قراءة عن "الخصوصية الثقافية"

في كتابات المستشار طارق البشري

مقدمة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

فإن البحث في مثل هذه الموضوعات التي يمكن أن نسميها بـ"القراءات الفكرية" -في فكر مفكر معين وأدبياته- عملٌ ينبغي أن تتضح –للباحث- أصوله وقواعده، وتتبين منذ البداية متطلباته ومداخله وأدواته، ما أمكن من ذلك؛ كي يلتزم الأصولَ، ويتهيأ للمتطلبات، ويتخير من المداخل والأدوات ما كان أقوم وأقسط، وأكفأ وأكفى.

فمن الأصول الأساسية شبه البدهية التي تتعلق بهذا المقام: أنَّ بحث مسألة ما داخل "عموم" فكر مفكِّر -وبعد استيعاب كافة أدبياته- أولى من الانتزاع الجزئي لها والقراءة الانتقائية، وأن فهم دلالات المفاهيم والألفاظ يكون من خلال فهم تفاعل المفكر مع اللغة ومع الخطاب والواقع المحيطيْن به، وأن سياقات أدبياته مقدمة على السياقات الخارجة عنها، وأن المكرر من الأفكار مقرر، والفريد منها مندرج؛ بمعنى أن إعماله أولى من إهماله، وأن الباحث محكوم بحدود عامة؛ أهمها: هدفه وداعيه، ومنطلقه الفكري، وقدراته على الاستيعاب والتحليل والربط والتقدير، ومن ثم فالتحيز والميْل حتمٌ لكنه ليس نهائيا أو كليا ولا بالضرورة سلبيا أو جائرا، وأن الموضَّح –في الفهم- مقدم على المضمَر، وأنه ينبغي أن يُردّ الظني إلى المقطوع به.

ومن المتطلبات اللازمة لتحقيق أهداف مثل هذا البحث: بذل الجهد الفكري من أجل تمثُّل المنطق الذاتي للمفكر، والتنبُّه إلى المظانّ الدلالية للمسألة محل البحث في أدبياته، والقراءة المتأنية بلا تكلُّف، ومراكمة الاستنتاجات المباشرة بلا تعسُّف، والمراجعة للنتائج على ظاهر فكر المفكر، وعدم الإيغال في بواطنه والمظنونات بعيدة الصلة عن فكره أو تحميله محامل بعيدة.

وثمة مداخل متعددة يمكن الولوج منها في مثل هذا الموضوع وتؤثر فيها أهداف البحث وتوازن بينها. وكل مدخل يؤدي إلى نتائج تلائمه؛ ومن ثم فالمعيار في اختيار المدخل هو هدف القارئ-العارض، وطبيعة الفكر محل القراءة. ومن ناحية أخرى، يستلزم كل من هذه المداخل أداة أو أكثر مما تلائمه وتفرضه اللياقة المنهجية والتكافؤ المنهجي؛ كالأداة اللغوية والدلالية، والأداة المنطقية، والأدوات النظرية (المأخوذة من نظريات مشهورة أو معتمدة في جماعات علمية وبحثية معينة).

هذا في الانتقال من منطوق المفكِّر أو مكتوبه إلى فهم الباحث القارئ. أما من حيث عرض القراءة واستخراجها من مفهوم الباحث إلى منطوقٍ يُعرض على آخرين، فإن الباحث –في عرضه لقراءاته- يقع عادةً بين قطبين مختلفين يجذبه كل منهما إلى جهته: أولهما- ما تفرضه درجة وعي الباحث نفسه بالمقروء وتعمقه في فهمه، ورغبته في بيان ذلك، وثانيهما- درجة إدراكه لما عند المتلقي من معرفة بالموضوع محل القراءة والعرض. ولعل الأوفق بين الأمرين أن يتم تقديم معرفة أساسية بالموضوع محل القراءة في إجمال وإيجاز مفيدين، والصعود به من الواسع مجملا إلى المضيَّق مركَّزًا.

وبالنظر إلى موضوع هذا البحث؛ وهو "الخصوصية الثقافية في فكر المستشار طارق البشري"، فالمحدد الأول لإجراء البحث -وهو غايته ومبتغاه- هو تحديدا: محاولة استخلاص أفكار علمية وأخرى عملية تساعد في ترشيد الوعي بالعلاقات الثقافية داخل الجماعة الحضارية التي ننتمي إليها وكذلك فيما بين هذه الجماعة وبين نظائرها من الجماعات أو الأمم، وتمكِّن من تحسينها.

وهذا الهدف يفترض خطوات لتحقيقه؛ هي ما سيشكل مبنى هذا البحث وطوابقه؛ وهي: محاولة إجمال خريطة أفكار تتواتر في أدبيات المستشار البشري وتركيز ضوء على موقع فكرة "الخصوصية الثقافية" منها باعتبارها عنوانا وبدون تفصيلها، ثم محاولة تحليل فكرة "الخصوصية الثقافية" هذه وتبين دلالاتها ومؤشراتها ووظائفها المختلفة في فكر المستشار البِشري وتبين شبكة علاقاتها بعوالم المفاهيم والقيم والأفكار والقضايا عنده؛ ثم أخيرا محاولة استخلاص فوائد علمية وعملية من هذه القراءة في توجيه علاقاتنا الحضارية والثقافية الراهنة. وتسبق ذلك توطئة تعرض -بإيجاز شديد- المفهوم الأوَّلي للخصوصية الثقافية كما يدركه الباحث من عموم الخطاب الفكري العربي المعاصر، وإشعارات هذا الخطاب –المحيط بخطاب الأستاذ البِشري- بالمداخل المتاحة والأليق بهذا البحث.

 

·  ماذا نفهم من مفهوم "الخصوصية الثقافية"؟

عادة ما تنطرح قضية "الخصوصية الثقافية" في خطابنا العربي الحديث في غمار محاولات تعريف "الذات" الثقافية أو إعادة تعريفها؛ ومن ثم تعريف "الآخر" وتحديد خصائص العلاقات معه، ويعبر عن ذلك بتعبيرات عديدة تخيَّر مؤتمرنا هذا منها هذا التعبير: (الخصوصية الثقافية) من باب شيوعه في الفترة الأخيرة على خلفية دعوات "الإصلاح" القادمة من الخارج، والاستجابات لها بدعوى "لا إصلاح إلى من الداخل بما يراعي خصوصياتنا الثقافية والحضارية والواقعية"*[1].

وللوهلة الأولى، تبدو عبارة "الخصوصية الثقافية" من الكلمات العادية التي يمكن لكل مستخدِم لها أن يحمِّلها ما يشاء من دلالات واتجاهات ووظائف. ولكن في الخطاب العربي يمكن ملاحظة اتجاهين أساسيين -غير نقيين ولا فريدين- في التعبير عن مقاصد هذا التعبير، خاصة عند استخدامه باعتناء بما يشبه استخدام المصطلح أو المفهوم العلمي:

الأول- اتجاه تأصيل: وهو يعرِّف "الخصوصية الثقافية" بطريق الإيجاب (بما هي كائنة)، فيقصد بها: العنصر الأصيل للذات أو عنصرا أصيلا خاصَّا بها ومميِّزًا لها عن "الآخر"؛ ومن ثم تتجذر "الخصوصية الثقافية" في مقامات الهوية والمرجعية، وتتحرك نحو قضايا مناهج التفكير والنظر والتعامل؛ لتتجلى –نهايةً- في الرموز الحياتية الكبرى والسلوكيات العامة وأنماط العيش والتعايش الجمعية.

الثاني- اتجاه توظيف: وهو يعرِّف "الخصوصية الثقافية" بطريق السلب غالبًا (بما ليست هي)، فيقصد بها: مكوِّنًا إضافيًّا مميزًا للذات؛ حيث يتمثل عنصر الذات الأصيل في المشترك الثقافي "الإنساني أو العالمي أو العصري" (الجامع بين الذات والآخر) لا في المميِّز، ويبقى المميِّز (الخصوصية) فرعًا مزيدًا على أصل، ومن ثم يحرك التفكير صوب تجليات جزئية كالشارات المميزة لأفراد فريق واحد.

بعبارة أخرى: إنه في الحالة الأولى يمتد مفهوم "الخصوصية الثقافية" إلى مناطق "رؤى العالم"، ومصادر الفكر ومناهجه، وأساليب الفعل والحركة وأنماطهما الأساسية؛ بحيث تمثل "الخصوصية الثقافية" المكون الجوهر والروح السارية في الذات تلم شعثها وترسم حدودًا لها عن الآخرين، بينما في الحالة الأخرى قد تقف "الخصوصية الثقافية" عند حدّ الأداة والماركة المميزة غير الأساسية.

إذن تطرح مسألة المقصود بـ "الخصوصية الثقافية" عند المفكرين ومقامها ومناهج معالجتها بالتأصيل لها أو بتوظيفها، تطرح مقامات وأحوالاً قد تعبر عنها مؤشرات الجدول التالي:

 

        المدلول

المقام

الأصيل

(الإيجاب)

الزائد

(السلب)

خلاصات

الكلي / الجزئي

1.  الكلي: الهوية، والمرجعية (مصادر الفكر ومنهاجيته الأولية)، والرؤية الكلية.

2.    الجزئي: التجليات الرمزية.

1.الكلي في الخصوصية غير بارز أو مهم.

2.الجزئي: لعلها كلها قضية جزئية.

تسكين القضية من حيث الاتساع والضيق.

الجذري/ الثانوي

3.     الجذري: المميز الخصوصي.

4.  الثانوي: المشترك العالمي الإنساني.

 

عكس الاتجاه التأصيلي

مقام القضية من حيث الضرورة الأصلية والتكميل التحسيني.

الثابت / المتغير

5.   الثابت: مصادر الخصوصية ومسلماتها.

6.  المتغير بمعنى المتجدد: تفسيرات المصادر وتجلياتها ومقتضياتها غير الضرورية.

5.  الثابت: مصادر المشترك (الطبيعة البشرية الثابتة).

6.  المتغير بمعنى المتحول: الخصوصيات كتجليات وشارات مميزة.

تصور القضية من حيث القيمية المبدئية والتعامل مع الواقع.

 

وبالإضافة إلى التركيز أعلاه على مدلولات مفهوم "الخصوصية" وما قد يثيره من جدالات العام/الخاص، والمشترك/المميز، والذاتي/العالمي، فإن مدلول صفة "الثقافية" الذي يشير إلى "المجال" من شأنه أن يصوب النظر نحو جدل المجالات والمداخل في رؤية العلاقات البينية ومع الآخر؛ فيقارن بين مجالات (السياسي، الاقتصادي، الاستراتيجي، الاجتماعي، الثقافي..) سواء بالتغليب فيما بينها، أو بالتركيب بين مجالين أو أكثر عند دراسة هذه العلاقات على محور "العام/الخاص".

