الستينيات والسبعينيات وحقق قفزة منذ بداية الثمانينيات في ظل ظروف سياسية (بداية الديموقراطية المقيدة) وأكاديمية (تراجع المدرسة السلوكية) مغايرة وصولًا إلى حديث العلاقة بين المجتمع المدني والتحولات الليبرالية والديموقراطية، وخاصة ما يتصل بما يسمى التربية المدنية وعلاقتها بهذه التحولات في ظل السياق العولمي لقضية الديموقراطية الذي تحركه الولايات المتحدة. وهذه النقاشات سواء في شقها السياسي أو الأكاديمي إنما تطرح إشكالية العلاقة بين السياق السياسي والمؤسسي للنظام السياسي وبين السياق الثقافي والقيمي للمجتمع وشروط التحول الديموقراطي ومناط إحداث هذا التحول ابتداءً من النسق السياسي والدستوري والقانوني أم النسق المجتمعي الثقافي القيمي أي أيهما المتغير المستقل وأيهما المتغير التابع([3]). ولم يقدم الأدب النظري إجابات حاسمة حول هذه الإشكالية بصفة عامة، أي لم يقدم قواعد يمكن تعميمها أو قبولها في كل الحالات فضلًا عن تعدد أطروحاتها عن أنماط الديمقراطية المختلفة وكيف أن الديموقراطية الغربية ليست إلا نمطًا واحدًا من بينها يستند إلى منظومة من القيم والمعتقدات تختلف عن نظائرها في الأنماط الأخرى.

ومن ثم؛ فإن اتجاهات النقاشات حول هذا الأمر تفرز توافقًا وسطيًا حول أن التغيير الجذري نحو تحول ديموقراطي حقيقي لابد وأن يبدأ من الأبنية السياسية والدستورية والقانونية (التغيير قصير الأجل) وبحيث يصبح التغيير المجتمعي في جانبه القيمي الثقافي (التغيير طويل الأجل) ضرورة وسبيلًا في نفس الوقت لترسيخ النظام الديموقراطي وتدعيمه.

ومن ثم؛ فإن الأدب النظري أيضًا لم يحسم الرأي حول نمط هذه الإشكالية على الساحة العربية والإسلامية بصفة عامة والساحة المصرية بصفة خاصة. فإذا كان البعض قد أرجع صعوبة تحقق الديمقراطية في الوطن العربي لافتقاده ثقافة الديموقراطية؛ فإن البعض الآخر انتقد بشدة اتخاذ الثقافة السياسية كعامل مركزي في تفسير إمكانيات ومعوقات التحول الديموقراطي. ومن الأبعاد الثقافية محل الإشارة: ضعف المشاركة في الانتخابات، شروط إدماج الإسلاميين في الحياة السياسية، والعلاقة بين الإسلام والديموقراطية، مدى توافر توافق وطني حول نموذج الجماعة الوطنية، ثقافة الاقتصاد السياسي، ثقافة الحراك الشعبي والمدني.

هذا وتجدر الإشارة، أنه بمتابعة تيار من الأدبيات العربية –خلال النصف الأول من التسعينيات([4])- نلحظ ضآلة إن لم يكن انعدام الاهتمام بموضع البعد الثقافي من عمليات التحول الديموقراطي التي بدأت إرهاصاتها في المنطقة –ضمن إرهاصات التحولات العالمية على هذا الصعيد سواء في شرق أوروبا أو أمريكا اللاتينية مثلًا -وربما كان الاستثناء الوحيد هو ما يتصل بنقاشات الخصوصية– العالمية وخاصة في مجال حقوق الإنسان أو نقاشات الأصالة والمعاصرة وذلك عند الاقتراب من دراسة الحركات الإسلامية وتيارات التجديد الفكري الإسلامي في جدالها مع العلماني ثم العولمي.

هذا، ولا يمكن بالطبع، إنكار الجهود التي تمركزت على المداخل الثقافية في حد ذاتها (المناخ الثقافي، السياسات الثقافية في مصر)([5]) ولكنها تمحورت حول ذاتها أكثر من سعيها لعبور الحدود الفاصلة بينها وبين مجالات معرفية أخرى مثل تطور النظام السياسي المصري وتغيراته أو إصلاحه.

وإذا كانت تداعيات الحادي عشر من سبتمبر قد دشنت موجة جديدة من التدخلات الخارجية حركت أمواج ما يسمى سياسات ومبادرات الإصلاح في مصر وغيرها، وبالرغم من انكشاف تجدد الاهتمام بالأبعاد الثقافية والحضارية وصعوده في الدراسات الدولية، والنظم المقارنة منذ ذلك الوقت، إلا أن تيار من أدبيات الإصلاح في الوطن العربي ظل عازفًا عن الاقترابات والمداخل الثقافية من الإصلاح السياسي أو عن العلاقة بين الأبعاد الثقافية والسياسية للإصلاح برمته([6]).

وفي المقابل؛ فإن بعض من أدبيات أخرى وإن اهتمت بأبعاد ثقافية لسياسات الإصلاح([7]) إلا أنها لم تطرح قضية الخصوصية الثقافية بصورة مباشرة.

وإذا كانت دراسات كلية وشاملة عن تطور الدولة والفكر السياسي في مصر([8]) قد تناولت جوانب الحوار أو النقاشات بين التيارات الفكرية والحركات السياسية الكبرى في مصر، في محاولة لتقدير أنماط الاستجابة لمرحلة التحولات الكبرى ولتحديد ملامح التجديد وسمات المراجعة ونقد الذات، إلا أن من الملاحظ أن بحث العلاقة المباشرة بين الخصوصية الثقافية والإصلاح أو التغيير السياسي لم تكن محل تركيز أو اهتمام هذه الدراسات، مما يعني أن هناك حاجة علمية وعملية ضرورية للاقتراب من هذه المنطقة.

إذن ما الذي يبرر الاهتمام بالخصوصية الثقافية في الحالة المصرية، وما المقصود بها في هذه الورقة؟ وكيف تبلورت النقاشات حولها؟

يمكن القول إنه منذ ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتدشين الاستراتيجية الأمريكية العالمية ضد "الإرهاب" بصفة خاصة؛ فإن تجدد الاهتمام بالبعد الثقافي وعلاقته بالسياسي (سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي) قد أخذ منحنى جديدًا أكثر بروزًا وأكثر صراحة في تناول "الخصوصيات الثقافية"، وليس مجرد البعد الثقافي، ذلك لأن اهتمام الخطابات الأمريكية –والغربية بصفة عامة- عند تفسير أحداث 11/9 وتداعياتها قد تمحور حول "الثقافة الإسلامية" كأهم تجليات الخصوصية الثقافية للدائرة العربية والإسلامية، التي أضحت الساحة الأساسية للحرب الأمريكية ضد الإرهاب؛ وهي الحرب التي اتخذت أشكالًا مختلفة من التدخلات الخارجية من بينها الضغوط باسم التحول الديموقراطي وحقوق الإنسان والتي جاءت تحت مسميات مختلفة ابتداءً من مبادرة باول وصولًا إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وجميعها كانت ذات أبعاد ثقافية واضحة. وفي نفس الوقت تبلور أيضًا الوجه الآخر للعملة؛ أي الخصوصية الثقافية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تنطلق منها أيضًا هذه الحرب على الإرهاب والتي تبلور خلالها التحالف الأمريكي- الإسرائيلي في أقوى تجلياته وتفاعلاته. ومن أهم تجليات هذه الخصوصية الثقافية الأمريكية –التي كشفت عن نفسها ظاهرة واضحة في ظل الإدارة الأمريكية لبوش الابن –هو ما يسمى الأصولية المسيحية أو الصهيونية المسيحية التي تمثل مكونًا قويًا ونافذًا في نسيج المجتمع والسياسة في أمريكا([9]).

ولهذا تبلورت في صورة جديدة إشكالية العلاقة بين الثقافي- السياسي؛ وخاصة على الصعيد العربي- الإسلامي ولم تعد هذه الإشكالية منفكة عن إشكالية العلاقة بين الداخلي والخارجي، منذ ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. وهذا الاشتباك بين الإشكاليتين هو الذي أبرز حديث الخصوصيات –على الجانبين- مشيرًا إلى خصائص هيكلية للثقافة الإسلامية؛ من حيث ارتباطها بقضايا عدة على رأسها قضية الديموقراطية، حقوق الإنسان، الإرهاب.. وباعتبار هذه القضايا قضايا عولمية؛ حيث إن التدخلات الخارجية وتفاعلاتها مع الداخل –حول هذه القضايا الأساسية- وما يتفرع عنها (مثل قضايا تجديد الخطاب الديني، التربية المدنية، المرأة، الحوار... وغيرها)- لا تجعل منها قضايا داخلية بالمعنى التقليدي، كما لا تجعل منها قضايا ذات أبعاد ثقافية –بالمعنى العام- حيث أضحت هذه الأبعاد أكثر تحديدًا والتصاقًا بالنواة الصلدة للثقافة والقيم أي الدين والعقيدة بصفة عامة (كما سنرى لاحقًا).

بعبارة أخرى؛ فإن التيار العام لخطابات وسياسات القوى الغربية –وعلى رأسها الولايات المتحدة، منذ ما بعد الحادي عشر من سبتمبر قد أضحى أكثر سفورًا وأقل دبلوماسية (سواء لأسباب دينية حضارية أو لأسباب سياسية) في استحضار ما يتصل بالإسلام –ثقافة وقيم، سواء عند تفسير أسباب الإرهاب أو سبل التغلب عليه الفكرية والسياسية، ولذا برزت مصطلحات حروب الأفكار والعقول والقلوب إلى جانب حروب الثروة والبترول والأرض. وأيًّا كانت الأسباب الحقيقية لهذا الاستدعاء للإسلام والثقافة الإسلامية (دينية– ثقافية أصلًا أو سياسية توظف الثقافي الديني)، هذا الاستدعاء الذي أثار نقاشات ممتدة حول أسبابه وعواقبه وتجلياته على صعيد السياسات التدخلية في العالم العربي والإسلامي من جانب الولايات المتحدة وأوروبا باسم الإصلاح([10])؛ فإن نمط الاستدعاء ذاته -من حيث درجة البروز والشيوع– قد جعلت النقاشات عن العلاقة بين الثقافي- السياسي تنتقل نقلة نوعية؛ وهي التي قدمت حديث الخصوصية –بالمعنى السابق الإشارة إليه.

هذا، ولقد برزت الاهتمامات بالبحث في خطابات الإصلاح وسياساته في مصر والوطن العربي من مدخل العلاقة بين الثقافي- السياسي، ومن مدخل العلاقة بين الداخلي والخارجي، بالتركيز على دوافع اهتمام القوى الخارجية وأهدافها بما أسموه آثار الخصوصيات الثقافية "الإسلامية" على شيوع حالات الاستبداد والتخلف والإرهاب في العالم العربي والإسلامي وكيفية علاج هذه الحالات بأدوات مختلفة ينجدل على صعيدها الديني- الثقافي- السياسي غيره...([11]).

الأمر الثاني- يتعلق بالتوظيف السياسي من جانب بعض قوى المعارضة ومن جانب نخب حاكمة لمسألة الخصوصية الثقافية وذلك في سياق مناقشة إشكالية العلاقة بين التأثيرات الخارجية وبين الأوضاع الداخلية فيما يتصل بقضية التحولات الديموقراطية وعلاج جذور الإرهاب. ولقد برزت النقاشات حول الإصلاح بين ضغوط الخارج واحتياجات الداخل وبين مواجهة احتلال الخارج ومواجهة استبداد الداخل، ولقد اقترن هذا النقاش بالنقاش أيضًا حول دوافع التوظيف السياسي للخصوصية ودلالاته إلى جانب أمور أخرى بالطبع.

برزت هذه النقاشات في الدوائر الفكرية والإعلامية والسياسية منذ مبادرة باول في 2002 وما تلاها من مبادرات الشرق الأوسط الكبير أو الموسع أو الجديد([12]).

وحيث إن ردود الفعل الداخلية قد تراوحت ما بين مرحب ومعارض بهذه المبادرات الخارجية –الداعية للإصلاحات الداخلية -سواء الفكرية أو الدينية أو الثقافية أو السياسية- فلقد جاء التوظيف السياسي من جانب المعارضين والمرحبين على حد سواء، ولكن اختلفت بالطبع الدوافع والمنطلقات والأهداف لدى الطرفين. وفي هذا الصدد يمكن تسجيل الأنماط التالية للتوظيف السياسي لمفهوم الخصوصية.