كما أن مقام "البُعد الثقافي" في فكر المفكر بالنسبة لسائر مجالات التفكير يؤثر بلا شك في تعامله مع المسألة برمتها؛ أقصد "الخصوصية الثقافية". فحين تكون "الثقافة" تعبيرًا عن أساسٍ وحياةٍ وشأنٍ محوريٍّ تصير "الخصوصية" أقرب إلى روح "الجذور والكليات" ويزداد فيها معدل "الثابت" الممتد، وتبرز قضايا "الهوية والمرجعية ونمط التفكير الأساس"، وحين لا تعدو "الثقافة" أن تكون شأنًا ثانويًّا أو محصورًا فإن توظيف "الخصوصية" –بدوره- يقوم غالبا مقام الاستدراك على الأصل، وربما الزينة لا أكثر.. وبين هاتين الحالتين أمور مشتبهات.

بهذا، فإن الإشكالية المتعلقة بمفهوم "الخصوصية الثقافية" - في دراسة نماذج الخطابات الفكرية العربية- يمكن صياغتها في سؤال مركزي مفاده: كيف يكيِّف المفكر المجال "الثقافي" -في إطار نظره للذات وللآخر- بين حالي الخصوصية والمشترك؟ وكيف برّر المفكّر مسألة الخصوصية الثقافية، وسكّنها في مرجعيته؟ ومنه تتفرع أسئلة ربما أهمها:

-  ما مقام "الثقافي" في فكر المفكر محل الدراسة والمتعلق بمسألة الذات والآخر؟ وكيف يقع هذا "الثقافي" في شبكة مداخله الفكرية؟

-      ما خصائص رؤية المفكِّر لمسألة "الخصوصية الثقافية"؟

-  ما دلالة هذه الخصوصية عنده بالنسبة للأوضاع الثقافية والسياسية والاجتماعية الراهنة؟ وما دلالتها بالنسبة للإصلاح والتجديد وخطاباتهما على مستويات الأوطان والأمة والعالم؟

-      ما أجندة الخصوصية وقضاياها الحاّلة والآنية والملحّة؟

 

·  الخطاب العربي وإشعاراته الأولية بمداخل البحث:

السياق القريب لفكر المستشار البشري[2] والذي يتحرك داخله بالأساس، هو الخطاب العربي: الثقافي والفكري المعنيّ بما نسميه الشأن العام وبالأخص الشأن السياسي. وهذا الخطاب شاهدٌ –في تجلياته البارزة- على تنوع المشارب والمرجعيات، والمناهج والمسارات، والأولويات والقضايا؛ ومن ثم فهو أدنى إلى أن يكون "خطابات عربية". والعروبة –في وصفنا هذا- صفة ليست بالضرورة أيديولوجية أو فكرية أو انتمائية، بل هي دائرة إقليمية متميزة بتعدد الاتجاهات.

والنظر الإجمالي في الخطاب "الثقافي" و"السياسي" العربي يُشعر بالكثير من الصعوبات خاصة في التعميم عليه، أو حتى تصنيف اتجاهاته، لكنه قد يُشعِر بإمكانات تنظيمٍ له وإن لم تكن جامعة مانعة. ومن هذه الإشعارات قد تتبدى –على سبيل المثال- أجندة (قائمة) خِصبة يمكن أن تتجلى فيها إشكالية "الخصوصية الثقافية" في إطار القضية الأم: قضية العلاقة البينية الذاتية والعلاقة بين الذات والآخر وتعريف كل منهما؛ ومن مفردات هذه القائمة:

-       الأصالة والمعاصرة.      – الوافد والموروث: النقد والبناء.

-       قضية الهوية – المرجعية الفكرية  - مناهج الفكر.

-       العلوم الحديثة والمناهج والافتراضات المرتبطة بها: النقد والترويج.

-       النظم السياسية وقضايا الوحدة والقطرية والترتيبات الإقليمية المتتالية.

-       الأنظمة العربية وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والاستبداد والتغيير.

-       العولمة والنظام العالمي والعلاقات التاريخية والمستجدة بين الأمم والحضارات.

-       الإسلامية وسائر الإيديولوجيات، وجدالات الإسلامية السياسية والثقافية.

-       قضايا النهوض والإصلاح الاجتماعية والسياسية والثقافية.

-       التحديات الاقتصادية والتكنولوجية ومعادلات القوة المادية وتأثيراتها.

-       وغير ذلك مما يتصل بما سبق أو يتفرع عنه.

 

هذه (القائمة) قد يراها البعض من الاتساع بحيث تشمل كل شيء، وبالتالي لا تعني أي شيءٍ محدَّد، لكن حين يُطرح إزاءها سؤال "الخصوصية الثقافية" فإنها قد تُشعِر بإمكانية الكشف عن خريطة للفكر العربي متعلقة بالخصوصية، وذلك بأكبر قدر ممكن من الإفادة وإن لم يكن الحصر والاستقصاء.

وقد تبدو السمة الأساس التي نلاحظها في الخطاب العربي هي انقسامه على نفسه ابتداءً حول "الخصوصية الثقافية": مفهوما وخصائص ووظائف، وأن هذا الانقسام يمتد إلى أصول المرجعيات، ويشيع في معالجات (القائمة) المشار إليها.. وأن هذا الانقسام يؤثر في القضايا الداخلية كما يؤثر في التعاطي مع مشكلات الخارج وتدخلاته. وفي هذه البيئة بسماتها البارزة يتواجد ويتحرك خطاب المستشار البشري، منازلا –باسم الفكرية الإسلامية- للفكرية العلمانية وعمليات العلمنة، وللزحف الغربي والاستجابات التغريبية، وساعيا لتمييز الذات وأصولها وموروثها وحقوقها ومصالحها ومشروعات نهوضها عن الآخر (الغربي) وقواعده وبيئته التاريخية والفكرية وطريقته العلمانية الوضعية ومصالحه ودعواته وما قد يفد من عنده ويستورد من غث أو سمين، ومحاولا تبين مناهج النظر والتناول والتعامل مع كل ذلك.

فالبشري ينطلق من تركيزه إدراكه ووعيه على الصدوع الكبيرة التي تعاني منها الساحة الفكرية والثقافية –ومن ثم السياسية- في دوائر الأمة كما يتصورها: الوطن والعروبة والأمة الإسلامية الجامعة، وقد كرس فكره بالأساس لكشف مناطات المسألة التي رآها تدور حول "الاستعمار ومقاومة الاستعمار" في كل مظاهره السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية[3]. ومن ثم اختط البشري خطا متميزا في غمار الجدل الفكري المعاصر، وتجلت لديه "الخصوصية الثقافية" فكرةً ومفهوما وعنصرا أصيلا في الهوية وروابط الانتماء وفواصله، وفي المرجعية وقواعد الاحتكام، وفي مناهج النظر ومناهج التناول لتفاعلات الداخل وعلاقات الخارج، مع ميل واضح إلى المعالجة التأصيلية أكثر من مجرد التوظيف، وإن بدت "الوظيفية" من أهم السمات العامة لفكر الأستاذ ومحدداته، وبين التأصيلية والوظيفية عنده اشتباك أو تشابك سنحاول أن نقف عليه.ساسية

 

أولاً- معالم خارطة فكرية أولية[4] عند البشري وموقع الخصوصية الثقافية منها:

كيف ندرك ونصور خطاب البشري وفكره ونرتبه ترتيبا يخدم عملية طرح السؤال عليه واستخلاص الجواب المنشود منه؟

يفضل البعض الدخول إلى فكر المستشار البشري من مدخل المجال (التأريخ، الفقه والقضاء، الفكر السياسي)[5]، ويفضل آخرون تصنيفه في الصف الإسلامي المواجه نخبويا للطرف العلماني، أو في الجانب المعتدل في مقابل الغلاة مع تتبع تاريخي لكتاباته. يتحرك البعض نحو الأستاذ البشري من باب "أجندته" الأساس وقضاياه الكبرى التي عَنْوَنَ بها لكتبه ولمقالاته المتعددة أو ضمنها عناوينه الفرعية المهمة[6] .. فأي مدخل مِن هذه هو أنسب لطرح مسألة "الخصوصية الثقافية" من خلاله، بما يمكِّننا من استدعاء سائر خطاب البشري استدعاء منظما؛ وبالتالي الخروج بإجابة تخدم هدفنا المحدد أعلاه؟!

في تصوري، يبدو مدخل "الموقع الفكري" –وهو يحدد منطلق الكاتب من سياقاته المحيطة به خاصة الفكرية والسياسية- أقرب إلى مزاج هذا الفكر المعتني كثيرا ببيان المواقع والمواضع، والفواصل والوصلات، والعام من الأفكار والنظم والخاص منها، وفي مسألة "الخصوصية الثقافية" -وإن لم يستعمل هذا اللفظ كثيرا- يبدو أوشك اتصالا بها ربما أكثر من عديدين ممن استعملوا المفهوم بلفظه ومبناه[7]. ونقصد بالموقع الفكري أساسا الموقع من الخطاب الفكري العربي برافديه الأساسيين: الرافد الثقافي العام ورافد الفكر السياسي، وذلك منعا للشأنين الاجتماعي والاقتصادي الصِّرْفيْن من الدخول في المعنى.

 يبدو لي أن مدخل "الموقع الفكري"  يمكن أن يكشف عن أمور عديدة مهمة تفضي في النهاية إلى الإجابة عن أسئلة "الخصوصية الثقافية".

أول هذه الأمور هو كشف المفاصل الأساسية لتاريخ خطاب (فكر) البِشري وما طرأ عليه من تحولات واعية فيما أسماه الأستاذ نفسه بعملية "الإحلال الفكري بين ما ذوى وتحلل من أصول فكرية كانت تشدني، وبين ما استقام من أصول فكرية أخرى أجري على دربها اليوم.."[8]، هذه المفاصل في فكر البشري قد تبدو -لمن تأمل- أطوارا مهمة في تطور مسألة "الخصوصية الثقافية" وموقعها ومرجعيتها وتكييفها.

ثاني هذه الأمور هو كشف مناطق التركيز ومجالاته في فكر البِشري ؛ فالبشري القانوني القاضي المؤرخ يبدي اهتمامًا أساسًا بمجال ما يسمى "الشأن العام" وفي قلبه الشأن "السياسي" وإن دخل عليه كثيرًا مما نعرفه أكاديميًّا باسم "الاجتماعي" أو "الاجتماع السياسي"، بيد أن المميز هو التناول "الفكري" –وإن شئت قل: الثقافي- لقضايا هذا المجال السياسي، خاصة منذ لحظة الهجرة الفكرية والنقلة من المدخل الاجتماعي الاقتصادي للعام والسياسي إلى المراجعة الفكرية بعد واقعة يونيو 1967م، يقول الأستاذ البشري:

"إن هذه الهزيمة التي تمثلنا معناها مع كرّ السنين قد هزت بقوة نفوسنا .. وعرفنا أن الاستقلال ليس لليد (السياسية)، ولا للفهم (الاقتصاد) فقط، ولكنه للمخ (الفكر)؛ أي استقلال العضو الذي تتخلق في أحشائه الإرادة قبل أن يكتبها الفم أو تضغط عليها اليد"[9].

ثالث ما يمكن أن تكشف عنه هذه الخريطة هو "القضايا الأركان" المتفرعة عن المجالات وأوزانها النسبية وعلاقتها بمسألة "الخصوصية الثقافية" سواء جرى تخصيصها باهتمام خاص أو جرى استيعابها في المعالجات الداخلية للخطاب. فقضية "الاستقلال الوطني" التي تَكَرَّسَ لها فكر البشري وخطابه منذ مبتدئه، تمخضت -عبر المسيرة- عن عناوين متولدة عنها، وأخرى مقابلة لها، ثم أسفرت عن أطر ثقافية وفكرية متواسعة طرحت قضايا: الانتماء والهوية، والتفاعل مع الآخر في الداخل والخارج، وإعادة تعريف "الذات" و"الذوات"، وكذلك إعادة تعريف "الآخر" و"الآخرين".

ومن مراجعة هذه الخريطة قد يمكن الزعم أن قضية "الاستقلال الوطني" التي انطلق منها البشري و(تمنى الدوام عليها)، قد تعرضت –مع الزمن- لتغيرات مهمة إما في تكييفها أو في موقعها؛ حيث تزاحمت حولها قضايا فكرية كثيرة. فالبعد الذي أضيف على قضية البشري الأم –وهو البعد الفكري الثقافي الحضاري- أوصله إلى شبكة قضايا أوسع تدور حول "المنظور الحضاري الإسلامي" والهوية الحضارية التي تراصت في فلكها قضايا الوطن والأمة والإنسانية[10].

وفي إطار هذه الخارطة، نشير إلى بعض ما يتسم به خطاب البشري في عمومه وضمن عموم المناخ الفكري المعاصر:

o   يتميز خطاب الأستاذ البشري بطابعه التنظيري التأصيلي المعنيّ بالنظريات والمناهج الحاكمة للفكر واتجاهاته، ويتسم بخاصيته التطورية الجامعة كما يبدو من ابتدائه عند الخصوصية الوطنية، ووصوله إلى الخصوصية الحضارية العربية الإسلامية كما أشرنا، ضمن عمليات "توسيع فكري" لا تكر على ما سبق بالإبطال ضرورة، فبقيت الدوائر –بتعبير البشري- متحاضنة، تحكمها "العلاقة الوظيفية" التي تتقبل المعاصر والعالمي بل الوافد من الغرب أيضًا لكن بشروط ومنهجية؛ ربما أهمها: التدقيق في المضامين، وتحرير الدلالات عن زخرف القول وفائضه، وألا يخالف هذا الوافد المستورد أو المستعار أصول "الذات" أو يبطل مفعولاتها.

o   يحاول البشري "جرد المحتويات" التي تشغل الجدل بين التيارات الداخلية، والغوص في الأصول الفكرية والتاريخية (الواقعية) لكل تيار وسبر أغوار "منطقه الذاتي" وتوظفاته في الحياة الواقعية، وبحث وجوه التمايز ووجوه التقارب؛ مائلا –في أكثر المساحات لا كلها- إلى زحزحة الجدل عن إطار "الفكريات المطلقة" و"المفاهيم الكلية" لتكون أقرب إلى "المستوى التطبيقي"؛ بغية "تفتيق الحلول الفكرية والنظرية" والوصول إلى "صيغة مشروع أو مشروع صيغة تصل بين سائر أطراف الأمة" وتضمن وحدتها "على أرض الإسلام ومسيحية الشرق" والارتكاز على وحدة الأوطان ووظيفية العروبة، وإقامة "التيار السياسي الحضاري الغالب أو الرئيس في الأمة" برفع درجات "التقبل الفكري والعقيدي العام من كل التيارات القائمة تجاه التيارات الأخرى".

o   يفضل البشري أسلوب "المفاوضات الفكرية" الذي "غايته التوفيق بين غايتين أو مصلحتين.. لاستبقاء أكثر قدر منكل منهما.. بالاستطلاع الدائم لوجهات النظر المتعارضة، ومعايشة الهموم الفكرية لكل جانب إزاء غيره.." بما يكشف عن إمكانات "أن يستوعب" كل طرف عناصر من الآخر "ويتخللها في نسيجه ويجدلها في مواده". وهو –في هذا- ينأى عن أسلوب ما أسماه "الحرب الفكرية" بما فيها من "غلق الحدود الفكرية بين الأطراف المتحاربة (المتحاورة) وإقامة "حرس الحدود الفكرية"، والتراشق بالأفكار، و"التجسس الفكري"، ومنع تسرب الأفكار، واستعمال "الدعاية والحرب النفسية" وأجهزة تشويش وشوشرة وأسلحة تدميرية وأخرى واقية وأمصال مضادة.. الخ[11].

o   ومن أهم سمات بعض خطاب البشري التي قد تصعِّب على الباحثين مهمة فصله لإدخاله المعمل وإعمال الفحص فيه؛ تجدده وتطوره بتوسيع الفكرة أو تعميقها أو مدها إلى مساحات جديدة أو إضفاء سمات مزيدة عليها مما يلاحظ في الفروق بين بعض طبعات الكتب، وفي المعالجات المتعددة للقضية الواحدة في مقامات مختلفة ربما تجمع في كتاب واحد حتى أنه قد لا يدري الباحث على أي صياغة يعتمد، أم هل عليه أن يعيد هو تركيب الفكرة توفيقا ونظما. وعلى كل فهذه طبيعة الفكر الإنساني، والثبات الساكن ليس مما يُحمد دائما.

o       وكذلك يتسم –في شبكة أفكاره- بالتركيز على أجندة (قائمة) متضافرة الموضوعات، من أهم بنودها:

-       الإسلام في مواجهة العلمانية والتغريب.

-       بين العروبة والقومية والإسلام: بيان وتقريب.

-       حيوية الأمن القومي بين القطري والقومي العربي.

-       الجماعة الوطنية نسيج بلا أقليات.

-       التيار الوطني والفكري الرئيس: الوحدة والحوار بين التيارات.

-       المناهج والنظريات الحاكمة والمفسرة: في النظم السياسية الحديثة والمعاصرة.

-       القضية الأم الراهنة: بين مواجهة العدوان والتجدد الحضاري.

وقد تعبر ثلاث قضايا كبرى متراكبة في الأجندة البشرية عن مقام "الثقافي" –ومعه مقام "الخصوصي"- داخل مجمل الخطاب وقد أشرنا إليها قبلُ؛ ألا وهي قضايا الانتماء والهوية، وإعادة تعريف "الذات" و"الذوات"، وكذلك إعادة تعريف "الآخر" و"الآخرين"، وتفاعلات "الذات" في الداخل ومع الخارج؛ وهي القضايا التي نعتقد أنها تؤلف العناصر الأساسية للقضية الأم في هذا الخطاب: قضية الاستقلال الناهض بجانبيها؛ الخارجي (الاستقلال ووسنجد منه خصوصية مانعة) والداخلي (الجماعة السياسية والحضارية وسنجد فيه خصوصية جامعة)[12].

هذه العناوين والقضايا وما تحتها تؤكد –كما سبق- أن "الخصوصية الثقافية" جوهرية في فكر المستشار البشري، وأن دلالاتها الأساسية تترواح بين السياق الداخلي حيث محاولات تعريف الذات ولم الشمل والحوار، والسياق المتصل بالخارج بما يشتمل عليه من بيان التمايزات الثقافية والحضارية وتأكيدها؛ لمقاومة التماهي في الآخر وحفظ الثوابت الذاتية، والدعوة لمواجهة سياسات الاستتباع والإلحاق وقابليات ذلك، ومقاومة العدوان، دون انغلاق أو تحجُّر.

من هنا كان توقعنا الأوليّ أن تطرح مسألة "الخصوصية الثقافية" عند البشري طرحًا تأصيليا متراكما بالأساس، وأن تُبنى عليها مواقف كبرى في فكره، وإن لم تعدم المسألة استعمالا توظيفيا يوائمها مع حركية الداخل (بين الجماعة الوطنية والجماعة الحضارية) وقضايا العلاقات مع الخارج (من الاستقلال الوطني إلى المقاومة للخروج من المحنة ومواجهة العدوان).

ومن هنا يمكن قراءة خطاب البشري وفق الأسئلة المحددة سلفًا لنتبين الإجابة عن السؤال الرئيس: كيف طرح البشري مسألة "الخصوصية الثقافية" وبررها وسكَّنها في الإطار المتعلق بفكره وبالسياق الواقعي للأمة كما يدركه، خاصة جانبه المتعلق بالعلاقات مع "الآخر" الثقافي؟

 

ثانيا- مقام "الثقافي" في خطاب المستشار البشري:

هذه نقطة كان من المفترض أن يجري فيها الباحث جريا على أساس ما قد يتبادر إلى الذهن من أن طبيعة مجمل الفكر الإسلامي المعاصر أنه يجعل "الثقافي" في بؤرة مجالات اهتمامه، بل منطلقا أساسيا لكافة أطروحاته. بيد أن المستشار البشري يقدم نموذجا خاصا في هذه الناحية بالأساس؛ حيث يتجالد ويتجادل السياسي مع الثقافي في فكره بشكل متميز يحتاج إلى قدر من التوضيح ولو اقتضى بعض البسط.

ومن الملاحظ المهم أن مفهوم "الثقافي" في كتابات الأستاذ البشري متعدد المدلولات يتراوح مدلوله بين المدلول الانثروبولوجي الشائع المتعلق بأنماط السلوك والعيش والقيم والمفاهيم الاجتماعية الجماعية التي ترسخت بفعل التاريخ، وبين الثقافي بمعنى أوسع هو عبارة عن: مجملٍ واسع مشتملٍ على الدين ومعنوياته وفكرياته وأنماط السلوك والعيش والقيم المتصلة به.