فمن ناحية، هناك نمط التوظيف لمنع الإصلاح الرشيد والشامل المنشود.

ويعبر عن ذلك اعتذار جزأ من النظام الحاكم (من خلال خطابات لقياداته أو للنخب الموالية له) عن عدم الإقدام على إصلاح سياسي جذري لغياب ثقافة الديمقراطية لدى القاعدة وعدم استعدادها لهذه المسئولية بعد، ومن ثم؛ فإن احتجاج نخب هذا النظام بعدم توافر ثقافة وقيم الديموقراطية لدى الشعب ليس إلا ذريعة واهية لتأجيل التغيير الجذري من أعلى. ومن ثم؛ فإن الداعين للحاجة إلى الإصلاح من أسفل أولًا- باعتباره الأصعب والشرط المسبق للإصلاح السياسي- كانوا واحد من صنفين إما موالٍ لاتجاه النظام الحاكم الذي يريد المناورة أمام الضغوط الخارجية حتى يجد منفذًا آخر لتأجيل أو وقف هذه الضغوط. والصنف الثاني هو الذي يتبنى بالفعل توجه التدخلات الخارجية والتي وإن رفعت شعارات التحولات الديموقراطية إلا أنها لن تقود إلا إلى استقرار النظم القائمة –بعد تقديمها تنازلات في مناطق أخرى (مثل ساحة الصراع العربي الإسرائيلي والعراق)، في مقابل الانشغال في الإصلاح –من أسفل أولًا- وعلى نحو شكلي لا يحقق تغييرًا جذريًا مطلوبًا.

ومن ناحية أخرى هناك نمط قائل بأن التمسك بالخصوصية الثقافية برمتها عائق أساسي أمام الإصلاح السياسي أو الشامل ويعبر عنه نخب معارضة علمانية أو يسارية بالأساس سواء معارضة أو موالية لنظام الحكم.

على أساس أن منظومة القيم القائمة هي مبعث أزمة التنمية وأزمة الحرية وأنها في حاجة لتغيير كامل بغض النظر عن مدى اعتذار النخب الحاكمة بها- لعدم إجراء تغيير سريع من أعلى. ولذا؛ فإن هذا النمط يرفض فكرة مقاومة التدخل الخارجي باسم حماية الخصوصية لأن من شأن هذه الخصوصية تكريس الاستبداد الداخلي وعلى اعتبار أن الداخل أخطر من الخارج. ومن أهم حجج هذا الاتجاه أن النظام الحاكم لا يمانع التدخل الخارجي وضغطه في السياسة الخارجية والاقتصاد، بل وقضايا ثقافية هامة، ولذا؛ فإن الممانعة باسم الخصوصية الثقافية -ومن ثم عدم إمكانية نقل التجارب السياسية من الخارج- لا تظهر إلا حين تواجه ركائز الاستبداد تهديدات تنال منها. وفي المقابل يتم توظيف آخر لهذه الخصوصية إذا كان يحقق توافق مع تفسيرات الغرب لجذور الإرهاب بأنها نتاج خصائص هيكلية في الثقافة؛ حيث لم تتورع بعض النخب العلمانية عن القول إن الإرهاب هو نتاج الثقافة الإسلامية. ومن ثم؛ فهي تلتقي مع النظام في استعداء الخارج على المعارضة الإسلامية أساسًا، سواء منها التي مازالت تلجأ للعنف أم التي تقبل بالسبل السلمية للتغيير.

ومن ناحية ثالثة، هناك نمط ثالث تعبر عنه قوى المعارضة الإسلامية بصفة خاصة وبتوافق من نوع ما مع النخب القومية. فهي باسم الخصوصية الثقافية ترفض التدخلات الخارجية –في مجالات الثقافة والتعليم والإعلام وغيرها من المجالات التي تشكل منظومات القيم، ليس لأن هذه المجالات ليست في حاجة للتغير ولكن رفضًا لنمط المنظومة المطلوب نقلها ونشرها، ناهيك عن رفض التدخلات الخارجية لتغيير النظم الحاكمة، انطلاقًا من أن الحركات الوطنية ضد الاستبداد ومن أجل الحرية ذات جذور ممتدة في تاريخ مصر ولم تبدأ مع دعوات الخارج للتحول الديموقراطي، وهي الدعوات التي تنمو من أحشاء مشروعات استراتيجية لخدمة مصالح القوى الخارجية. ويظهر لدى هذا النمط من التوظيف –مفهومًا للخصوصية الثقافية- يركز على الحفاظ على النواة الصلدة لهذه الخصوصية أي الدين والهوية بدرجة أساسية.

وهكذا نصل إلى خلاصة هذا المحور الأول؛ فعلى ضوء ما سبق شرحه من أمور تنبثق من التشابك بين إشكالية العلاقة بين الثقافي- السياسي وإشكالية العلاقة بين الداخل والخارج وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يمكن القول إن القراءة للساحة المصرية (طوال خمس سنوات والتي قمت على ضوئها بتحديد أبعاد خريطة الموضوع (كما يتضح في المحور الثاني) إنما انطلقت من مفردة أساسية ألا وهي موضع الدين –الإسلام- من الخصوصية الثقافية في مصر عقيدة وقيمًا وثقافة([13]).

فالإسلام هو النواة الصلدة في هذه الخصوصية والأخيرة أوسع منه وتقع منظومة القيم في صميمها. بعبارة أخرى، نحن نجعل الإسلام هو المحور باعتباره مصدر الخصوصية الثقافية تمييزًا عن المتغير الثقافي الذي قد يكون له مصادر أخرى غير الدين، ومن ثم تصبح الخصوصية الثقافية أحد مكونات هذا المتغير الثقافي، حين يتصل الأمر بالدين. ومن ثم؛ فإن الدين له دور في التأزم (بمعنى منظومة القيم السلبية المرتدية ردائه) كما أنه لابد وأن يكون له دور في الإصلاح (منظومة القيم التي يجب تفعيلها).

بعبارة أخرى، هذه النواة الصلدة التي تشكل ماهية الخصوصية الثقافية لها وجهان: ثابت يجب الحفاظ عليه لما ينبثق عن تفعيله من إيجابيات، مع الاستجابة للتحديات المحيطة من خلال التعامل مع الوجه الآخر للعملة وهو المتغير الذي قد يحمل في ذاته كثير من السلبيات والمعوقات أمام الإصلاح بل قد يكون مصدرًا لكثير من تجليات الأزمة، ومن ثم؛ يكمن في تغييره إمكانيات كبيرة للإصلاح الرشيد. وفي حين تستند بعض قوى المعارضة (ذات التوجه العلماني) إلى الوجه الثاني لتبرير مطالبتها بإزاحة كل ما يتصل بالإسلام من المجال العام، أو على الأقل علمنته أو لبرلته أو تحديثه في حالة ضرورة الإبقاء عليه أي في المجال الخاص. وفي حين تستند أيضًا إلى هذا الوجه الثاني من العملة قوى النظام والنخب الموالية له لعدم تنفيذ إصلاحات جذرية قد تأتي للسلطة بالقوى المعارضة الإسلامية، تلك القوى التي تكال الاتهامات لها بتوظيف الدين وتسييسه؛ فنجد أن هذه القوى المعارضة الإسلامية إما تستند إلى الوجه الثاني من عملة الخصوصية، سواء في معركتها ضد استبداد النظام الداخلي أو تدخلات النظام الخارجي.

المحور الثاني- أبعاد الخريطة وإشكاليات النقاش

شهدت الساحة المصرية –خلال السنوات الخمس الماضية- (بعد الحادي عشر من سبتمبر، واتساقًا مع الشرح عاليه في البند السابق من الدراسة) نقاشات حول المسار الاستراتيجي للإصلاح في مجالات أساسية متنوعة وليس سياسية فقط، وحول قضايا محددة في هذا المسار. وليس بالطبع هدف هذه الورقة الخلفية التوقف عند كل من هذه المجالات والقضايا وتناولها في حد ذاتها، ولكن الهدف في هذا  الموضع من الورقة هو أمرين: من ناحية رسم خريطة أبعاد عملية الإصلاح والتي برزت جوانب للخصوصية الثقافية على صعيدها (سواء على صعيد الخطابات أو بعض السياسات)، وتحديد الروابط بين هذه الأبعاد على نحو يقدم صورة كلية (من واقع قراءتي الذاتية المتراكمة عبر فترة زمنية ممتدة للجزئيات والتفاصيل).

ومن ناحية أخرى: توضيح الخيط الناظم بين جميع هذه الأبعاد –وخاصة من واقع النقاشات حولها- والذي يبين من واقع رصدي وتقييمي لهذه النقاشات- كيف أن النواة الصلدة للخصوصية الثقافية هي التي تمثل هذا الخيط الناظم؛ حيث كانت المشترك الذي انطلقت منه أو دارت حوله أو تعاملت معه مباشرة أو بصورة ضمنية الخطابات والسياسات المعنية في كل مجال وتجاه كل قضيته.

ويمكن رسم أبعاد الخريطة على النحو التالي:

1-   المنطلقات والمفردات: حول هوية الإطار المرجعي للإصلاح: إطار مرجعي جامع أم أطر متنافسة: إشكالية العلاقة بين الثابت والمتغير.

2-   مجالات الإصلاح: اقترابات جزئية من كل مجال أم رؤية استراتيجية جامعة بين المجالات: إشكالية العلاقة بين الثقافي والسياسي.

أ‌-     مجال تأسيس منظومة القيم وركائز التنمية الشاملة: التعليم، التربية، الثقافة، الإعلام.

ب‌- مجال تنظيم توزيع القيم وممارستها: النظام السياسي، الدستور، المجتمع المدني.

3-   قضايا الإصلاح: أجندة الأولويات اختبارًا لموضع الخصوصية الثقافية من دوافع عملية الإصلاح وأهدافها: ما بين استدعاء أو إزاحة النواة الصلدة: في قضايا التربية المدنية، تجديد الخطاب الديني، حقوق الإنسان، المرأة والأسرة، العنف بين ثقافة السلام وثقافة المقاومة والإرهاب، المواطنة، اللغة العربية، تحديث الإسلام وعلمنته ولبرلته... إلخ من أنماط تصنيف القضايا.

وقبل الانتقال إلى طرح أهم إشكاليات النقاش حول جملة من هذه الأبعاد وعلى النحو الذي يوضح الخيط الناظم بينها وما يفرضه من تحديات أمام توجهات الإصلاح وسياساته في مصر، يجدر التوقف لتقديم بعض الملاحظات حول العلاقة بين أبعاد هذه الخريطة:

تبدأ خريطة الأبعاد من المنطلقات والمفردات ذات الطبيعة الفكرية والمعرفية، ثم تنتقل إلى بعدين مترابطين أحدهما عن الإطار المجتمعي، والآخر عن الإطار السياسي للإصلاح، وأخيرًا تصل إلى شبكة أكثر تفصيليًا لقضايا تجمع كل منها بين أبعاد ثقافية- مجتمعية وبين أبعاد سياسية على نحو يبن كم هي معقدة ومتداخلة عملية الإصلاح في مصر. والربط بين هذه الأبعاد سواء –على مستوى الفكر والممارسة خلال النظر في أهداف الإصلاح وغاياته لابد وأن يجسد ما آل إليه حجم "البعد الثقافي" في نقاشات الإصلاح، دون انفصال عن السياسي، ومن ثم لابد وأن يطرح السؤال التالي هل أضحى تغيير الديني- الثقافي غاية في حد ذاته لفرض نمط محدد من الإصلاح أم يظل مجرد وسيلة وأداة بين وسائل أخرى، لتحقيق إصلاح رشيد يقتضي بالفعل بعض التغيرات الثقافية أم هو مبرر أو عذر لرفض "الإصلاح" بحجة الخصوصية الثقافية. ومما لاشك فيه أن الانفجار المتزامن والمتراكم للنقاشات حول قضايا ساخنة على الساحة المصرية لهو أهم دليل على ضرورة التصدي لهذا الموضوع وعلى النحو الذي يبين ما الجديد فيه بالمقارنة بمراحل سابقة وفيما يلي قدر من التفصيل حول بعض من هذه الأبعاد بما تسمح به مساحة هذه الورقة([14]).

أولًا- المنطلقات والمفردات: هوية الإطار المرجعي للإصلاح: إطار جامع أم أطر متنافسة للنموذج المصري: إشكالية الثابت والمتغير.