كما يمكن أن نميز عنده بين الثقافي بمعنى الفكري النظري يمقابل الواقعي العملي، بين الثقافي بمعنى المعنوي في مقابل المادي، وبين الثقافي بمعنى المتصل بالنخبة المتعلمة، وبين الثقافي بمعنى المجال المتميز عن ثلاثة أخرى؛ هي السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وعلى كلٍّ، فالمهم –في هذه الدراسة- هو مدلول مفهومي "الثقافي" و"الحضاري" عند الأستاذ من زاوية موقعه الفكري. ومن ذلك نميز بين حالة التأصيل للمفهوم وحالة استعماله.

ففي حالة الاستعمال قد لا تجد غضاضة من إدراج عموم هذه المدلولات المذكورة أو الكثير منها تحت أيٍّ من مفاهيم "الثقافي" و"الحضاري" و"الفكري" في نصوص الأستاذ البشري، أما في حالة التأصيل التي يراعي فيها البشري الانطلاق من موقعه الفكر بحسبانه مفكرا ذا مرجعية إسلامية ضد العلمانية والتغريب وهوية حضارية جامعة وميول توفيقية.

وهنا نجده مميِّزًا بين استعماله للمدلول الانثروبولوجي المذكور والسائد عند العلمانيين، واعتماده للمدلول السائد عند من يسمونهم "رواد الفكر الإسلامي المستنير" ومنهم المستشار البشري، ونصفهم بـ"الإسلاميين الحضاريين"، ومفاده الجمع –في معنى الثقافي- بين الديني (الإسلامي) الكلي والناتج عنه المتسق مع مرجعيته؛ وهو ما يعبِّرون عنه بالثقافة الإسلامية أو الحضارة الإسلامية[13]. فمثلاً يقول البشري عن مشكل التجدد الحضاري:

"فالمشكل هنا في أساسه ثقافي فكري، وهو يتعلق بالنتاج الفكري في مجالات النشاط البشري للجماعة بعامة، سواء بالنسبة للأطر المرجعية التي يصدر عنها الناس، أو التصورات الذهنية النظرية التي ترسم الخطوط العامة لعلاقات البشر بالكون وبالجماعات المتباية، أو النظم السياسية والاجتماعية التي تشخص تجمعاتهم وتنظم جوانب أنشطتهم الاجتماعية، أو أنماط العلاقات البشرية ووجوه المعاملات بين الناس، أو القيم التي يهتدون بها ويرسمونها في مناحي السلوك المختلفة ... والمفاهيم هي من صميم الوضع الثقافي والفكري"[14]. فالثقافي متسع جدا، لكن في النهاية هو مهم جدا ومختلط بالحياة اختلاطا، ولا تفصله إلا دواعي الفصل في القول والدراسة.

ومن هذه الناحية الأخيرة، فقد كشفت خارطة فكر البشري –كما سبقت الإشارة- عن تركيزٍ مضمونيٍّ حول الشأن "السياسي"، وأن "الثقافي" -المعبَّر عنه تارة بالفكري وتارة بالحضاري- يقومفي ذلك مقامين:

الأول- مقام "المنطلَق" لبناء الأفكار؛ حيث تبرز الثقافة (والحضارة) الإسلامية: أصولها وقيمها وتاريخها مَنهلاً يستقي منه خطابُ البشري ويعاير عليه.

والثاني- مقام "الأسلوب" والطريقة في المعالجة؛ الأمر الذي يتجلى في الجمع المشهود لدى البشري بين خلاصات النظريات العلمية الكبرى في الشأن السياسي والعمراني، وبين مداخل عامة ومتصلة من التاريخ والأصول التشريعية ومداخل المقاصد والسُّنن والقيم، جمعًا يتصل بإبداع من المفكر نفسه.. بالإضافة إلى التركيز على عالم القيم الحاكمة للفكر والنظم والحركة في الشأن محل الاهتمام. هذا ما نسميه بـ"المدخل الثقافي" عند البشري وفي خطابه.

وما يهمنا من هذين المقامين أكثر هو "الثقافي" باعتباره "منطلقًا" لبناء الأفكار واتخاذ المواقف"، و"الثقافي" "مجالا" يتصل بـ"السياسي" ويتميز عنه، وأثر هذين المعنيين على تكييف مسألة "العام والخاص" بين ما يراهما البشري على أنهما "الذات" و"الآخر". والمجال السياسي لا يزاحم "الثقافي" عند المستشار البشري في مجالات الاهتمام فقط، بل في مدخل معالجته للقضاياأيضا، وهذا مهم؛ إذ كلما غلبت الطبيعة السياسية للموضوع الذي يتناوله كلما مال للابتعاد عن الجذرية الفكرية أو كما سماها "الكليات والمطلقات"؛ ومن ثم يتراجع "الثقافي منطلقا" لتحل مفاهيم السياسة والمصلحية بالمعنى الواسع لمفاهيم السياسة والمصلحة والصلاح عند الإسلاميين الحضاريين.

وفي هذا تلاحظ أيضا ثلاثة مستويات عامة  يتحرك بينها اهتمام البشري وخطابه وتتصل بالمقام الثقافي منطلقا ومجالا: مستوى الفكر والقيم، ومستوى النظم أو المؤسسات، ومستوى الحركة والأداء. في هذه المستويات يبدو الوزن النسبي لـ"الثقافي" أثقل في المستوى الأول، بينما تحل المعالجة السياسية تدريجًا وتتسع مساحتها بالانتقال إلى عالمي المؤسسات والحركة[15] وفنونهما ومناهج إدارتهما. هذا مع التأكيد على ضرورة الوعي بأنواع من التداخل والتعاطي بين تلك المستويات عبر خطاب البشري كما تفرض طبيعة الأمور.

هذا، وقد غلب الجانب الحركي ذو الطابع السياسي على مساحات واسعة من خطاب المستشار البشري، بما قد يعمم عليه البعض ممن لا يتتبع التطور والاتساع في هذا الخطاب، وممن لا يميز بين مقام "الفكري" ومناهج تناوله، ومقام "الحركي والمؤسسي" وطرائق معالجته.

ففي الجانب الحركي التنظيمي مثلا نجد أن المجتمع الداخلي -عند البشري- "يتكون من وحدات انتماء لا حصر لها، وهي تتنوع من حيث معيار التصنيف، فيكون أساسها الدين أو المذهب أو الطريقة الصوفية أو الملة أو المشرب الثقافي أو الطائفة، أو يكون أساسها اللغة أو اللهجة... وغير ذلك مما لا يقع تحت حصر من حيث العدد أو من حيث النوع أو من حيث معيار التصنيف. وبسبب تنوع معيار التصنيف فهي تعتبر وحدات انتماء جامعة، ولكنها ليس بالضرورة مانعة ... وبسبب تعدد هذه الوحدات وتنوع معايير التصنيف لها فهي لا تقف على قدم المساواة في علاقاتها بعضها ببعض ... فيتعين الإقرار بأن هناك فروقا مهمة في مستويات الشعور بالانتماء بالنسبة لكل منها جنسا كانت أو فروعا، وهي ليست على ذات المستوى من قوة الشعور بها لدى المندرجين فيها"[16].

ففي هذا السياق قد يبدو أن "الثقافي" (أو المشرب الثقافي) إنما هو واحد -غير متميز ابتداء- من ضمن معايير متنوعة لتصنيف الانتماءات العديدة داخل الجماعة السياسية (الدولة القطرية هاهنا)، الأمر الذي يمتد إلى تناول وحدة الانتماء العامة التي تمنح "الذات السياسية" دلالاتها والتي تُعَدّ –بتعبير البشري- "الحلقة الكبرى والأساسية التي يتشكل المجتمع وفقا لما تفيده والتي تعتبر الحلقة الحاكمة لغيرها أو الوحدة الحاكمة لغيرها، وما بعدها يمكن الإشارة إليه بحسبانه وحدات الانتماء الفرعية": دينية هي أم قومية أم شيء آخر!

مال المستشار البشري إلى معالجة هذا المقام معالجة "بعد فكرية" قصدًا، وانشغل بتتبع "الجامعة السياسية" من جانبها "الحركي المعيشي" لا من حيث "الصياغات الفكرية" على أساس أن صياغات المفكرين تبدو معزولة مثالية[17]، وعلى أساس اقتناعه أنه "حيث يكون الحوار حول وجه من الوجوه التطبيقية، ينفسح مجال اللقاء، وحيث يجري التصدي المباشر للموضوع المجرد، يحدث التقلص والامتناع"[18]. ومن هنا بدا كأن الجانب الفكري التقويمي –في هذا السياق- يصطبغ عنده بنزعة اختبارية تأريخية سياسية وبمعيار توظيفي في إطار ما يسميه "المصالح العامة المشتركة" والظرف التاريخي الموظِّف[19]، فيما قد يُعَمَّم على أنه معالجة غير قيمية أو مبدئة أو معيارية، ولكن الحقيقة قد تكون أوسع من هذا التضييق المعمم إذا لاحظنا تطور خطاب البشري متسقا مع تطور معايير نظره للمسألة، واتساعه الجامع للعديد من المقامات والأحوال، فيما تتجلى فيه مكانة "الثقافي".

فمثلا قد يبدأ الخطاب –بوظيفيته وتاريخيته كما في كتابه المبكر: المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية- معتبرا أن "جامع الإسلام" صار منذ عهد محمد علي وبناء "مصر الحديثة" يطرح "المعضلة الأساسية للفكر السياسي المصري" –والإقليمي العربي المسلم بالتبعية-، وأن ضرورات حل "المعضلة" -خاصة في إطار تطورات التراجع العثماني والتداعي الأوروبي الاستعماري على مصر والمنطقة وثوران قضايا العلاقة مع الأقباط من جهة، ومع الأجانب (مقيمين لهم امتيازات أو مبشرين متدفقين أو محتلين متحكمين) من جهة أخرى- فَرَضَت الجمع والمزج بين أبناء الوطن الواحد دون تمييز أو "تخصيص" بسبب من العقيدة أو الدين أو المذهب... وفرضت استدعاء "الثقافي" (وهو هنا بمعنى العادات والتقاليد ونمط المعيشة والخصائص النفسية والأخلاقية والسلوكية لكن في ظل قيم الحضارة العربية الإسلامية ونظمها المتأثرة بالدين وقيمه): التراثي منه والمعاصر، إلى جانب الشواهد الفقهية وسير الوقائع التاريخية؛ ليثبت الأستاذ البشري كيف تبلور المفهوم القومي للجماعة السياسية المصرية (ويعتبرها نموذجا قائدا للحالة العامة في نظم العالم العربي والإسلامي)؛ وليساهم في رفع شبهات التعارض بين الدين –وهو لُبٌّ للثقافي- وبين الانتماء القومي (السياسي!)[20].