في سلسلة من أربع مقالات كتبها فضيلة د. علي جمعة مفتي الجمهورية تحت عنوان "التجربة المصرية"([15]) حدد فضيلته موضوع المقالات بأنه تقييم تجربة الدولة الحديثة بكل خبراتها السياسية والثقافية والقانونية والدينية والاجتماعية والعلمية وسائر الجوانب التي تكون الحياة منذ عصر محمد علي وحتى الآن. وفي مستهل السلسلة([16]). حدد فضيلته مجموعة من مفردات التقويم –الذي اعتبره مهمًا لمستقبل الثقافة في مصر ولمستقبل الثقافة في العالم العربي والإسلامي. ولقد صاغ هذه المفردات في مجموعة من الأسئلة (20 سؤال) التي دعى لإجراء حوار حولها. ولقد جاء في بدايتها

1)  ما موقف التجربة المصرية من الليبرالية والديموقراطية؟ 2) وما مدى اعتمادها على السلطة الدينية وهل مصر تحكم بالدين –كما يقول بعضهم- أو أنها دولة كافرة كما يقول آخرون؟ 3) وما مدى قبول الشعب المصري للمشروع العلماني؟ 4) وما مدى نجاح ذلك المشروع؟ 5) وما الفرق بين الدعوة إلى الحرية والدعوة إلى التغريب؟ 6)  وما مفهوم الهوية والخصوصية؟

ثم توالت أسئلة أخرى ليصل إلى ما يلي: 1) وهل هناك أزمة تمر بها الثقافة المصرية وما ملامحها وأسبابها؟ 2) وهل هي أزمة دولة أو أزمة عصر أو أزمة شعب وكيف الخروج منها؟ 3) هل نحن في حاجة إلى الإصلاح؟ 4) وما برنامجنا إذا احتجنا إليه؟ 5) وهل هناك تجارب يمكن أن نستفيد منها؟ وما علاقة ذلك بالخصوصية والهوية والإبداع العلمي والثقافي؟

ليصل أخيرًا السؤالين رقم 19، 20 وهما:

كيف نتعامل مع التراث الإسلامي ومع التراث الإنساني، وكيف نصوغ بعد ذلك نموذجنا المعرفي، وكيف يكون قادرًا بأن يتواءم مع كل عصر على أساس أن ذلك النموذج نسق مفتوح له وعليه؟

ربما يقول قائل ما الجديد في هذه الأسئلة، فلقد سبق طرحها عبر ما يزيد عن من القرنين وتدفقت الإجابات عليها من مختلف الروافد والتيارات الفكرية والسياسية والتي كونت في مجموعها ملامح الفكر المصري الحديث حول تجربة النهضة أو الإحياء أو التجديد أو الإصلاح (أيا كان المسمى الآن)؟

إلا أن ما يعنيني من هذه المقالات هنا أمرين:

أولهما عن العلاقة بين سؤاليّ البداية وبين سؤالي النهاية في المقال الأول، فهما يعنيان أن محل اهتمام فضيلة المفتي، هو الإطار المرجعي أو المكون الأساسي والمصدر الأساسي للثقافة السائدة وهو –وفقًا لفضيلته "الشريعة الإسلامية التي هي المكون الأساس لجمهور الشعب في مصر"، في حين وصف فضيلته الثقافة السائدة بأنها هي التي "لا يجوز الخروج عنها بقدر تحقيق المصلحة، لأن الخروج عن الثقافة السائدة –خاصة في صورة طفرات- يؤدي إلى ضياع المصالح وإلى اضطرابات، أكثر مما يؤدي إلى تحقيق المصالح والمقاصد لشعب ما".

والملاحظ هنا أن الإطار المرجعي المقصود هو إطار جمهور الشعب وليس النخب فقط، حتى وأن تولت الأخيرة تكوين النظم والتنظيمات ووضع السياسات اللازمة للإصلاح. كما أن الإطار المرجعي –من ناحية أخرى- مصدر أساسي لنموذج معرفي ليس منغلقًا ولكن مفتوحًا له وعليه تجارب الآخرين للاستفادة منها.

الأمر الثاني- هو توقيت هذه السلسلة من المقالات ذات الرسالة الخاصة.

فلقد انبرت السلسلة من مقالة الأخرى لبيان جانب أساس ألا وهو حرص حكام مصر ابتداء من محمد علي –وفيما يتصل بالقوانين والدستور- على بناء الدولة العصرية الحديثة "بالتوازي مع الإبقاء على الثقافة السائدة وعلى الشريعة الإسلامية التي هي المكون الأساسي لجمهور الشعب في مصر"([17]).. حرص القيادة السياسية (إسماعيل باشا) على عدم الانسلاخ عن الشريعة بالكلية ولكنها تريد أن تعيش العصر.. ألا ننسلخ عن أنفسنا وهويتنا وفي نفس الوقت ألا ننعزل عن عصرنا ومن حولنا أخطأنا أو أصبنا فلنا أجر إن شاء الله"([18]).

...ونقلًا عن الدكتور السنهوري يورد د. علي جمعة قوله التالي: فالواجب أن تدرس الشريعة الإسلامية دراسة علمية دقيقة وفقًا لأصول صناعتها...([19]) ولا يجوز أن نخرج عن هذه الأصول بدعوى أن التطور يقتضي هذا الخروج.. والذي نبغيه (استكمالًا للنقل عن د. السنهوري) من دراسة الفقه الإسلامي، وفقًا لأصول صناعته، حتى نشتق منه قانونًا حديثًا يصلح للعصر الذي نحن فيه([20]). ويؤكد د. علي جمعة في مقاله الأخير([21])، مدخله لدراسة التجربة المصرية "وهو أن المصريين لم يريدوا ولم يفكروا في الانسلاخ من الشريعة وأن موقفهم من البداية كان موقفًا علميًا وعمليًا يهدف إلى التطوير ومراعاة الواقع".

وبالنظر إلى ماهية هذه الرسالة، التي حملتها المقالات الأربعة، يمكن إدراك مغزى توقيتها الراهن في ظل تداعي النقاشات في آن واحد –على جبهات عديدة، وعلى نحو يبين كم أضحى حجم التحدي ودرجة خطورته الذي يواجه "الإطار المرجعي" أو الثقافة السائدة، أو الخصوصية الثقافية. ومناط تحديد طبيعة هذا التحدي ودرجة خطورته يرتهن بتحديد من الذي يبادر بطرح القضايا ويفجر النقاشات حولها؟ وما هي أجندة هذه القضايا وكيف تعكس التغيرات التي تحتاج لاجتهاد جديد، وقبل هذا وذاك من الذي يحدد التغيرات التي تفرض التعامل معها ومن الذي يحدد أولويات بعضها بالمقارنة بغيرها: على سبيل المثال لماذا يثور الآن أن المادة الثانية من الدستور هي ضد المواطنة؟

ولماذا هذا التزامن بين قضايا الارتداد وحرية العقيدة (البهائية) وحقوق الشواذ، ورفض التزايد في تديين المجال العام، وحقوق نسب طفل الزواج العرفي..وذلك في وقت تثور أيضًا قضايا المشاركة السياسية، والمطالبة تضيق نطاق السلطة التنفيذية، وضرورة تداول السلطة الرئاسية، وإدماج الإسلاميين.

بعبارة أخرى فإن توقيت رسالة فضيلة المفتي ومحتواها ذات دلالة كبيرة بالنسبة لأمرين مرتبطين –كم دارت النقاشات حولهما من قبل، وهو الحوار بين النخب ذات الأطر المرجعية المختلفة: الإسلامية، العلمانية، القومية حول ما أسماه البعض مثلًا([22]): المسألة الإسلامية المعاصرة، وهي الحوارات التي تعاملت بأكثر من طريقة ومن أكثر من مدخل مع إشكالية العلاقة بين الثابت والمتغير في خصائص الثقافة العربية الإسلامية([23])،ومن ثم تعاملت مع تحديد كل من المتغير والثابت وأنماط العلاقة القائمة بينهما. وهي العلاقة التي تقع في خلفية أو صميم التصورات العديدة المتباينة حول القضايا التي تثيرها المسألة الثقافية برمتها في العالم الإسلامي وهي المسألة التي تناولتها حوارات عدة([24]).

وإذا كانت جهود بعض المؤسسات الفكرية قد أولت اهتمامها إلى قضية "تغير الثقافة أم ثقافة التغيير([25]) فلقد عكست بحوثها ونقاشاتها، شكلًا ومضمونًا وسواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة (على الأقل وفق قراءتي لها) إشكالية العلاقة بين الثابت والمتغير في الثقافة العربية الإسلامية وانعكاساتها بالنسبة لعمليات الإصلاح الجارية أو المنشودة، انطلاقًا من جهود وطنية أو تحت ضغوط وتدخلات الخارج. ومن بين الرسائل المتداولة في هذه النقاشات كانت الرسالة الكامنة في بحث د. علي أومليل([26]) وهو يقارن بين أسباب نجاح تجربتي الصين واليابان وبين عدم نجاح تجارب العرب وخاصة التجربة التي دشنها محمد علي لبناء الدولة المدنية في مصر.

وهذه الرسالة هي هل التمسك بموضوع الخصوصية والهوية –في التجارب العربية- هو سبب فشلها واستنزاف جهودها مقارنة بالتجربتين الأخيرتين؟ ويتضح لنا أبعاد هذه الرسالة وجانب من الحوار حولها من الملاحظات التالية([27]):

- يعالج مضمون الرسالة دلالات المرجعية الإسلامية للإصلاح، سواء رافدها السلفي أو المحدث أي يهتم بوزن المرجعية الإسلامية وتأثيرها. وقام أساسًا على نقد رؤية رافدي هذه المرجعية، السلفي والمحدث، عن طبيعة الإصلاح ومحدداته؛ أي: من داخل الإسلام وبالإسلام أم بالتفاعل مع الخارج؟فإن الدراسة على هذا النحو تمثل معالجة هامة للعلاقة النسبية بين تأثير مجموعتين من المحددات المتفاعلة ذات التأثير المتبادل؛ وهي الهوية الثقافية والحضارية، والتدخلات الخارجية ليس من حيث مركزية موضع الدين فقط ولكن من حيث طبيعة الدين المقصود. ويتضح أن مقارنة د.أومليل بين المفهوم  السلفي التقليدي للإصلاح والمفهوم الإصلاحي المحدث في الخبرة العربية، إنما تفصح عن منهج خاص في نقد التراث العربي الإسلامي، وعن موقف محدد من كيفية توظيفه وحدود الرجوع إليه. ومن الملاحظ أن معالجة د.أومليل تراوحت ما بين التركيز على الأبعاد الفكرية لكل نموذج أو على الأبعاد الحركية على نحو عكس عمق الأزمة الفكرية التي بدأت تجتاح الأمة حينئذ (التنظيمات العثمانية) وقت تحديد الإطار المرجعي الأمثل لعملية التغيير والإصلاح. وهي الأزمة التي تمثل جذور الأزمة الراهنة، حيث مازال الإطار المرجعي للإصلاح محل شدًّ وجذب بين القوى الاجتماعية والسياسية على الساحة العربية والإسلامية.

ومنطلقات هذا الطرح تقود إلى قضيتين أساسيتين:

القضية الأولى- قضية العلاقة بين الداخلي والخارجي في عملية الإصلاح؛ وهي تثير إشكالية الإصلاح بالذات أم من خلال التفاعل مع الآخر؟ ومن ثم قضية مرجعية الإصلاح وماهية القوى المؤثرة عليه، وحدود التفاعل بين الذات والآخر خلال عملية الإصلاح. وهذه القضية –على مستوى دراسة د.أومليل- هي بمثابة عملة ذات وجهين.

الوجه الأول- الإصلاح السلفي التقليدي هو الذي يدور في مدار الفكر الديني وبدون وعي بالتأخر الحضاري مقارنة بالآخر المتغلب عسكريًا، وعلى أساس أن الإسلام يُصِلحُ ذاته بذاته.