ومن ثم فقد اقتضت المعالجات التطبيقية الأولى المشتملة على حوار حيٍّ أو تهيئة للحوار أن ظهر "الثقافي" كأنه جزء خادم غير نهائي ولا حاسم ولا متفرد من ضمن عناصر عديدة في مسألة الهوية والانتماء على الصعيد الداخلي، بل قد تبدو خِفَّةٌ في مقام "الثقافي" إزاء "السياسي" الذي يدور حوله الصالحُ العام الداخلي، في إجراء الأمور إلى مستقر التضامن ومعراج النهوض، والتحرر من ربقة الاحتلال "الأجنبي". بل قد يوظف الخطابُ البعدَ "الثقافي" لصالح السياسي الملحّ أحيانا[21].

مثل هذا الأمر قد يبدو مستمرا حين يوسِّع خطاب البشري دائرة الداخليّ نسبيا لتغطي مساحة "القومي العروبي" وفكرتها التي اطَّرد نموها عند البشري مع "مقتضيات الأمن القومي المصري"؛ حيث يستعين بالتاريخ والجغرافيا والواقع الدولي والإقليمي على إثبات توحد الأخيرة مع مقتضيات الأمن القومي العربي[22]، وكذلك في تبرير بزوغ "الإسلام" باعتباره "انتماءً أشمل" بعد أن كان قد ذبل بتداعي قوة الخلافة حتى ألغيت عام 1924. فقد رأى البشري مثلاُ –في هذا المقام السياسي- أن التيار الذي كان يستمسك بالخلافة حتى مطلع القرن العشرين (الحزب الوطني مثلا) لم يكن يفعل ذلك "إيمانا بالولاء السياسي لدولة الخلافة بقدر ما هو محاولة للاستفادة من هذه العلاقة الشكلية للضغط إجلاء للاحتلال"[23].

هكذا يمكن أن تستخلص القراءة الجزئية والمقطعة تراجع مقام "الثقافي" أمام "السياسي التوظيفي" في تأصيل الأستاذ البشري للمسألة السياسية والاجتماعية العامة داخليا؛ أي في بناء الذات وتصورها، بما لا تتضح فيه "خصوصية"، بل مشتركات ووصلات مجمعة غير مانعة. هذا ما قد يبدو في مساحات غير ضئيلة من الخطاب، إلا أن فهمه في إطار التفرقة بين الحركي الحواري وبين الفكري التنظيري من خطاب البشري يمكن أن يسمح بقراءة جامعة واسعة.

فانتقال الخطاب زمنيًّا ومجاليًّا يصنع فرقا نوعيا مهمًّا؛ وذلك حين يتحول الخطاب إلى عالم الفكر؛ لتتحول معه القضية الأم من "الاستقلال الوطني" ومشتقاته، إلى قضية "تحرير المرجعية وكشف الصراع المرجعي الإسلامي-العلماني في الساحة الوطنية والعروبية والإسلامية المعاصرة"، كما تجلت في تطوير البشري لسلسلته التي عنونها: "في المسألة الإسلامية المعاصرة"، وكذلك حين تحول إلى تسليط الضوء على خصائص العلاقات مع الآخر خارج الدائرة الإسلامية ليس فقط من باب الاستعمار العسكري السياسي، بل من باب الغزو والكسح الفكري والحضاري. هنا ارتفعت الدرجة التي يقف عليها "الثقافي" ضمن خطاب البشري، وبرزت فكرة "الخصوصية الثقافية" في المركز والقلب من تناول قضية الهوية والانتماء وما يرتبط بها من تعريف الذات والآخر وتحديد سمات العلاقات بينهما.

يعيد البشري النظر في توصيف نقطة البداية الثابتة عنده والتي يتابع منها الذات وتطوراتها: (بوادر الغزو الاستعماري الغربي ثم تغلغله في لحظة وهن)، ويواصل رؤيته لذلك على أنه مثَّل التحدي الأول الذي قُدِّر على الفكر والحركة أن يواجهاه في القرنين الأخيرين، يعيد النظر لكن بتعميق وتوسيع مهمين تمثلهما "الرؤية الحضارية-الثقافية" الحاكمة والمتحكمة، فيقول: "يبدو لي أن أهم ما يواجه العالم العربي الإسلامي، يرد من المواجهة التاريخية بين أصول الحضارة العربية الإسلامية التي سادت حتى بدايات القرن التاسع عشر دون منازع، وبين الحضارة الغربية التي وفدت مع تغلغل النفوذ الغربي السياسي والاقتصادي والعسكري منذ بداية ذلك القرن. والتاريخ العربي الإسلامي خلال القرنين الأخيرين يرتبط بهذه المواجهة في كل جوانبه"[24].

لقد راحت القضايا الفكرية والأيديولوجية تجلي مقام "الثقافي" عند البشري أكثر من قضايا التطبيق، بل منها شرعت إعادة النظر والمعالجة لقضايا التطبيق (مثل رباعية الديمقراطية والقومية والاشتراكية والإصلاح الديني) فصارت تُرى من المنظور الحضاري –كما ينهجه البشري- باعتباها قضايا ذات أصول فكرية وقيمية بالأساس تتعلق بالمرجعية، بل قبل ذلك تتصل بالهوية وتعريف الذات الجمعية الـ"نحن"، وذلك أمام مفاهيم من مثل: التراث والقيم والعقيدة والشريعة والكيان الحضاري والتجدد الحضاري والهوية والانتماء والذات...وما شابه، يقول البشري:

"إن السؤال الكبير الذي ينطرح الآن، يتعلق بما نأخذ وما ندع، من الموروث والوافد. لقد انطرح هذا السؤال طوال الأعوام المائة الأخيرة. ولكن يمكننا الزعم بأن "التخيير" الذي يعرضه هذا السؤال قد اختلفت موازينه الآن، عما كانت منذ مائة عام. كنا في الماضي نقف على أرض الموروث، ونتحاور فيما يصلح لها من حضارة الغرب وأدواته، لندخله عندنا. ثم صرنا –أو صارت كثرتنا- نقف على أرض الوافد أو أرض خليط ونتحدث عن "التراث" بضمير الغائب ونتحاور فيما نستحضره منه. ونحن نتساءل الآن عما نستدعي من "التراث"، بعد أن كان آباؤنا يتساءلون عما يأخذون من "الوافد" "[25].

ومن جوهرية واتساع مفهوم مثل "التراث" المشار إليه يمكن أن نستدل على علو مقام "الثقافي" –والذي لا نميزه كثيرا عن "الحضاري" كما قلنا. فالتراث –عند الأستاذ البشري- "هو ما آل إلى مجتمع راهن عن الأجيال الغابرة له، من قيم ونظم وأفكار، ومن عادات وأخلاق وآداب.. فالتراث في واقعنا الحاضر، هو مجملٌ من الأفكار والقيم والنظم تتميز بأصول وكليات انحسرت عما هو قائم ومعيش الآن، أو زوحمت ونزعت من أصول وكليات وفدت"."[26].

ويزداد الأمر وضوحا في الحديث عن المنابع الدينية والعقدية للمسألة العربية والإسلامية المعاصرة، المنابع التي تمثل البداية والمسلمة والمشرع الأول وتستدعي الانتماء وبناء الكيان الحضاري بأصوله وقيمه، وتحدد الهوية والميزان ومعيار الحكم والاختيار، يقول الأستاذ البشري: "في البدء كان الإسلام عقيدة، ورباطا سياسيا، وثقافة شاملة مستوعبة محيطة لمناحي التعبير والنشاط الذهني وللنظم والسلوك الفردي والجماعي. هذه بداية لتاريخنا الحديث صحيحة من حيث الواقع التاريخي. وهي ينبغي أن تكون المسلمة الأولى والمشرع الأول. ثمة عقيدة تقتضي الانتماء، وثمة كيان حضاري انبنى عبر السنين، وضم في رحابته العديد من المدارس والنظم والقيم، ولا يزال بأصوله وكلياته منفتحا لجديد يصدر عنه. وهو بحسبانه كيانا حضاريا لجماعة ممتدة عبر التاريخ، يشكل هوية وشعورا بالانتماء والتجانس لهذه الجماعة، ومميزا لها عن غيرها. ومن ثم فهو الميزان وليس الموزون، فيما تأخذ الجماعة وما تدع، وهو معيار الحكم والاختيار وليس المحكوم ولا المختار"[27].

إنه حين ينتقل إلى مقام التأصيل والنزال الفكري يفصل بوضوح بين قومية ووطنية علمانيتين وبين مقابلين إسلاميين حضاريين. يقول في (بين الإسلام والعروبة) بعد بيان وجوه الالتقاء الممكنة: "والقومية قريبة من الإسلام ما ابتعدت عن اللمانية، بعيدة عنه ما اقتربت منها، فلا تجتمع علمانية وإسلام، إلا بطريق التلفيق وصرف أي منهما على غير حقيقة معناه. وإن الدعوة الإسلامية تقوم أول ما تقوم على مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية واعتبارها الإطار المرجعي ومصدر الشرعية والحاكمية في المجتمع، وهذا وجه التنافي للعلمانية معها. وإذا كانت العلمانية هي مجال التنافي الأساسي، فلا أرى وجها لاعتبارها لصيقة بالحركة القومية أو بحركة الوحدة التي تقوم على أساس العروبة"[28].

هكذا ينتهي "الثقافي" عند البشري ليصير أساسا وأُسًّا، تنبثق منه رؤية الواقع وصفا وتفسيرا وكذلك معايير التقويم واتجاهات التجدد والتجديد، لكن دون إهمال لسائر الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية.كما يبدو أن "السياسي" ومستلزمات معالجته هو القرين والمنافس الأساس لذلك "الثقافي". ومن ثم تتأكد ثانية احتمالات أن تلقى الخصوصية عند البشري تأصيلا فكريا لا مجرد تشغيل أو توظيف، فكيف طرح البشري هذه الفكرة وهذا المفهوم: "الخصوصية" داخل البعد الثقافي.

ثالثا- الخصوصية الثقافية عند المستشار البشري: مفهوما وخصائص ووظائف

وهذه النقطة هي بيت القصيد، ومحل جواب السؤال الأساس، ولذا قد نمضي معها بعض الشيء تفصيلا. ماذا تعني الخصوصية الثقافية عند المستشار البشري؟ وما أهم خصائصها التي تتميز بها؟ وما أهم وظائفها الفكرية وتجلياتها العملية؟

فقد تأكد لنا أن الخصوصية جوهرية عند الأستاذ: "في عصر الاستعمار الذي نعيش فيه –[هكذا يقول مرارا]-، والذي نخوض فيه معارك التحرير الوطني، إنقاذا لأنفسنا ومجتمعاتنا من أن تستعبد اجتماعيا، وأن تفنى معنيا من حيث المقومات الحضارية والعقدية. فليس من رابطة عضوية تصل بين طبقتين عاملتين في بلدين، أحدهما مستعمَر والآخر مستعمِر، وليس من سياسة واحدة تظل شعبين أحدهما يعاني من الاستعمار والآخر يتمتع به. مهما تقاربت الشعوب في كفاحها ، فليس من جامع يدمج بينها بغير تمييز، وإن الأبنية التاريخية والحضارية والعقائد، كل ذلك يبقى مميزا للجماعة وجامعها السياسي، ولا ينطمس إلا لحساب جامع آخر"[29].