هل هذه الرؤية عن الفكر السلفي التقليدي مقصود بها هذا النمط من الفكر الذي يظهر الآن أم ينسحب على هذا الفكر في نطاق السياق التاريخي لظهوره (أي حقبة ما قبل الضغط الأجنبي)؟ ولذا أجدني هنا في حاجة للتوقف لمناقشة أمرين يثيران كل ما يتصل بالعلاقة بين ما يسمى الفكر الديني والفكر المجتمعي والسياسي، وهل يمكن الفصل بينهما على هذا النحو الذي يقدمه البعض؟ بل وما معنى الفكر الديني؟

فمن ناحية: أرى أن هناك مصداقية لهذا النمط من الفكر في نطاق السياق التاريخي لظهوره –أي حقبة ما قبل الضغط الأجنبي؛ ذلك لأنه قال إنه بالرغم من أن المسلمين تعرضوا في هذه المرحلة إلى هزائم عسكرية (كما في الحروب الصليبية) إلا أن الهزيمة العسكرية ليست كافية ليتغير منطق الإصلاح، من إصلاح يُجدِّد به "الإسلامُ نفسَه بنفسه" إلى إصلاح يقتبس من الأجنبي القوي. ولم يقدم د.أومليل تفسيرًا لهذا المنطوق، واقتصر على شرح مفهوم الغزالي عن الإصلاح (عقب صدمة سقوط القدس) باعتباره نموذجًا من الإصلاح السلفي التقليدي، الذي -وفقًا له- يُصلح الإسلام ذاتَه بذاتِه، وعلى أساس أن صدمة الهزيمة العسكرية لم تنتج وعيًا لدى المسلمين بتأخرهم الحضاري تجاه الآخر المتغلب.

وهنا يجدر أن أشير إلى النقاط التالية:

فلم يكن هناك في هذه الحقبة –التي تناولها د.أومليل- تأخرًا حضاريًا للمسلمين بالمقارنة بالآخر يمكن أن يعوا به، ناهيك عن عدم توافر فرص الاحتكاك المباشر والكثيف ليتحقق إدراك هذا التأخر والوعي به بفرض تواجده.

ومن ناحية ثانية- لا أرى أن جوهر المفهوم الإصلاحي السلفي التقليدي -كما قدمه د.أومليل- سواء في سياقه التاريخي أو في امتدادته الآن كله شرًا أو سلبًا، فإن ما أسماه د.أومليل إصلاح الإسلام بذاته والذي يعني إصلاح حال المسلمين بالرجوع إلى مصادر الإسلام لا يعدّ كلّه شرًا أو سلبًا .. ولا يمكن رفضه على كلياته، شريطة أمرين: الأمر الأول- هو أن نفهمه على نحو يستند إلى مفهوم إسلامي آخر عن الزمان؛ وهو المفهوم السنني الشرطي.

والأمر الثاني- هو أن نفهم حقيقة الرؤية الإسلامية عن إشكالية العلاقة بين الثابت والمتغير عبر الزمان، فإن هذه الرؤية بحكم مصادرها الأصلية الثابتة (النص القرآني، والسُّنة النبوية) تفرض هذه الإشكالية على نحو لا تعرفه المرجعيات الأخرى ذات المصادر المتغيرة. فإن رؤية إسلامية بقدر ما تتمسك ببعض الثوابت فهي لا تنكر متغيرات الزمان التي تستوجب إعمال العقل لتحديد الاستجابات والحلول سعيًا نحو المستقبل، وعلى ضوء خبرات الماضي من دون إسقاطه تمامًا، أو الوقوع في أسره تمامًا.

بعبارة أخرى، فإن هذين الأمرين يبينان أن النظر في الماضي (أو التاريخ)، وبالمثل النظر في "النص الحاكم" وفق تعبير د. أومليل لا يحمل في ذاته سلبًا أو شرًا يجعل الأموات يتحكمون في مستقبل الأحياء، ولا يسقط الزمان لأنه لا يحب الزمان ولا يثق فيه، ولا يحكم نصوصًا جامدة لا تتبدل بالزمان، ولا يجعل حقبة مثالية فوق الزمان وضدًا عليه أو يكسبها صفة القداسة كما يقول د.أومليل. ولكن يبين هذان الأمران أن طريقة النظر إلى التاريخ وطريقة النظر والتدبر والاجتهاد في النص على ضوء متطلبات فقه الواقع، هي المحك الأساس وهي المناط الأول والأخير، حتى لا نقع في خطيئة القول بضرورة إسقاط التاريخ، أو تاريخيانية "النص المقدس". وكذلك حتى لا نقع في خطيئة أخرى لا تقل خطورة، وهي أن يسقط الفكر الإصلاحي الإسلامي مستجدات الواقع وما تستوجبه من اجتهاد في ضوء مقاصد الشريعة. وإلى جانب إشكالية الثابت والمتغير هناك إشكالية العلاقة بين ما يسميه البعض الفكر الديني والفكر المجتمعي السياسي. حيث إن هذا الفصل بين مجالات الديني، المجتمعي، السياسي يعكس رؤيةً ما عن حدودٍ للعلاقة بين الدين والدنيا، في حين أن هناك رؤية أكثر اتساعًا لا تقتصر على الفقه ولكن ينطلق من منظومة القيم الإسلامية ويعترف بأهمية القيمى المعنوي والأخلاقي وضرورته حتى في أقصى مراحل القوة المادية. كان انعكاسًا أيضًا للمفهوم الإسلامي الشامل عن الإصلاح والتجديد الذي يجعل إصلاح الدين هو مناط إصلاح الدنيا وسبيلها وليس البديل عنها، (كما أضحى الاعتقاد بعد ذلك لدى بعض روافد الحركات الإسلامية التي ركزت- تحت وطأة الضغوط على العقيدة في مرحلة الضعف الإسلامي- على الحفاظ على العقيدة أساسًا، بغض النظر عن حال الدنيا، وكما لو أن المسلم ليس مكلفًا بعمران الأرض بقدر ما هو مكلف بالحفاظ على عقيدته فقط، وهو الأمر الذي يعكس فصلًا بين أمور الدين والدنيا ليس من الإسلام في شيء. 

الوجه الثاني للعملة يدور حول المقولة التالية: الفكر الإصلاحي الإسلامي الحديث ومفهوم الإصلاحيين المسلمين المحدَثين عن الإصلاح يعكسان الوعي بالتأخر الحضاري مقارنة بالآخر، ومن ثم أضحى الآخر بعدًا أساسيًا في تشكيل هذا الفكر وهذا المفهوم، ولكن هنا يجب التمييز بين أمرين: زمان الضغط والتدخّلات الخارجية التي لم تكن قد وصلت بعدُ إلى حد الاحتلال العسكري؛ أي الاستعمار التقليدي بعد. وهناك فارق بين الحقبتين: الأولى كان الاحتكاك بأوربا غير مباشر ولكنه وُلِد خلالها الوعي بالتأخر الحضاري الشامل وحاولت القوى الإسلامية علاجه بأساليبها الذاتية –ولو المتأثرة بضغوط خارجية. إلا أن الحقبة الثانية في ظل الاحتلال العسكري، فلقد زاد فيها الاختلال ولم يتم الإصلاح على النحو المطلوب من النخب الإسلامية بقدر ما تم فرضه على النحو الذي يحقق مصالح المستعمِر. فلقد كانت الإصلاحات العثمانية في عصر التنظيمات من أخطر القضايا التي يتبين من تحليل دوافعها وآلياتها ونتائجها، أنها لم تكن عملية إصلاح للقوة الإسلامية، بقدر ما سعت إلى استبدال النموذج الحضاري الإسلامي. فلم يكن النقل عن الغرب –على الصعيد المادي- منعزلًا عن نقل الأفكار والقيم والاتجاهات، في نفس الوقت الذي لم تكن فيه عملية الإصلاح عملية داخلية بل كانت عملية دولية بين طرفين غير متكافئين في القوة المادية، ومن ثم لم يكن نقل الطرف الضعيف عن الطرف القوي سبيلًا للإصلاح ولكن سبيلًا للتصفية والاستبدال، ومنطلقًا نحو استكمال حلقات الاستعمار التقليدي.

 أما عن الامتدادات الراهنة لهذا الفكر الإصلاحي المحدث الذي يتأثر بالغرب وأزمته الراهنة، والتي تمثل قمة المنحنى الذي وصل إليه منذ أن بدأت تداعيات مرحلة الاستعمار ثم مرحلة الاستقلال في ظل التبعية الثقافية. حيث إنه في ظل الاحتلال العسكري، وتحت مسميات التحديث، بدأت مرحلة من مراحل العلاقة بالآخر اتسمت بالتشتت والانقسام حول العلاقة بين الثقافة العربية الإسلامية وبين الثقافة الغربية، وتنامي التأرجح ما بين الانبهار بالغرب وما بين السعي نحو التوفيق معه وما بين رفضه والغضب منه، ليعود –الرافد الإصلاحي الإسلامي- لينظر مرة أخرى ولو بأسلوب جديد هذه المرة نحو التراث بحثًا عن سبلٍ لتجديد الذات الإسلامية، بعد أن فشل الحل الغربي حتى الآن في تحقيق هذا التجديد.

وفي المقابل؛ فإن أعمالًا موسوعية عربية رائدة مثل تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول([28]) وكما اتضح من بعض جوانب النقد التي وجهت له، قد أسقطت ما يتصل بالنواة الصلدة في الخصوصية الثقافية؛ فإن مدخلًا لهذا النقد([29]) كان يتصل بالرسالة التي يحملها التقرير عن ماهية التغيير وسبله حيث أسقط جانبًا كبيرًا قيميًا لصالح المادي. حقيقة من الجديد في رسالة التقرير تلك المؤشرات التي تربط بوضوح بين الحرية السياسية والمعرفة وبين التنمية، إلا أنه يتضح جليًا من أبعاد الاستراتيجية الثلاثية المقترحة لتحقيق التغيير (لمواجهة انهيار الأمة وضرورة تحقيق تغيير جوهري) أنها تقدم نموذجًا عولميًا واضح الدلالة من حيث محاورة (الحرية، المرأة، المعرفة) وجميعها تتصدى ومن منظور تنموي غربي ليبرالي لأعراض الأمراض وليس أسبابها.

ولذا فإن التقرير افتقر إلى التعبير عن منظومة القيم التي تعكس خصوصية باعتباره تقريرًا عربيًا فلا يمكن أن نفصل الدائرة العربية الحضارية وأنساقها عن منظومة قيمه وفي قلبها الدين. بعبارة أخرى فإن قضية منظومة القيم كانت الحاضر الغائب في التقرير. فهي حاضرة بخصائص منظومة القيم الحداثية العولمية التي تتسم بالمادية المفرطة وإسقاط الدين -أو القيم- من حسابات التشخيص والتفسير ولذا فإن هذه المنظومة القيمية الحضارية، هي الغائبة.

ومن ثم تصبح قضية الإطار المرجعي للتغيير غائبة أو بمعنى آخر قضية خصوصية القيم والفارق بين قيم الحداثة الغربية وقيم المجتمعات الأخرى. ولذا فإن قضية الدعوة إلى عالمية القيم كانت واحدة من أهم القضايا التي أحاطت بالمؤتمرات العولمية للأمم المتحدة (حقوق الإنسان، المرأة، الطفل، الفقر..) وذلك من خلال تجريدها من الدين كعامل أساسي وكمرجعية في تشكيل وعي المجتمعات وفي بناء النظام القيمي إزاء قضايا التنمية الإنسانية.

ونواجه نفس السيناريو مرة أخرى مع وثيقتين من أهم وثائق الإصلاح العربي وهما وثيقة الإسكندرية ووثيقة بيروت الصادرتين في مارس 2004، الأولى عن مؤتمر الإصلاح في العالم العربي الذي نظمته مكتبة الإسكندرية، والثاني الصادر عن المنتدى الأول الذي انعقد في بيروت في (19- 22/ 3/ 2004) والموازي للقمة العربية التي انعقدت في تونس في 29- 30 مارس 2004. فمضمون الوثيقتين وجانب كبير من النقاش حولهما بين إلى أي حد "النواة الصلدة للخصوصية الثقافية- الدينية أو القيمية أو الأخلاقية" كانت غائبة. ولم تكن النقاشات التي فطنت إلى هذا الجانب ونبهت إليه إلا من قبيل الاستثناءات ومنها الرؤية التي قدمت التعليقات التالية([30]): "بل إن الخط الأساسي في الوثيقتين هو تهميش كل ما له صلة بمصادر التكوين الروحي والأخلاقي والقيمي والديني للمجتمع العربي على وجه التحديد. وفي تصورنا أن إسقاط هذا الجانب من مبادرات المجتمع المدني بصفة عامة، ومن تلك المتعلقة بالإصلاح السياسي بصفة خاصة، يعتبر أحد أهم مواضع الخلل في هذه المبادرات، وحجتنا في ذلك هي أن أحد النقاط التي تحظى بشبه اتفاق بين المشاركين في المناقشات النظرية المتعمقة بخصوص مفهوم المجتمع المدني عالميًا ومحليًا هي تعددية أبعاده وشمولها للبعد الديني أو الروحي والأخلاقي كأحد المصادر المكونة له على المستوى المعرفي، باعتبار أن القدرات البشرية الأساسية الثلاث (العقل، والمصلحة، والعاطفة) تستوجب ترجمة عملية لها في الواقع الاجتماعي حتى يمكن تفعيلها في هذا الواقع، وتأتي الدولة لتعبر عن منطق العقل، والقطاع الخاص عن المصلحة، أما المجتمع المدني فيأتي للتعبير عن الجانب الروحي والعاطفي وما يضمن التماسك بين مكونات المجتمع  والمحافظة على هويته.