فأما عن مفهوم "الخصوصية" فيعبَّر عنه -في نصوص الأستاذ البشري- بتعبيراتٍ عدَّة: منها ما ينسب إلى البعد الثقافي الفكري، ومنها ما ينسب إلى الظروف التاريخية والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومنها ما يعبَّر به عن المدلولين مجتمعين أو محتمَلين مثل: "الذاتية"، و"عامل التمييز"، و"الخصوصيات والسمات المميزة"، و"الفروق.."، ومثل الضمائر التي لم يزل أكثر الباحثين الأكايميين يلفظونها ولا يتلفظون بها في دراساتهم، مثل: "نا" الفاعلين، و"نحن"، و"هُمْ". والكثير من العبارات المحورية المعبرة أيما تعبير من قبيل مقولته: "وهذه الديار ديارنا، نملكها وتملكنا، وليس لنا من شاغل سواها"[30].

وقد تغري الكلمات العديدة المؤشرة على معنى للخصوصية بإعمال تحليل مضمون أو تحليل نصوص، غير أن القراءة السياقية التي اتبعناها تبدو –بالإضافة إلى مثالب التحليل الكمي- أقرب إلى طبيعة فكر المستشار البشري من جهتين: أولاهما- مباشرة الخطاب ومزاجه العملي وكذلك الغاية العملية المرصودة لهذه الدراسة، مما لا يبرر الغوص وراء كامن أو غير مباشر من الأفكار والمعاني، وثانيتهما- كثرة المفاهيم والعبارات المفتاحية التي يصكها المستشار البشري في كتاباته، والتي قد لا تستوعب جيدا إلا في سياق الخطاب مفصلا.

وسياقات هذه التعبيرات تكشف عما سبق ذكره من اجتماع الاهتمام عند الأستاذ البشري بين "النظري الفكري" من جهة والعملي الواقعي من جهة أخرى. وهذا ينطلق من الطابع الجامع عند المستشار البشري بين الفكر والواقع[31]، وإن حملت بحوث معينة له ميلا أكثر إلى أحدهما: معالجة فكرية أو إلى مداواة واقعية. كما يجمع هذين المقامين أيضا مزجُ المستشار البشري بين قضية الداخل الكبرى وقضية العلاقة بالخارج الأساسية، وهما عنده متضافرتان بل قضية واحدة ذات وجهين: بناء الذات ومقاومة عدوان الآخر أو نفوذه وبالأخص النفوذ الحضاري والثفافي، فيما تجمله عباراتاه الأصيلتان: "الاستقلال الحضاري" و"التجدد الحضاري".

ومن ثم يتراءى من فكر المستشار البشري وجهان للخصوصية أو خصوصيتان: إحداهما جامعة والأخرى مانعة، على الأولى تبنى "الجماعة"، وعلى الأخرى تؤصل "الممانعة". من الأولى تتألف الذات لذاتها وحياتها وفاعليتها، ومن الأخرى تتميز عن الآخر وتؤسس أصول التفاعل معه، من الأولى يبدأ الانتماء وعند الأخرى ينتهي، ومنهما معا تتشكل "الهوية"، وكلتاهما تحكمهما الحاكمية والشرعية والمرجعية الحضارية العربية الإسلامية[32].

فالخصوصية الثقافية عند المستشار البشري هي مكون أساس في الذات الحضارية الإسلامية، تفرز –من جهة- ملاطا داخليا كفيلا بلم شمل الملل والنحل والأعراق والأقوام والمذاهب والتيارات وسائر دوائر الانتماء الفرعية، وتفرز –من جهة أخرى- حدودا (لا قيودا) تمنع الذوبان في الآخر أو التبعية له. وهذه الخصوصية تجد حقل إنباتها وإثباتها الأساس في أرض الإسلام عقيدة وشرعة، وحضارة وأمة، وتاريخا وجغرافيا، وثقافة وعيشا مشتركا، وتحديات واحدة ربما كان أهمها هو التعرض الجماعي والمتشابه لخطر غزو الغرب المغاير –في ثقافته ورؤيته لطبائع الأمور- لروح الشرق وريحه[33].

ولبيان مفهوم "الخصوصية" وإثباتها ينطلق البشري نحو القضايا الكبرى من قبيل "من نحن؟" و"من الآخر؟" وماذا نأخذ منه وماذا ندع؟". وقد تبدى ذلك في مناقشته لقضية التراث والمعاصرة التي سكنها في إطار "الوافد والموروث". يقول البشري:

"إن السؤال "ماذا نأخذ من التراث؟"، يستوجب التساؤل عمَّن نحن وما التراث. و"التخيير" يفيد انفصالا وتحررا. و"التراث" إرث، أيا كانت درجة لحوقه بالوارث وقربه منه، فهو يفيد معنى التلقي والطروء. ونحن عندما نتحدث عما نأخذ وما ندع من الموروث والوافد، نكون قد سوينا بينهما كما لو كنا بعيدين وخارجين عنهما معا، نكون قد وضعناهما معا، كالسلع في واجهات المحال. ونكون قد غفلنا عن علاقة الصراع والحوار القائمة بينهما، وعن أننا متضمَّنون في واحد من أطراف هذه العلاقة. فيتأكد السؤال: عمَّن نكون نحن إذًا، وما المعيار الذي نصطنعه ونحتكم إليه فيما نختار. وإذا كانت المنفعة هي المعيار، فهي في النهاية مردودة إلى الذات ولا تصلح بديلا عنها؛ لأن معرفة ما ينفع تقتضي إدراك خصائص هذه الذات التي تنتفع أو تضار".

وبالتالي لا تقوم الخصوصية فقط صفة للذات تميزها عن "الآخر"، بل هي من صميم تعريف الذات وهويتها، ولا يمكن تعريف الذات –في هذا الخطاب- إلا على أنها نتاج "تراث" ثقافي تاريخي، يتصل في ثقافيته وإن انقطع واقعيا في لحظة تاريخية ما، يقول الأستاذ البشري: "وبالنسبة لي، فإن هذا المجمل الذي نسميه "تراثا"، لا أراه أمرا خارجا عن ذاتنا وليس أمرنا معه في كلياته وأصوله ومجمله أمر اختيار، مع مراعاة حقنا في الاجتهاد في فروعه واختيار البدائل من داخله وبمادته، وإدخال ما يتلاءم ولا يتنافر مع أصوله مما هو نافع بمراعاة ظروف الزمان والمكان. وإن أمرنا مع كلياته وأصوله أمر هوية وانتماء لا تَرِدُ عليه وقفة المختار. ففي الاختيار وجه تحرر، وفي اللتحرر وجه تنافر مع الانتماء. وعلى سبيل المثال: إننا مصريون. ومصريتنا مفروضة علينا على وجه اللزوم، ومن هنا تردُ قوتها كمورد للخضوع والامتثال، وكمشرع للنظر ومعيار للاحتكام. نحن لا نختار بينها وبين غيرها حسبما ينفعنا وإلا فمن نكون؟!... مع التسليم بأنها الهوية والذات، وأنها هي معيار الاختيار، وأنها المسلمة الأولى، وإلا ما استطاع جندي أن يفتديها بروحه. وإن النظر إليها كشيء يدور في مجال الاختيار، لهو أول الضربات وأقواها في مفهوم الانتماء لها. فالاختيار ليس عليه المدار في موضوع الهوية، بل إنه ليفيد تحررا منها وانحلالا لها؛ لأنها تتحول من معيار للاختيار إلى موضوع له، من حاكم للاختيار إلى محكوم به"[34].

وتتألف "الخصوصية الثقافية" عند المستشار البشري من شبكة من المكونات التي تضيق وتتسع بقدر ما يضيق تعريف دائرة الانتماء ويتسع. وكما أسلفنا تتعدد دوائر الانتماء بقدر تعدد معايير التصنيف ونوعيتها ونطاقاتها، لكن كافة هذه العناصر تقع بين "الثابت" و"المتغير"، كما أنها في النهاية لابد أن تشملها دائرة قصوى وعليا هي التي تتكامل وتنتهي عندها كافة الدوائر، وتتمتع بشعور انتماء من الأفراد والجماعات بلا معارض من جنسها، وإلا تحول الانتماء إلى انتفاء. وهذه الدائرة -وهي الدائرة الحضارية العربية الإسلامية التي تضم فئات وطوائف ومللا وأعراقا وأجناسا وأغلبيات وأقليات- تمثل الركن "الثابت" في تكوين الخصوصية؛ وهي تعتمد –في إثباتها- على قدر من المصادرات العقدية والمسلمات الإيمانية التي يفصح عنها المستشار البشري في غير ما مقام، وعلى قدر من الافتراضات التي يبرهن على مصداقيتها. ذلك أنها تتعلق بالديني الإسلامي –ومن ثم بالإلهي- فلا يعتريها التغيير ولا التبديل.

فالإسلام لدى البشري هو أصل الشرعية ومعيار الاحتكام، وهو الإطار المرجوع إليه في النظم الاجتماعية والسياسية وأنماط السلوك ... ذاك هو الجوهر الدفين في فكر البشري"[35]. ويرى البشري أن "المميز الأساسي لنظام الحياة في الإسلام -[ومن ثم لدوره في تشكيل الخصوصية الحضارية والثقافية]- يقوم في أن الإسلام عقيدة إيمانية تبدأ بالإيمان بالغيب من حيث الوجود الإلهي الخالق المهيمن، وأنه تعالى هو الأول والآخر، وأنه سبحانه رب السماوات والأرض، فلا انفصال بين السماء والأرض في ملكوت الله. كما تبدأ من حيث إن حياة الإنسان ممتدة، تشمل دنياه وأخراه، وتصل بهذا إلى حتميو الترابط بين السماء والأرض في خلق الله، وبين الدنيا والآخرة في حياة البشر. وهذا ما يعتبر المسلمة الأولى للإسلام عقيدة ونظاما؛ أي هو عقدة البدء... إن كل عقيدة تبدأ بمسلمات، وترسخ في عقول المؤمنين بها مجموعة من الأصول، بقطع النظر عن وجوه قيام هذه المسلمات، سواء قامت بالإقناع والتفكر، أو قامت بالتلقين والتعليم، أو بالتربية والاعتياد"[36]. هذا هو "الثابت" في بناء الذات وخصوصيتها عن الآخر: العلماني، الوضعي، وبالأخص الغربي والمتغرب.