وما كان ينبغي أن تغفل المبادرتان عن هذا الجانب الحيوي في سياق مجتمعنا العربي، وخاصة بعد أن وصل الجدل الفكري حول الإصلاح إلى مرحلة لم نعد فيها بحاجة إلى مزيد من الحديث عن ثلاثة أمور أساسية هي:

1- لسنا في حاجة لمزيد من توصيف علل الواقع وتشريح مشكلاته وتشخيص أمراضه.

2-  لسنا في حاجة لمزيد من تزكية المدخل السياسي للإصلاح.

3- لسنا في حاجة كذلك إلى التأكيد كثيرًا على أن الدعوة للإصلاح لها تاريخ طويل في بلادنا، وأن من العبث ربطها بالمبادرات التي تقتحمنا من الخارج.

لقد حظيت مختلف مداخل الإصلاح السياسي والاقتصادي والقانوني بما تستحقه من الاهتمام النظري والفكري، ولم تغب مداخل الإصلاح الثقافي والاجتماعي عن أجندة الفكر الإصلاحي أيضًا وإن لم تنل القدر الكافي من الجدل والحوار بين التيارات الفكرية الأساسية؛ ربما تحاشيًا لما يولده الجدل في مثل هذه الموضوعات من توسيع شقة الخلاف فيما بين المتحاورين؛ كل حسب المرجعية التي يؤمن بها وينطلق منها ويحتكم إليها. وهذا هو بالضبط ما يستحق مزيدًا من البحث والتفكير من أجل التوصل إلى تحقيق توافق وطني عام بشأن القضايا التي يثيرها".

ثانيًا- المجالات والقضايا:

ما هي أنماط التحديات التي تواجه مسار عملية الإصلاح والتي تبرز معها الأبعاد الثقافية –وخاصة النواة الصلدة للخصوصية الثقافية-.

  وما هي ملامح النقاشات حول خطابات الإصلاح وسياسات تنفيذه في هذه المجالات على النحو الذي يبرز لنا إشكالية العلاقة بين الخصوصية الثقافية وبين الأبعاد السياسية. تقتصر في هذا الموضوع على ما يلي: من ناحية مجال التعليم والخطاب الديني والتربية المدنية، وذلك فيما يتصل بالإطار الاجتماعي-الثقافي العام، ومن ناحية أخرى مجال تداول السلطة السياسية من خلال الانتخابات ومجال التعديل الدستوري وذلك فيما يتصل بإطار تنظيم ممارسة النظام السياسي. وأخيرًا مجال العلاقة مع الآخر بين الحوار وبين الإرهاب والمقاومة.

 

أ- الإطار المجتمعي- التربوي

أ-1) التعليم والتحديات الحضارية: إشكالية العلاقة بين الهوية والعدالة وبين الجودة

  إذا كان تطوير التعليم وإصلاحه قد أضحى مسألة أمن قومي بكل المعايير، فإن هذه المسألة ليست مسألة فنية إجرائية ترتهن بتوافر موارد وإمكانيات مادية وبشرية ولكنها أكثر اتساعًا من ذلك لأنها لابد وأن تنطلق من رؤية استراتيجية تعكس القناعة بأن هذا التطوير وهذا الإصلاح يجب أن يجيب أيضًا على مسائل من نوع آخر أي مسائل ذات صبغة حضارية، هي مناط الفشل أو النجاح في تحقيق التطوير المطلوب، ولم تحرز التجارب الناجحة إنجازاتها إلا لأنها استجابت لهذه المسائل:

وتتلخص هذه المسائل واتجاهات النقاش حولها فيما يلي([31]):

التعليم يقع في صميم الأمن القومي وهو يعكس مستوىً حضاريًّا قائمًا كما يشارك في تطوير هذا المستوى. كما أن الحديث عن التحديات الحضارية والتعليم حديث ذو وجهين: أحدهما عن التحديات الحضارية التي تواجه التعليم في أوطاننا فتجعلنا نتحدث عن "أزمة تعليم" هي في جانبٍ كبيرٍ منها "أزمة هوية"، و"أزمة حضارية". والوجه الثاني عن إمكانية مساهمة التعليم في اختراق هذه الأزمة ومعالجتها. ومن ثم فكما أن التحدي الحضاري قد يكون عائقًا أمام التعليم، فإن التعليم يمكن أن يكون سبيلاً لمواجهة التحدي الحضاري.

ويكتسب هذا الأمر أهمية كبرى في المرحلة الراهنة من تطور مجتمعاتنا؛ حيث تتسارع التحديات التي تواجهها وتبرز تلك التحديات الحضارية والثقافية في رداء جديد في ظل عواقب العولمة (وهي كاشفة وليس منشئة لهذه التحديات)، وما بعد الحادي عشر من سبتمبر التي أضافت المزيد من التعقيدات لوضع كانت قد أصابته الأزمة بالفعل من قبل.

 ومن ناحية أخرى: تكتسب قضية "التعليم والتحدي الحضاري" أهمية أيضًا من كونها قضية تقع في صميم توازنات القوى السياسية حول العالم الإسلامي وعلى أرضه، حيث أضحت الأدوات الثقافية والحضارية هي أدوات فاعلة للسياسات الخارجية للقوى الكبرى تجاه دول العالم الإسلامي، وعلى النحو الذي يخدم الأهداف الاستراتيجية الكبرى لها. فلم تعد التدخلات الخارجية السافرة: سياسية أو اقتصادية أو عسكرية فقط، ولكن أضحت أيضًا جلية واضحة في المجال التعليمي والثقافي.

بعبارة أخرى: هناك تحديات داخلية وخارجية تواجه مجتمعاتنا بصفة عامة والتعليمَ في قلبها بصفة خاصة. وهذا كله يصب في صميم "الأمن القومي" وتتدخل فيه الاعتبارات السياسية بقوة؛ فلم يعد التعليم عملية فنية ولكنه أضحى قضية سياسية بالدرجة الأولى يساهم في تشكيلها أبعاد خارجية وداخلية على حد سواء. بل ولقد تزايد اختراق وتأثير "الخارجي" بدرجة غير مسبوقة.

فما هي إذن خريطة هذه التحديات ومصادرها؟ وكيف تفرز أزمة هوية؟

كذلك ما هي أنماط الاستجابة المطلوبة الاستراتيجية منها، والآنية؟

 

(أ‌)    عن البعد الأول: الخريطة والمصادر والتجليات: يبدأ تحديدها من واقع مناقشة عدة إشكاليات:

أولاً- في فلسفة التعليم ورؤيته الاستراتيجية-عن وظيفة ودور التعليم: إشكاليات العلاقة بين القيمي والمادي (كيف)؟

ثانيًا- في دوافع التطوير وتحدياته: إشكاليات العلاقة بين الداخلي والخارجي (لماذا؟).

ثالثًا- في مصادر خبرة التطوير وتمويلها (من؟): إشكاليات العلاقة بين الاعتماد على الذات وبين المساعدة الخارجية.

رابعًا- في بعض قضايا التطوير ومجالاته وآلياته: إشكاليات تحديد الأولويات لكسر الحلقة المفرغة من التأزم، ومن التأرجح، بين علاج الأعراض وعلاج الأسباب.

خامسًا- في تأثيرات بيئة منظومة التعليم الجامعي: إشكالية المدخلات: من منظومة تعليم ما قبل الجامعة، من منظومة القيم والأخلاق المجتمعية، من منظومة اقتصاد الدولة والمجتمع (الفقر والديون) من منظومة السياسة (الفساد، وقيود الحرية).

ويمكن مناقشة كل من هذه الإشكاليات، من واقع وحالة خبرة تطوير التعليم العالي في مصر والجارية منذ 2000 ووثائق هذا التطوير، ونكتفي في هذا الموضوع بعرض الخلاصات التالية عن الإشكاليتين الأولى والثانية:

1- أن الطرح عن فلسفة التعليم ورؤية الاستراتيجية يثير العلاقة بين المادي وبين القيمي في مجموعة من الثنائيات في الأولويات عن وظيفة ودور وأهداف التعليم الجيد ومحدداته، وهي تتلخص كالآتي:

مدخل في التنمية الشاملة ووسيلة / مخرج من مخرجات التنمية .. دور تنموي اقتصادي/ دور في الحراك الاجتماعي ومساحة للتنشئة على المواطنة .. هدف معرفي (إنتاجًا ونشرًا وتوظيفًا)/ هدف إنتاجي .. وظيفة خدمية/ وظيفة مجتمعية .. إعداد المواطن القادر على خدمة الأمة وحمايتها/ إعداد المتخصص والمنتج البشري ذي العائد الاقتصادي .. وظيفة خدمية/ وظيفة إنتاجية ذات عائد اقتصادي .. متطلبات واحتياجات سوق العمل/ احتياجات العقل والمعرفة وبناء الأمة بالمعنى الشامل .. متطلبات مادية للتطوير/ متطلبات معنوية قيمية أخلاقية .. مواجهة تحديات التنمية الاقتصادية/ مواجهة تحديات العمران الحضاري.

 ويجدر الإشارة إلى أن هذه الثنائيات التي تفصح عنها خطابات وثائق التطوير، إنما تشير إلى أن رؤى التطوير إنما تواجه مشكلة استراتيجية؛ وهي عدم الاتفاق على فلسفةٍ للتعليم وعدم وضوح الرؤية، وبذلك لن يصبح التعليم مخرجًا من الأزمة ولكن سيتعرض بدوره للأزمة.

2- وعن إشكاليات العلاقة بين الداخلي والخارجي فهي تقوم على إشكالية أساسية تنبثق من عمليات العولمة.

ومن أهم التعبيرات عن عواقب هذه الإشكالية ما يتصل بالهوية الحضارية، سواء على مستوى التوجه العام والاستراتيجية العامة أو على مستوى مقررات ومناهج التعليم، على سبيل المثال وليس الحصر.

فمن ناحية: نجد أن خطابات الدوافع والتبرير للتطوير تحفل بمفردات: "التعاون الدولي"، "المعايير الدولية"، "الانفتاح والاندماج فيما يحدث في الخارج من تطورات"، وفي المقابل نجد غياب مفردات أخرى تتصل بالذات الحضارية مثل: "اللغة العربية" و"الموروث الحضاري" و"العروبة والإسلام" و"الإرادة الوطنية والاستقلال الفكري"، و"القيم الأخلاقية" و"الوحدة والترابط".. وهي المفردات التي تعكس تمسكًا بالهوية والشخصية القومية والذات الحضارية، في مواجهة توجهات التذويب والتنميط.

ومن ناحية ثانية فإن جهد التطوير في معظمه إنما يسبح في "مياه وافدة"، ويندر أن ينبع من روافد عربية وإسلامية أصيلة، حيث إن جميع العلوم التي تقدم للطلاب تنطلق من منهجية معرفية غربية بحيث سادت غربة العلوم التربوية مما أثر على الطلاب؛ إذ إن هذه العلوم تربيهم على التبعية الثقافية وعدم الاعتزاز بهويتنا الحضارية المتميزة.

ومن ناحية ثالثة احتلت أيضًا قضية "تحديات العولمة لمنظومة التعليم المصرية" اهتمام المختصين، وعلى نحو أبرز عدة ثنائيات خطيرة وهامة طرحتها التحليلات والتقارير، وهى ثنائيات تعكس إشكاليات مهمة تثيرها قضية العلاقة بين "الهوية" وبين تطوير التعليم الجامعي في مصر، وعلى النحو الذي يطرح معنى جديدًا للهوية غير المعنى السائد في الذهن.

إن الإشكاليات الأربع المشار إليها: الفلسفة، الدافع، الموارد والخبرات، البيئة، كل منها تجسد مستوى من التحديات الحضارية، وهي تشكل -في تجمعها- "أزمة هوية التعليم". فعلى سبيل المثال، نظرًا لأنه ليس هناك فلسفة للتعليم تنطلق من بُعد حضاريّ واضح ونحو هدف حضاريّ محدد، نجد ما يلي:

· ارتفاع نغمة "مواجهة احتياجات السوق" كفلسفة.