أما المتغير فهو الشكل والقالب والنماذج والتصورات المتفرعة عن الأصول والمسلمات الأولى، وهي تختلف باختلاف الزمان و المكان، "لكنها كلها تظل تجمعها أصول العقيدة الإسلامية ويجمع فئاتها وشعوبها الاتزام بهذه العقيدة [يقصد المسلمين حصرا بلا شك]. ومن هذه الأصول أن يظل النظر الإيماني الإسلامي وتصوراته العقدية ومصادر شريعة الإسلام وأحكامه، يظل كل ذلك الإطار العام للنظام الاجتماعي وأسس بنائه ووجوه النشاط فيه وأنماط علاقاته تعاملا وسلوكا، يظل يشكل المرجعية الأساسية والمصدر الأساسي للشرعية العليا المهيمنة في المجتمع جماعات ومؤسسات وأفرادا"[37].

وعليه فإن الخصوصية الثقافية لدى البشري تمتد من الجذور حيث "الثوابت" التي هي العقيدة والمرجعية والهوية وأصول الشرعة وقيمها ومقاصدها العليا، لتصل إلى متغيرات غير مقطوعة عن الأصول، وهذه يبررها البشري بالمبرر التاريخي (الزماني المكاني) الجمعي والذي يسمى أحيانا بالمركب "الثقافي الحضاري"، و كل ذلك يسهم في بناء الجماعة السياسية الكيان الحضارى الأشمل وتلوين شخصيتهما بلون الأصول.

كما أن من المكونات المهمة للخصوصبة الثقافية عن البشري ما تعبر نه مفاهيم مثل: الزمان والمكان، التاريخ والجغرافيا، الظروف والأوضاع الخاصة، الأمة والوطن والدار، الثقافة والحضارة، .. ومنها مفهوم "العصر والمعاصرة" –على سبيل المثال- الذي كرس المستشار البشري له دراسة ضافية اعتبر فيها أن "القيمة العليا التي صارت حاكمة في الثقافة السائدة الآن هي قيمة "العصرية" أو "المعاصرة" .. قد صارت أصلا مرجوعا إليه، ومسلمة مبدوءا بها في الغالب من قضايا المجتمع"،  ويتتبع المفهوم حتى يجد أنه صار مضادا للخصوصية ونافيا لها: "فصار العصر يمثل وحدة جامعة تضم العصريين جميعا في العالم أجمع، وصار العصري في استخدامنا الفكري يشير إلى من يندرج في وحدة الانتماء هذه، بحسباها تشكل وحدة انتماء حضاري وأممي"، ليصل إلى التساؤل الاستنكاري" وكيف أمكننا أن نقيم معيير للتقويم التاريخي والحضاري، ينحول بها العصر من عنصر زماني إلى قيمة ثقافية حضارية، يتبلور عليها مفهوم "الأمة" والجماعة، ويصير غير المتمتع بخصائص العصر منكورا عليه جدارة الانتماء إلى أمته؟!!"[38].

هذا من حيث مفهوم الخصوصية الثقافية ومكوناتها في خطاب المستشار البشري، ولكن الخطاب يتسع لتقديم عدد من الخصائص والمحددات التي تتصل بهذا المفهوم نمر عليها إجمالا لوضوحها في المكونات والوظائف. فمكونات المفهوم المرصودة أعلاه تشير إلى سمة مهمة للخصوصية تتمثل في الجمع بين الثابت والمتغير؛ ومن ثم القابلية للتفاعل مع العوامل التاريخية من جهة ومع الخصوصيات أو الثقافات الأخرى من جهة أخرى، ومن ثم فهي منفتحة لكن غير مستباحة. كما أنها خصوصية ثقافية يقع "الدين" وبالتحديد الإسلام في قلبها، وبالتالي فهي تميل إلى معنى "الثقافي" المشار إلى غلبته في كتابات الإسلاميين الحضاريين والذي يجعل الدين محور الثقافة والحضارة وإطارهما.

كما أن هذه الخصوصية تتسم بالوجدانية والفكرية والسلوكية معا، وتجد لها مردودا سياسيا في بناء الكيان الجامع المعبر عنها، وفي هذا نكرر عبارة كاشفة ذكرناها من قبل يقول المستشار البشري فيها مواجها العلمانيين من دعاة "وحدة العصر" باسم المعاصرة: "في البدء كان الإسلام عقيدة، ورباطا سياسيا، وثقافة شاملة مستوعبة محيطة لمناحي التعبير والنشاط الذهني وللنظم والسلوك الفردي والجماعي. هذه بداية لتاريخنا الحديث صحيحة من حيث الواقع التاريخي. وهي ينبغي أن تكون المسلمة الأولى والمشرع الأول. ثمة عقيدة تقتضي الانتماء، وثمة كيان حضاري انبنى عبر السنين، وضم في رحابته العديد من المدارس والنظم والقيم، ولا يزال بأصوله وكلياته منفتحا لجديد يصدر عنه. وهو بحسبانه كيانا حضاريا لجماعة ممتدة عبر التاريخ، يشكل هوية وشعورا بالانتماء والتجانس لهذه الجماعة، ومميزا لها عن غيرها. ومن ثم فهو الميزان وليس الموزون، فيما تأخذ الجماعة وما تدع، وهو معيار الحكم والاختيار وليس المحكوم ولا المختار"[39]. كما تتميز فكرة "الخصوصية الثقافية" بأنها داخلية وخارجية في آن، وهذا من مؤشرات جامعيتها أو شموليتها، ولذلك نتائج مهمة، وقد سبق بيان طرف من  ذلك، ويتضح الأمر أكثر في وظائفها وأدوارها.

فلهذه الخصوصية –عند المستشار البشري- وظائف وأدوار مهمة يستكمل بها سائر رسالته في مواجهة صدوع الداخل وتهجمات الخارج. أولى هذه الوظائف هي تمثّل الذات والوعي بها، وهي مهمة أولية لا يمكن أن يتحرك الفكر أو الفعل والتفاعل دون استيفائها، فمثلاً "عندما نتحدث عن العصري والمعاصر فإنما يتعين علينا أولا أن نحدد من نحن، وأننا لا نستطيع أن نحدد "عصرنا" غير منسوب لما ندرك أنه هويتنا، فالعصر مضاف وضمير المخاطبين [لعله المتكلمين] مضاف إليه. وكذلك عندما نقول "ماضينا" إنما نشير إلى زمان منسوب إلى قوم معينين، وهو يكتسب معناه من هذه النسبة. وعلى العكس من ذلك، من يريد أن يجعل إدراك الهوية تاليا لإدراك العصر"[40]، ومن اعتماد الخصوصية جوهرا أصيلا في الذات تتعين حقائق المفاهيم الحضارية الكبرى، وما يتفرع عنها من مفاهيم فرعية، وتتقرر القيم وتُحفظ، ويأخذ الشعور بالانتماء منطلقه ومنطقه، وتتبين المداخل إلى أغلب موضوعات الجدل الفكري العام التي ينشغل بها الخطاب العربي ومنه خطاب المستشار البشري.

فكما أن مفهوم "العصر" والزمان" و"الماضي" لا يمكن تحديدها إلا منسوبة إلى الذات ومخصوصة بأصولها الثابتة وظروفها الاجتماعية والتاريخية والثقافية، فإن مفهوما محوريا آخر كـ"الدين" لا يزيده التعميم المطلق ونزعه من سياقاته الحضارية إلا اضطرابا والتباسا، فقد صار "المفهوم الأوروبي الغربي عن "الدين" هو المفهوم النموذج لأي دين في أي مكان. وإن هذا الجانب من الخبرة التاريخية الأوروبية، مستقى من التجربة البابوية في الكنيسة الكاثوليكية، ومن دورها في العصور الوسطى بأوروبا. والأمر هنا يتعلق بصلة الدين بالدنيا، وصلة الكنيسة بالدولة، وبمفهوم الكنيسة في العقيدو المسيحية. والمسيحية هنا غير الإسلام، والكنيسة الكاثوليكية الغربية، ليست مثل كنائس الشرق من حيث الدور التاريخي. وليس للدور العقدي للكنيسة دور مؤسسي مثيل لما في الإسلام. والمدى الواسع لمفارقة المسيحية لشئون الحكم، مخالف لموقف الإسلام الإيجابي من هذه الشئون، وليس في الإسلام مؤسسة مجسدة للعقيدة،كما هو شأن الكنيسة في المسيحية. وليس في المسيحية أسس ومبادئ تصلح بذاتها للتطبيق في شئون الحكم والمعاملات، كما هو الشأن في الإسلام. ومن جهة أخرى، فإن التاريخي والاجتماعي قد اختلف، سواء في الحاضر، أو في الماضي المردود إليه. وبرغم ذلك، تقدمتجربة الغرب التاريخية في هذا الصدد بحسبانها نموذجا، ومعيارا عاما للتقويم يقاس به دور الدين في المجتمعات الأخرى. فهو يعمم مثالب تجربته على الجميع، ويعمم أسلوب تخلصه من هذه المثالب على الجميع أيضا، سواء في ذلك الإسلام أو الكنائس الشرقية أو نظم العبادات الأخرى، آسيوية وإفريقية"[41].

كذلك تتقرر القيم الحاكمة لتأسيس المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال مرجعية فارقة مفارقة؛ هي المرجعية الحضارية الإسلامية، وهذا سبق التنويه به، لكن أيضا قيم ما بعد التأسيس من قبيل قيم التدبير والتسيير والتغيير –كما يسميها أستاذنا الدكتور سيف الدين عبد الفتاح[42]- يرى المستشار البشري أنها ينبغي أن تستمد من المرجعية أو تتسق معها وعلى الأقل لا تنفيها، يقول بخصوص قيمة المساواة: "إن الاجتهاد في تقرير المساواة له جدواه في ضمانها، عندما تصير المساواة التزاما مستمدا من العقيدة، وليست مجرد مبدأ تقرر بنفي العقيدة"[43].