· التحيز المعرفي للمنظورات الغربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية وغياب "الإسلامي" منها حيث يظل المنظور الإسلامي حبيس  الكليات الشرعية منذ تم الفصل بين التعليم الديني والمدني.

· اكتساح اللغات الأجنبية للتعليم في الجامعات الحكومية، ناهيك عن الجامعات الخارجية الخاصة والأجنبية.

· تراجع وزن التاريخ، وغياب مقرر ثقافة أو تاريخ أو حضارة إسلامية.

· بعد الفصل بين الديني والمدني يأتي الآن أوان الحديث عن إلغاء التعليم الديني أو تقييده باعتباره منبعًا من منابع الإرهاب.

· المال الأجنبي والخبرة الأجنبية ماثلة بوضوح في برامج "التطوير" أو فلنقل: "برامج الاستبدال" في غياب كبير لمصادر التمويل الذاتية المدنية، وفي مقابل تراجع الحكومي.

· تزايد الفجوة النوعية بين التعليم "المجاني" وبين التعليم "الخاص" والتعليم "الأجنبي" بما دعم الفجوة، ليس بين أغنياء وفقراء المجتمع الواحد، ولكن بين من أضحوا عولميين ومن ظلوا محليين؛ لأن "الخاص" أضحى هو الأجنبي، الدولي.

· غياب استقلال الجامعات تحت وطأة التعيينات والتدخلات الأمنية والتي تجعل من الجامعة مجرد أداة من أدوات الحكومة لا منارة للشعب والمجتمع ككل؛ حيث تضغط السياسة والأمن والاقتصاد أكثر فأكثر على الوظيفة الحضارية العمرانية للجامعات، وبعد أن كان لدينا فقهاء السلطان أضحى لدينا "دكاترة السلطان".

 

ب) هذه الأمور التي تتم باسم التطوير وكاستجابة لتغييرات عالمية، ليست في الواقع إلا تعبيرات عن أزمة هوية، حضارية، ليس فقط أزمة موارد وإمكانيات، وهذه هي الخطورة.

ولا يعني هذا القول خوفًا على هوية ناجزة ثابتة لا تتغير، بل العكس هو خوف على الهوية ألا تتجدد بطريقة صحية فتتبدد، فالتجدد يحدث بالانفتاح وتغير ما هو قابل للتغير مع الحفاظ على الثابت؛ أي النواة الصلدة للهوية، وإلا أضحى التجديد استلابًا، وهذا ما يقع لنا الآن ويتجسد بقوة في مجال التعليم. في حين أن "الهوية" هي فيض متجدد لا تمنعه نواته الصلبة من إمكانات التفاعل مع الواقع المتغير للتمكين لأصول الهوية وتجلياتها في الزمان والمكان والإنسان، وليصبح الوجود بالهوية وفي سبيل الهوية. وهذا الحديث عن الهوية بمناسبة الحديث عن التحدي الحضاري للتعليم ليس فائض كلام ولكن الهوية هي واقع سواء في أزمتها أو فعاليتها؛ فالهوية: تستدعي: أصول المرجعية، وحقائق التمايز والاختصاص.كما تستدعي أيضًا ضرورات التعايش والتواصل والحوار مع الآخر، وفي هذا الاستدعاء تظل أداة المرجعية (اللغة) وذاكرتها (التاريخ).

إن الهوية الجماعية هي التي تتصل بالمقاصد الحضارية، والوجهة الحضارية (أين؟: المنهج)، وبالبوصلة الحضارية (إلى أين؟: المعيار)، وبالميزان الحضاري: (ماذا نأخذ؟ وماذا نرفض؟)، وبالبينات الحضارية (ماذا نملك من مصادر الاختصاص؟).

كما أن اضطراب هذه الهوية الجماعية يستدعي عكس كل ما سبق، وينعكس على أزمة الهوية في الأمة، التي تنعكس جلية واضحة على التعليم. وسمات هذه الأزمة كما تتجلى في أزمة التعليم:

· تهميش الثقافة الأصلية وأدواتها وخاصة اللغة، وذاكرتها التاريخية الفعالة.

·   هجوم الوافد والاختراق من جانبه.

· الخصوصية الثقافية تصبح موضوع تساؤل.

· الفجوة بين القيم والسلوك: تمزيق الذات، تشتيت الوعي، فقد الثقة بالقيم.

· المقارنة الدائمة بين حال الأمة وحال غيرها (منظار الدونية).

· العجز عن اتخاذ القرار في المسائل الكبرى والمصيرية.

هذه الرؤية التي أطرحها الآن –وكما جاءت في المؤتمر السنوي في بحث د. سيف الدين عبد الفتاح- تجد بالطبع من ينتقدها بل ويرفضها باسم "العالمية" والتعاون الدولي والانفتاح وغيرها من المفردات، وهؤلاء الناقدون يوجدون في سدة اتخاذ القرار وصنع السياسات فما العمل إذن؟؟

هناك مستويان لهذا العمل: أحدهما آني والآخر استراتيجي، وسأركز على هذا الأخير وهو يطرح التساؤل التالي: هل نجد أندادًا لمن ينبرون لتأسيس الجامعات الخاصة والأجنبية باسم الانفتاح ومسايرة التقدم؛ أي أندادًا ينيرون لتأسيس (الجامعات الحضارية) فتكون نواة تحدث اختراقًا أو تعيد توازنًا قد اختل بقوة؟ هذا يقتضي أولاً الإجابة عن تساؤل: ما هي الجامعات الحضارية التي تؤسس للهوية وتفعلها؟

تبرز الإجابة فيما كتبه د. سيف الدين عبد الفتاح في تفعيله لتراث أستاذنا د. حامد ربيع. فلقد كتب د. حامد ربيع –منذ ما يقرب من العقدين أو يزيد- عن الجامعات الحضارية ما يلي:

الجامعة الحضارية: تشير إلى أن "أي جامعة لابد وأن تملك وظيفة حضارية.."؛ بحسبانها "معقل الثقافة القومية.." و"تمثل علاقة ترابط ثابتة بين الماضي والحاضر والمستقبل عبر نظام القيم التاريخية للمجتمع السياسي" وهي بهذا الاعتبار ".. كل نشاطها لا يدور سوى حول الوظيفة الحضارية.."، تتمركز وظيفتها حول "..التعامل مع العالم المعاصر الفكري والحركي من منطلق واحد: بناء وتعميق وإعادة تشكيل مفاهيم وقيم التعامل الحضاري…" وظيفة الجامعة الحضارية تختلف عن الصورة المتداولة للجامعات الأخرى والهادفة إلى الارتباط بالنشاط المهني، فهي على العكس من ذلك تصير وظيفتها التعامل مع قيم حضارة معينة بغرض تطويرها..

..أو إكمال ما يمكن أن يكون قد أصاب تلك الحضارة من نقص.. أو مواجهة ما يعتريها من "..جمود أو تيبس لسبب أو لآخر.."، الجامعة الحضارية كذلك "... أداة من أدوات البناء الأيديولوجي ولكن من منطلق جماعي منظم ومستتر وثابت..". الجامعة الحضارية في هذا التصور جامعة لعناصر الوظيفة الحضارية وتفعيلها.

ومن نماذج الجامعات الحضارية- الجامعات الحضارية تؤسس لمشروعات حضارية كبرى، مفهوم الوحدة الأوربية إنما يستمد مصادرة الحقيقية من جامعة باريس خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، جامعة اللايتران بروما من أكثر الجامعات الحضارية عراقة واتساعًا حيث الإيناع الحضاري دفاعًا عن الكاثوليكية السياسية، الجامعة العبرية في القدس والتي سبقت إنشاء الدولة الإسرائيلية بأكثر من عشرين عامًا والتي لا تزال حتى اليوم تتميز بالاستقلال الكامل عن الدولة. الجامعة الأزهرية وحتى بداية الستينيات لم تكن سوى متابعة لتطور عملية الإيناع الفكري والتجديد الحضاري في المنطقة العربية والمجال الإسلامي، الوظيفة الحضارية والتجديد الفكري والحضاري مارستهما هذه الجامعة بفاعلية لتؤصل كيان هوية وفاعلية في آن، إلا أن تراجع دور الأزهر كجامعة حضارية جعله كواحدة من الجامعات المتعارف عليها في هذا المقام.

  من الواضح إذن أن الحاجة لهذه الجامعات لتأسيس الهوية -وفق طرح د. سيف الدين عبد الفتاح- ليس فائض كلام ولكنه مقدمة لازمة وواجبة لأصول التمكين الحضاري بأوسع معانيه في مواجهة التحديات الحضارية الممتدة؛ عن طريق تأصيل الذاكرة الحضارية وعمليات الإحياء والتجديد التي تفضي إلى تماسك وتجانس وحيث تؤصل لثقافة الممانعة والمقاومة، وحيث تعمل على إعادة صياغة وتنظيم الحياة الحضارية والقيمية والعقلية في ضوء عناصر الثوابت الحضارية، مما يحقق درجة من الثقة والندية للأمم الأخرى تكون بمثابة القاطرة لتحقيق العمران.

 فإذا كانت أزمة الأمة المادية في جانب كبير منها أزمة ثقافية فإن العمران منطلق تجديد الثقافة (راجع أعمال: مؤتمر "الأمة وأزمة الثقافة والتنمية").

أما منهاج هذه الجامعة الحضارية فهو (غاية التعبير عن التفاعل بين الذات والآخر لتجديد الهوية وليس استبدالاً لها).

إن الجامعات الحضارية على هذا النحو -كما يقدمها د. سيف الدين عبد الفتاح نقلاً عن د. حامد ربيع- ليست الجامعات الدينية (التي لا تتجه إلا إلى المؤمن المنتمي إلى التقاليد الإسلامية، وتعيش في التاريخ وتنغلق عن العالم المعاصر، ولا تفهم معنى الوظيفة الحضارية)، ولكنها شيء آخر ينطلق من الدين كنواة صلدة للثقافة والحضارة ولكنه لا ينحصر في تقاليده فقط.

العالم العربي والإسلامي عرف نماذج تتفاوت قربًا أو بعدًا، ولكن أقصى ما تأمل إليه هذه النماذج هو تضيق الفجوة بين العلم الشرعي والعلم الاجتماعي، (راجع نماذج التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم في: جامعة الأزهر، الجامعة الإسلامية في ماليزيا، جامعة دار السلام في إندونيسيا، الجامعة الإسلامية في باكستان).

ولذا يظل الاحتياج قائمًا لجامعة حضارية تساعد على مواجهة التحديات الحضارية للتعليم العالي.

أ-2- ما بين استدعاء الإسلام (تجديد الخطاب الديني) واستبعاده (التربية المدنية)

استكمالًا للدلالات المتصلة بالإطار المجتمعي، وتراكمًا مع الرسائل التي حملتها التحديات الحضارية التي تواجه منظومة إصلاح التعليم الجارية، فإن مجالي تجديد الخطاب الديني من ناحية، والتربية المدنية من ناحية أخرى يمثلان وجهين لعملة واحدة، ألا وهي وضع الإسلام في منظومة الإصلاح من أسفل (الخصائص الهيكلية) وانعكاساتها على منظومة الإصلاح من أعلى (المؤسسية والسياسية والدستورية). وهذه العملة تبين قدر التداخل بين الديني-الثقافي وبين السياسي في عملية الإصلاح الجارية. وكل من وجهي هذه العملة يحمل بصمات التدخلات الخارجية ولو بطرق وغايات مختلفة، ومن ثم يحمل كل من إشكاليات جدال الداخل –الخارج في عملية الإصلاح، كما يحمل بالطبع كل إشكاليات الجدال بين متطلبات الحفاظ على الثابت، وبين متطلبات الاستجابة للتغيرات المستمرة الداخلية والخارجية على حد سواء التي تواجه عملية الإصلاح.

موجه تجديد الخطاب الديني بعد 9/11: الدوافع والمضمون: من اقتلاع جذور الإرهاب إلى التجديد الحضاري لإرساء جذور العمران ومقاومة الاستبداد.

التجديد الديني، تجديد الفكر الديني، تجديد الفكر الإسلامي: عمليات فكرية وفقهية وعملية مستمرة، لها جذورها وذاكرتها التاريخية عبر مسار الأمة سواء في فترات صعودها وازدهارها أو تراجعها وضعفها، ولم تنفصل هذه العملية متعددة الأبعاد، عن طبيعة تأثير السياق الدولي المحيط.

مثلت قضية الخطاب الديني (الإسلامي) في مصر قضية من قضايا التغيير الاجتماعي والسياسي الهامة التي ارتبطت بالمراحل التي مر بها تطور المجتمع والدول في مصر من ناحية والعلاقات الخارجية المصرية من ناحية أخرى.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها على العلاقات الأمريكية الإسلامية، برزت هذه القضية في ثوب جديد يتسق والتحديات الخارجية والداخلية التي تواجهه مصر –والدول العربية والإسلامية في بداية القرن الواحد والعشرين. فمن بين الاستراتيجيات المتنوعة لمكافحة الإرهاب، والتي دشنتها الولايات المتحدة، برزت ما تسمى إستراتيجية تجفيف منابع الإرهاب، وعلى رأسها الفكرية منها. وكان المقصود بذلك أساسًا المدارس الدينية وخطاب الدعوة الدينية. حقيقة يجري منذ 9/11 تنفيذ هذه الاستراتيجية بأدوات أخرى عسكرية ومالية ودبلوماسية، ولكن يبقى لهذا السبيل المتصل بفكر ونظم تعليم المسلمين جاذبية خاصة في هذه المرحلة([32]). ويرجع ذلك للاعتبارات التالية:

·   من ناحية ما أضحت عليه طبيعة الدور الجديد للأدوات الثقافية في السياسة الأمريكية وذلك في ظل تزايد وزن الأبعاد الثقافية الحضارية في المواجهة الراهنة بين الإسلام والمسلمين وبين السياسات الغربية. وفي قلب هذه الأبعاد يصبح الدين هدفًا مباشرًا ومعلنا في الضغوط الخارجية على المجتمعات العربية والإسلامية ومن هنا تبرز إشكالية العلاقة بين الضغوط الخارجية من أجل تغيير هذه النظم وخطاباتها وبين الاحتياجات الذاتية للتغيير ونمط هذا التغيير.

·   ومن ناحية أخرى حاجة الخطاب الديني في مصر للتجديد كسبيل لمواجهة التحديات المتجددة، وهو الأمر الذي يجري تصميم وتنفيذ استراتيجية لتحقيقه منذ عدة سنوات أي منذ ما قبل أحداث 11 سبتمبر وما بعدها. ولقد لاقت الجهود المبذولة على هذا الصعيد انتقادات واعتراضات متنوعة قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر، وهو الأمر الذي طرح السؤال التالي: ما هو نمط التجديد المطلوب وما هي عناصره وضوابطه وقبل هذا ما هي الدوافع للدعوة إليه([33]).

ولقد تصاعدت وتيرة المطالبة الخارجية بتجديد الخطاب الديني في مصر –وفي البلدان العربية والإسلامية بصفة عامة- خلال العقد الأخير، وزادت كثافة هذه المطالبة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وقد تعددت قنوات التعبير عن أفكار الغربيين بهذا الصدد من مقالات صحفية، ودراسات وبحوث في الدوريات العلمية، وندوات ومؤتمرات حول هذا الموضوع.

كما تعددت أيضًا زوايا النظر إلى قضية التجديد وموضوعاته وآلياته من وجهة النظر الغربية، ويمكن القول أنه بالرغم من تعددها إلا أن ثمة عددًا من القواسم المشتركة بينهما لعل من أهمها: ربط القضية بظاهرة الإرهاب الدولي، وتحميل المؤسسات الدينية الإسلامية قسطًا أكبر من المسئولية عن الإرهاب، وعدم التطرق إلى الإرهاب الديني غير الإسلامي.

وبالنظر إلى ملامح خريطة الخطاب الفكري والثقافي حول قضية التجديد الديني في مصر خلال العقدين الخيرين على وجه التحديد، ومنذ 11 سبتمبر بصفة خاصة. نجد أنه قد أسهم كثير من الجهات والمؤسسات والشخصيات في رسم ملامح تلك الخريطة، سواء بإنتاج خطاب جديد يدعو للتجديد، أو بإعادة إنتاج خطابات سابقة أو قديمة وتقليدية بشأن هذا الموضوع. ولم يقتصر الأمر بطبيعة الحال على اتجاه فكري دون آخر، أو على مؤسسة معنية بقضايا الفكر والثقافة والإصلاح دون أخرى؛ بل شاركت مؤسسات متنوعة الاتجاهات (دينية ومدنية- رسمية وأهلية)، وكذلك أسهم مفكرون يمثلون تيارات مختلفة (إسلاميون- ليبراليون- يساريون- مسيحيون..) في تناول أمور عدة مثل:

-       تحليل دواعي تجديد الخطاب الديني من وجهة نظر كل تيار أو مؤسسة أو مفكر..

-   أهم القضايا التي طرحها المتجادلون حول تجديد الخطاب الديني: تجديد ماذا بالضبط؟ (مثلًا: تجديد مناهج التفسير والتأويل للنصوص الدينية –تجديد أصول الفهم والتفسير والاستنباط، أو ما يعرف بأصول الفقه- تجديد الأدوات والأساليب التي يجري تطبيق الأفكار والاجتهادات القديمة من خلالها في أرض الواقع –تجديد قضايا سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم قانونية..إلخ).

-   الأهداف المعلنة من قبل كل جهة أو مؤسسة أو شخصية فيما يختص بتجديد الخطاب الديني، بمعنى الإجابة على سؤال مؤداه لماذا نجدد: هل لأن الزمن قد تجاوز الاجتهادات القديمة؟ أم لأنها بحاجة إلى تعديل لتستوعب المتغيرات المستحدثة؟ أم لأننا بحاجة إلى تغيير مرجعية استنباط الأحكام والاجتهادات والأفكار والمشروعات الإصلاحية؟ أم لضرورات تتعلق بالتواصل مع معطيات حضارية متقدمة تمثلها الحضارة الغربية المعاصرة؟ أم أنه لا توجد أهداف واضحة ومحددة لدعاة تجديد الخطاب الديني؟ ولماذا ...إلخ.

وتجدر الإشارة في هذه السياق إلى أن ثمة فرضية مؤداها أن هدف أغلبية المشاركين في الدعوة لتجديد الخطاب الديني (من أفراد ومؤسسات) هو تبرئة الذمة من تهمة الإرهاب، ونفيها عن أنفسهم أولًا، وعن الجهات أو المؤسسات أو التيارات التي يمثلونها أو ينتمون إليها ثانيًا، ومن ثم الاستجابة لضغوط وإملاءات خارجية في الاتجاه؛ أي أن ما أنتجوه من خطاب فكرى بهذا الخصوص لم يكن استجابة واعية بضرورات التجديد انطلاقًا من اقتناع ذاتيي بجدارة الخطاب الديني في أن يسهم في التصدي للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعاني منها المجتمع، بقدر ما كان خطابهم الداعي للتجديد استجابة لتلك الضغوط الخارجية التي أشرنا إليها.

وانطلاقًا من نتائج مشروع بحثي جامع وشامل حول أبعاد هذا الموضوع، الفكرية والعملية([34]) يمكن تقديم مجموعة من الملاحظات ذات الدلالة فيما يتصل بموضوعنا أساسًا([35])

المجموعة الأولى من الملاحظات حول موضوعات وقضايا تجديد الخطاب؛ فبالرغم من تعدد استعمالات المفهوم وتعدد المعاني بتعدد منظورات الباحثين ومستويات التحليل، فإن موضوعات الخطاب الديني وقضاياه متنوعة، سواء تلك المطروحة بالفعل على الساحة أو تلك التي في حاجة لاستدعاء وتركيز عليها أو تلك التي في حاجة لتجديد ناهيك عن عدم وجود توافق أو رضاء على أكثر من مستوى؛ ففي حين ذهب البعض إلى التركيز على الفقه كميدان لعملية تجديد الخطاب الديني، ذهب آخرون إلى أن التجديد يجب أن ينصرف بالدرجة الأولى إلى الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية وضرورة معالجتها في ضوء المرجعية الدينية وعلى نحو يتجاوز معه الخطاب الجديد الإطار الفقهي –القانوني بالمعنى الضيق. كذلك ومن أهم الموضوعات في الخطاب الديني، التي تناولتها النخب الفكرية والثقافية المتجادلة على هذه الساحة موضوعات الهوية، علاقة الدين بالدولة والمجتمع، التنمية، العمل الاجتماعي والمدني المؤسس من منظور إسلامي، وجميعها لم يتحقق اتفاق أو رضاء عام بين الاتجاهات النخبوبة المختلفة حولها.

وفي المقابل فإن المفاهيم التي حازت الاهتمام في الخطابات الغربية هي مفاهيم الجهاد والعنف والنظرة الدونية للمرأة والاستبداد والثيوقراطية. أما الجمهور العام من المواطنين المصريين فالموضوعات التي تهمهم هي موضوعات المعاملات المدنية وقضايا الأخلاق والسلوكيات غير السوية، وبعض مسائل العبادات ومدى تأثرها بالتطورات التكنولوجية  وثورة الاتصالات. خلاصة القول، أن هناك تباينًا كبيرًا في تحديد أجندة الموضوعات في الخطاب السائد وكذلك الموضوعات التي يجب تجديد الخطاب بشأنها، هذا الأمر الذي يفرض ضرورة الاتفاق على ترتيب للأولويات فضلًا عن ضرورة الانتقال من المعالجات العامة إلى تقديم تصورات واضحة حول مناطق التجديد ذات الأولوية.

المجموعة الثانية من الملاحظات، حول غايات ومآلات التجديد:

يرجع ذلك الوضع السابق تشخيصه إلى أمرين: أن المبادرات الداعية لتجديد الخطاب الديني –في السنوات الخمس الأخيرة- كانت بمثابة رد فعل على الضغوط الخارجية، كما يرجع في جانب آخر إلى تراكم مشكلات الخطاب الديني على المستوى الداخلي دون وجود جهد منظم ودائم في هذا المجال.

ولهذا فإن من أهم القضايا التي أثارتها مبادرات تجديد الخطاب الديني تتصل بدوافع وغايات هذه المبادرات: هل هي مجرد رد فعل للضغوط الخارجية وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أم أنها تأتي كتطور تلقائي للفكر الديني وسعيه للاستجابة لضغوط الواقع وتحدياته؟ أم هي عملية شاملة وممتدة تستهدف التجديد الحضاري العام للأمة وليس فقط الاستجابة لضغوط الخارج المتصلة بالحرب الأمريكية على الإرهاب؟ بعبارة أخرى فإن النقاشات على هذا الصعيد بينت أن عملية التجديد يجب أن تقع في صلب الجهود الرامية إلى التجدد الحضاري بثقافة العمران ومقاومة الاستبداد وعدم الاقتصار على متطلبات ما يسمى اجتثاث جذور الإرهاب وفق النظرة الأمريكية. ولذا فإن الاستجابة للواقع الداخلي –وليس مجرد الفعل للخارج، تتطلب الجمع بين قيم التوحيد والعمران ليسهم التجديد في تحقيق الإصلاح والتقدم ولا يكون مجرد وعظ أخلاقي أو تحفيز للتدين بالمعنى الضيق. مع ضرورة أن يتشابك خطاب المقاومة للظلم والاستبداد الداخلي مع خطاب الجهاد ضد الاستغلال الخارجي والعدوان.

المجموعة الثالثة من الملاحظات: حول موضع هذا التجديد من التشابك بين الثقافي والسياسي في عملية الإصلاح الجارية: فلقد ارتبطت النقاشات حول تجديد الخطاب والديني وبعدة مستويات من النقاشات: حول مدارس التجديد الأصلية في المجتمع، والحوارات الفكرية حول إسهام الدين في عمليات التغير المجتمعي بالإيجاب أم السلب، والجدالات وحول علاقة الدين بالدولة والمجتمع سواء من منظور تحديثي ينزع إلى تحجيم دور الدين في الحياة العامة أو العكس.

هذا ولم يوجد اتفاق في الآراء خلال هذه النقاشات، مما يبين موطن ضعف آخر في الجماعة الوطنية المصرية. إلا أنه من الواضح أن هذه النقاشات –متعددة المستويات- قد جمع بينها خلفية واحدة ألا وهو التساؤل عن أسباب التحول من التركيز على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية (المادية) في تفسير الظاهرة الإسلامية إلى إعطاء وزن أكبر للمكون الثقافي والمعنوي؟ وهل يعني ذلك أن الخطاب الديني –كما يرى البعض في الغرب- هو المسئول الأول عن حالة التدهور والضعف وعما يسمى الإرهاب الإسلامي ومن ثم فإن مفتاح الخروج من الأزمة (التي تمتد عواقبها إلى الغرب) هو تجديد هذا الخطاب وفق وصفه معينة يضغط الغرب من أجلها (ضمن آليات ضغطه لتغيير منظومات القيم)؟

أم أن هذا الاهتمام بهذه المكونات الثقافية تعكس إدراكًا لقيمة الدين ودوره الحاسم في المجتمع والسياسة في مصر، وخاصة على ضوء ما آل إليه الخطاب الفكري العلماني والخطابات والسياسة الرسمية المصرية من جمود وتكرار وانفصال عن المجتمع ومشكلاته فضلًا عن مسئوليتهما عن كثير من مواطن الضعف والفشل التي حاقت بمسار تجربة التحديث في مصر.

 التربية المدنية: التشخيص والتفسير والغايات: من أهداف التسامح الديني ومقاومة السلطة الأبوية وثقافة السلام إلى التربية على قيم المواطنة والديموقراطية.

عن الحالة العامة لتجربة التربية المدنية كما أفصحت عنها نتيجة أعمال أحد الملتقيات الحوارية([36]) فهي تتلخص في المقولة التالية([37]): "أن عملية التربية المدنية في مصر – على الأقل بالمعنى المتعارف عليه حتى الآن عن هذه العملية لم تعد بعد جزءًا مندمجًا في نسيج العمليات المجتمعية التجديدية والإصلاحية، التي يجب أن تقودها المؤسسات التربوية الأصيلة، فهي ليست إلا مجرد تجارب موازية تقوم بها مؤسسات أخرى، على صعيد المجتمع المدني، أو مجرد تجارب مبعثرة وجزئية وغير ممتدة أو متصلة على صعيد فعاليات هذه المؤسسات التربوية. ناهيك بالطبع عن تنازعها بين المرجعيات الفكرية والسياسية المتنافسة نظرًا لغياب تيار رئيسي للجماعة الوطنية المصرية. في حين أن تجارب الغرب في هذا المجال – سواء من حيث المفهوم أو التطبيق، هي جزء مندمج في مؤسسات المجتمع والدولة، هي روح النظام بكل مستوياته، وهى نتاج ومحصلة تراكم ممتد ومتصل. كما أنها تعبر عن فلسفة وعن رؤية وعن إطار مرجعي، ومن ثم فهي ليست فكرة أو خبرة تسوقها الحكومات، أو تدعى مساندتها، لتأدية وظيفة ودور يخفف من أعباء يجب أن تلتزم بها أصلًا هذه الحكومات ولا تفرط فيها. وبدلًا من ذلك يصبح مجرد تمويل برامج للتربية المدنية عبًا في حد ذاته حيث لا يجد بانتظام ما يكفي من مصادره الذاتية بقدر مالا ينبع أيضًا من احتياجاتنا ومتطلباتنا الذاتية، ولذا ليست عملية التربية المدنية في مصر عملية مستمرة ومتراكمة ولو بقدر مواردنا وقدراتنا، بل هي تتسم بمحدودية الانتشار والتأثير بالقياس لحجم المهمة والتغير المطلوب إحداثه" ناهيك عن كونها –فكرة ومنهجًا- منقولة من الخارج.

وإذا انتقلنا من تشخيص الحالة العامة إلى التفسير([38]) يمكن القول أنه إذا كانت برامج وخبرات التربية المدنية في مصر –تطرح أيضًا إشكالية من أين ابتداء الإصلاح: من الثقافي إلى السياسي أو العكس؟ كما تطرح أيضًا إشكالية مدى قدرة المجتمع المدني على إحداث تحول نحو الديموقراطية، إلا أن هذه الساحة تطرح جدلًا آخر أكثر أهمية يتفرع إلى مستويين: أولاً- مستوى الجدل حول مدى حياد المفهوم وحول ومدى كونه بديلًا فاعلًا لتنشئة جديدة نحو تحول ديموقراطي حقيقي، وحول أهدافه العولمية وخاصة أنه مفهوم مستورد تبني عليه خبرات منقولة من الخارج، وثانيهما مستوى الجدل حول إشكالية الخصوصية والعولمية في مضمون البرامج وغاياتها ودوافعها ومن ثم الدعوة لتوطين هذه البرامج ومراعاة موضع الدين منها([39]).

وعن المستوى الأول من الجدالات: فليس هناك اتفاق في الأدبيات المعنية حول ما إذا كانت عملية التنشئة هي بالفعل عملية محايدة تؤدي إلى تكوين وعي مستقل لدى الأفراد، ناهيك عن عدم وجود مفهوم واحد للتربية المدنية، وهذا ناتج في جانب منه عن العلاقة بين السياق السياسي والسياق المجتمعي الثقافي للتجربة المعنية.

فعلى سبيل المثال فلقد اقترن شيوع مصطلح التربية المدنية في تجربة التحول الديموقراطي في شرق أوروبا (قبل سقوط النظام الشيوعي)، وذلك في محاولة للالتفاف على استخدام مصطلح السياسة، بهدف محدد وهو القضاء على نظم قائمة وإعادة بنائها.

 ومن ناحية أخرى؛ تختلف السياقات السياسية المقارنة لتجارب وخبرات التربية المدنية في مناطق العالم المختلفة، مما أثر على مضمون هذه التجارب ومحتواها استجابة لمنظومات القيم الجديدة التي يراد بثها، ولهذا كله يرفض البعض استخدام المصطلح انطلاقًا من الحاجة إلى مصطلح ذو ذاكرة وطنية يعكس الخبرة المصرية. كما يرفض البعض الآخر اعتبار التربية المدنية مجرد منهج للمعرفة على أساس أن المنهج لا ينفصل بدوره عن فلسفة ورؤية ما قبل المنهج وما بعده وهو الأمر الذي يقودنا إلى المستوى الثاني من الجدالات الخاصة بإشكالية الخصوصية/ العالمية).

 

 

فإن مجال التربية المدنية في مصر من المجالات التي يتضح فيها التأثيرات الخارجية في ظل العولمة بقيادة مشروع الهيمنة الأمريكية العالمية. ولذا يرفض البعض كونه مفهوم محايد أو أنه مجرد تربية على منهاجيات سلوك ومنهاجيات معرفة، بل يرى أنه تربية على منظومة قيمية جديدة ذات إطار مرجعي، ولذا فالتربية المدنية ليست محايدة أو إنسانية عالمية كما يقول البعض بل يرى البعض الآخر أن مفهوم التربية المدنية وأن بدا إنه يريد فض الاشتباك مع العسكري والرسمي والديني إلا أنه يشتبك مع الديني ويستهدف تطويع الطابع القومي العام وصبغه بصبغة عولمية علمانية تنتزع هذا الطابع من سياقه الثقافي والحضاري كوسيلة من سبل الإذعان الجديدة، ومن ثم فالتربية المدنية ليست سبيل حقيقي نحو تحول ديموقراطي كما يزعم البعض، بل هي سبيل لتحول على نمط الديموقراطية الغربية وفق فلسفتها ومنظومة قيمها الخاصة، وفي قلبها العلمانية. ولذا فإن برامج التربية المدنية –المنقولة- إنما تتحيز لمنظومة قيم الديموقراطية الغربية.

بعبارة أخرى في مقابل الاتجاهات التي ترى في برامج التربية المدنية سبيلًا نحو تنشئة بديلة على الديموقراطية ومقاومة الاستبداد، فإن فريقًا آخر يرى أنها يجب أن تتجاوز مجرد التحول الديموقراطي وتمتد إلى نشر ثقافة النهضة بصفة عامة وإلى اجتثات جذور الاستقطاب الديني والسياسي في مصر وأحداث ثورة ثقافية حقيقة في المجتمع المصري وليس فقط إدعاء مداواة بعض العلل التي يجري تضخيمها (مثل عدم التسامح مع غير المسلمين وعواقب ما يسمى السلطة الأبوية...)، أما فريق ثالث فينتقض مشروعية استخدام المفهوم وتطبيقاته المستوردة نظرًا لما يحمله من تحيزات معرفية وسياسية عولمية لا تستقم ولا تتطابق بالضرورة مع احتياجاتنا ومنطلقات النموذج المعرفي والحضاري الإسلامي لأن التربية المدنية –كفلسفة وكعملية لا يمكن أن تكون محايدة أو إجرائية.

ولهذا كله؛ فإن الدعوة إلى توطين برامج التربية المدنية قد أثارت بدورها جدلًا آخر حول موضع الدين منها من أجل إعادة بناء ثقافة مقاومة الاستبداد وبناء العمران ومقاومة الإذعان وغيرها من الثقافات التي تعكس مفرداتنا الحضارية وتعكس أولويات احتياجاتنا السياسية والمجتمعية ووفق أولويات أجندتنا وليس أجندة التأثيرات الخارجية باسم قيم الإنسانية العالمية التي تستبعد الديني (النواة الصلدة لخصوصياتنا) ، أو تحاول على الأقل فرض المفهوم الغربي عن الدين.

ومن هنا أضحى موضع الدين من البرامج في صميم الجدال حول مدى مراعاتها للخصوصيات الثقافية. وبهذا الصدد تبلور اتجاهان أساسيان.

الاتجاه الأول يرفض ارتباط التحول الديموقراطي والتربية المدنية والمواطنة بالدين، في حين يرى الاتجاه الثاني أنه يمكن أن يكون للدين موضعه على أكثر من مستوى من هذه العملية المركبة.

ومن أسانيد الاتجاه الأول ما يلي: عدم وجود مجتمع مدني فاعل في مصر نظرًا لعدم قبول الاختلاف في الآراء والمعتقدات، مع وجود نظام غير علماني يوظف الدين ليصبغ الشرعية، ولا يتحقق دور للدين في التحول الديموقراطي إلا في ظل دور قوى اجتماعية أخرى، ضرورة عدم الخلط بين العلمانية والدين على أساس أن العلمانية لا تقبل مرجعية دينية ولكن تقبل وجود دين ولأن تحكيم مرجعية دينية ما في مجتمع متعدد الأديان يطرح التساؤل عن كيفية احترام الاختلاف في ظل المواطنة التي هي مرجعية الحقوق السياسية، لا وجود للديمقراطية بدون علمانية، والمنهج الديني يقوم على مسلمات يطبقها على الواقع وعلى نحو يقدس سلطة النص كمصدر للمعرفة، في حين أن منهج التربية المدنية هو المنهج الاستقرائي والجدلي وليس القياسي أو الاستنباطي، ضرورة التمييز بين التربية الوطنية ومصدر قيمتها هو أيديولوجية النظام الحاكم وبين التربية الدينية ومصدرها النصوص المقدسة وبين التربية المدنية ومصدرها عقد اجتماعي يصيغه المجتمع المدني وليس مرجعية فصيل واحد في هذا المجتمع.

أما الاتجاه الثاني الذي يتحفظ على صفه المدني إذا كانت تعكس التضاد أو الصراع مع الديني، فإن أسانيده تتلخص في الآتي:

العلاقة بين المدني والديني كانت قائمة في الخبرات الأوروبية والأمريكية ذاتها، خطأ القول بتهديد الديني للمدني في التاريخ الإسلامي لأنه قول منبي على رؤية انتقائية غير موضوعية لهذا التاريخ، يقوم على إلباس المفاهيم المعاصرة لخبرات تاريخية، عدم اتفاق الأدبيات المتخصصة على الآثار السلبية للثقافة العربية على التحول الديموقراطي ورفض بعضها اتهام الإسلام باعتباره مكون أساس في هذه الثقافة، الأسرة والمؤسسة الدينية تقوم بدور إلى جانب المؤسسات الأخرى في التربية المدنية، والدين هو مصدر القيم والأخلاق التي تنطلق منها هاتان المؤسستان، طالمًا أن مفهوم التربية المدنية غير محايد إذن فيجب أن يكون له إطار مرجعي ومنظومة قيم قد يلعب فيها الدين دورًا أساسيًا، فينعكس على المفاهيم الأساسية في عملية التربية، مثل المساواة، الحرية، العدل، المسئولية الاجتماعية، الجمال والخير، الأخلاق؛ الخبرة العربية الحديثة تبين أن العلمانية ليست بالضرورة ضمانًا للتحول الديموقراطي وحماية الأقليات أو قوى المعارضة وهو الأمر الذي يفرض مراجعة علمية في مسألة علاقة كل من العلمانية والدين بالتطور الديموقراطي وخاصة في الدول العربية والإسلامية، مغزى تراجع بعض إعلام العرب والمسلمين عن الدفاع وعن الأخذ بالأفكار والتجارب الغربية وزرعها في بلا