ومن ذلك خصوصية مكونات الحضارة الكبرى ومنها التاريخ، فالخصوصية ضرورية لتناول التاريخ كتابةً وقراءةً؛ أي إنه من تأسيس الخصوصية يمكن إعادة كتابة التاريخ وقراءته بطريقة تتسق مع أصول الذات وحقائقها، وتفيد في استخلاص الدروس النافعة لها. والقاضي المفكر المؤرخ (البشري) يشدد على هذا الركن تشديدا، فيقول مثلا في تعقيبه على دراسة ما: "ولا أحسب بلادنا ينتظرها خير ما، في ضوء نظرة تحسب الغازي هو ناقل الحضارة والمخرج لنا من الظلمات إلى النور. إن حملة نابليون حملة استعمارية. واحتلالها مصر هو غزو مسلح كوفح بما يستحق.."[44]. ويقول في موضع آخر رافضا مفهوم "وحدة العصر" أو المعاصرة المشار إليها من قبل: "إن وحدة العصر الحاضر كجامع حضاري وبشري، تستتبع وحدة العصور السابقة، من حيث معايير الحكم والتقويم، أي أنها تستتبع إخضاع تاريخنا الماضي لمعايير التاريخ الغربي، وإعادة كتابته وفقا لذلك التصور الغربي. وبهذا التتابع نكوون قد عكسنا الصورة. فالمفروض أن وحدة الماضي هي من أهم عناصر توحيد الجماعة الحاضرة، ولا يصح -واقعا ومنطقا- أن نقر أولا بوحدة الحاضر بحسبانها "المسلمة الأولى" ثم نرتد على التاريخ نوحده. ...إنه -باسم وحدة العصر الحاضر-   يراد أن تتوحد شعوب العالم على أساس من القيم والمفاهيم والرموز التي تقدمها الحضارة الغالبة، ومن هذه الأسس والمفاهيم، تكون نظرة الحضارة الغالبة لتاريخها هي التي من شأنها أن تسود وتعمم على تاريخ الحضارات العالم الأخرى. كما أن المعايير المستخلصة من تاريخ الحضارة الغالبة، تسود وتعمم ليعاير بها تاريخ الشعوب الأخرى، وتعاد صياغة التاريخ فقا لذلك. إن فكرة العصر أريد بها أن تكون جامعا بشريا حضاريا، والعصر هو عصر سيادة الحضارة الأوروبية الأمريكية، ومن ثم أُلحق حاضرنا بحاضر تلك الحضارة، وألحق تاريخنا الإسلامي بتاريخ الغرب الأوروبي –إلى أن يقول- إذا فعل المؤرخون الغربيون ذلك، فهو منهم حياد عن العلم يدور في إطار الخطأ، وقد يجد عذرا لديهم من المي الطبيعي لدى الإنسان إلى أن يقع أسير خبرته الذاتية ويعمم نتائجها على الآخرين. ولكن إذا فعلنا نحن ذلك بأنفسنا، فنحن إذن نعاني من الاغتراب والاستلاب"[45].

من منطلق هذه الخصوصية الفارقة بين الضميرين "نحن" و"هم" يمتد نظر البشري إلى اللحظة التاريخية الراهنة ومنهج النظر فيها وفي التأريخ لها، وكيفيات تسكينها في الذاكرة المزامنة لها. ذلك ما تجليه مراجعته للنظر العالمي إلى تاريخ "11 سبتمبر 2001"، يقول المستشار البشري: "تريد الولايات المتحدة الأمريكيةأن تجعل تاريخ "11 سبتمبر 2001" تاريخا عالميا، وتريد بوجه خاص أن تثبته تاريخا إسلاميا عربيا. .. وأن البعض منا للأسف الشديد قد سقط في هذا الفخ، وطفق يروج في أحداثنا الجماعية والقومية والمحلية، يروج لفكرة "ما قبل 11 سبتمبر" وما بعد "11 سبتمبر". إن 11 سبتمبر عام 2001 هو حدث أمريكي، يتعلق بالسياسات الأمريكية وبسياق أحداثها ووقائعها.. هو حدث بدأ من الأرض الأمريكية وانتهى إليها وقام تأثيره فيها. ولكن سياسة الولايات المتحدة بغطرسة السيادة الدولية وبجبروت العلو والهيمنة على العالمين، جعلته حدثا عالميا، لأنها سيدة العالم وحاكمته ولأنها هي "العالم". .. الأمر هنا ليس أمر فكاهة ولا طرفة تُبدى، ولكنه أمر له علاقة وثيقة بعملية "الإلحاق" "والاستتباع" الشعوري والإدراكي، فمثلا اقتحام شارون للقدس الشريف في 28 سبتمبر 2000 ليس حدثا عالميا، ولا ينبغي أن يكون حدثا عربيا إسلاميا بمثل ما ينبغي أن يكون ليوم 11 سبتمبر عام 2001 من أهمية واعتبار".

"إن البلد المتبوع يميل إلى تأكيد أن تكن وقائع تاريخه وحاضره هي وقائع وأحداث البلاد التابعة له، وأن تستلب تلك البلاد من وقائعها وتاريخها وأحداثها. وسيادة أي بلد على بلد تستلزم لدى السيد أن ينمط نظرة التابعين على وفق نظرته ويلحقهم به من زاوية الرؤية والثقافة وطريقة التفكير.... وأن الوقائع والأحداث في تعميم أهميتها على الآخرين تنطوي أيضا على تعميم أوصافها على هؤلاء الآخرين ونزعهم من أن يكون لهم مفاهيم خاصة ونظرة خاصة. إن الأمر هنا يمس صميم الإدراك والوعي الذي يراد زرعه في الآخرين أو محوه لدى الآخرين"..

"ونحن لابد أن نتمسك بحقنا في استقلال إدراكنا التاريخي وحقنا في أن يكون لنا تاريخنا وأحداثنا مما كان يسمى قديما "أيام العرب" أو أيام المسلمين.. إن ما يعنينا من 11 سبتمبر عام 2001 هو أثره.. أثر ذلك على في أيامنا العربية المعيشة، وأهمها الآن 28 سبتمبر عام 2000"[46].

ومن ناحية أخرى، فإن التاريخ هو من أهم منابع بيان الخصوصية الثقافية لهذه الأمة وتأكيدها وتوجيهها في الظرف التاريخي الحالّ. هذا المدخل هو أهم مداخل المستشار البشري إلى قضية الخصوصية –وقد صبغها بصبغته الواقعية- ومنها يتجاذب سائر مسائله الرئيسة والكبرى المتعلقة بالاستقلال والتجدد الحضاريين.وهذا مقام لا يستوعبه استشهادٌ من مقولات الأستاذ البشري؛ إذ مع اتساع دلائله في أغلب كتاباته التأريخية والفكرية العامة والسياسية، فهو يسري في أسلوبه ومناهج نظره وتناوله مسرى الماء في الورد. ولكن منبعه الأساس يقع في منهجيته في التأريخ وفي التعامل مع العلوم الاجتماعية والإنسانية بعامة ومع علوم التاريخ والسياسة والاجتماع بخاصة ما يتعلق بذلك من قضايا الموضوعية والتحيز ومن ثم الخصوصية الثقافية. يقول المستشار البشري بخصوص دور الانتماءات الفكرية للباحث: "ومع الاعتراف بما قد ينجم عنها من ميل في تناول المادة التاريخية، ومع إدراك ما يلزم في البحث من النظر الموضوعي، الذي يتوخى التنقيب عن الحقائق الصارمة بغير تجاهل ولا إخفاء، مع كل ذلك فإنه يتعين أيضا إدراك أن التاريخ حركة ومسار، نحن ننظر في أحداثه من خلال تصور ما لحركته، ومنة خلال الاقتناع بمسار معين له. لا سيما أنه تاريخنا.

والباحث هنا يتعامل مع مادة لتاريخ يشعر بأنه ينتمي إليه أو إلى وجهة فيه. ومحاولة نزع عنصر الانتماء من الباحث، في تناوله لتاريخ قومه، هو جزء من عملية "تحييده"، أي عزله عن قضايا وطنه وشعبه. أي أن خلع الانتماء من الباحث يفيد خلع الباحث نفسه. وتلك لعبة لعبها معنا الاستعمار كثيرا من خلال مؤسساته العلمية. يسعى إلى تحييدنا في نشاطنا العلمي وغيره، عن أوطاننا وجماعاتنا وعن مشكلاتنا. وعندما يتم ذلك نكون قد اغتربنا عن ديارنا وأنفسنا. ويسهل علينا التعبير عن ذاتنا الجماعية بالضمير "هم" بدلاً من الضمير "نحن". كما نقول اليوم "أزمة الشرق الأوسط" وليس أزمتنا نحن المصريين والعرب مسلمين ومسيحيين. وهذه أحسم الخطوات التي يصير بعدها المثقف، إما مفكرا مرتزقا، أي محاربا بلا قضية ولا رسالة، إما من خصيان المفكرين، أي مفكر بلا موقف، وما أكثر النمطين انتشارا بيننا"[47].

وللمستشار البشري -في تأريخه للعلوم والمناهج البحثية الحديثة ووفودها قبل الفترة الاستعمارية وأثناءها- ملاحظات مهمة تتعلق بكشف وجوه مهمة للحالة العامة التي تعطلت فيها فكرة "الخصوصية الثقافية" وأصولها عن أن تقوم بأدوارها في التفاعل الحضاري بين حفظ الثوابت وتجديد المتغيرات للمواكبة والمكافأة. وقد لا يتسع المجال للبسط فيها فتكفي هذه إشارة معبرة. يقول البشري: "كل هذه الخصوصيات والسمات المتميزة، لا إخال أن غالب الفكر السياسي والدستوري والاجتماعي، قد أعارها ما تستحق من أهمية في التحليل والتنظير. "وعلوم العصر" الوافدة تكتفي بالأخذ عن العصر الأوروبي الغربي، ونقل مفاهيمه وصيغه، وحي مفاهيم وصيغ لا تصور ولا تمثل واقع الحركة، ولا أشكال العلاقات والتنظيمات والصيغ الفكرية التي تفتق عنها هذا الواقع، حسبما أملته الموجبات التاريخية والاجتماعية. ... "وعلوم العصر" عندما ترتطم بهذا الواقع بحيث لا يكون أمامها مناص من رؤيته، تصر على محاكمته بمفاهيم الوافد.فما افقها كان صوابا، وما خالفها كان خطأ. وتفسير الصواب مردود إلى ما وفد من فكر وعلوم واستنارة، وتفسير الخطأ مردود إلى ما لا يزال قائما في المجتمع من تراث قيم بالٍ، أو أن يبذل الجهد وتشحذ القرائح في التأويل، تأويل الصيغ الوافدة أو تأويل الواقع بما يمكن من تطابقهما"[48]

ومن أهم وظائف الخصوصية التي صارت تمثل جماع خطاب المستشار البشري، هي التأسيس لفكرةٍ وعمليةٍ ودعوةٍ واسعة: هي تحقيق "الاستقلال الحضاري"، والذي يُعدُّ الوعي بالخصوصية والتميز أساسا لازما له، فالخصوصية سابقة على الاستقلال من حيث إن الخصوصية مقام تحديد الذات وتمييزها، والاستقلال هو مردود ذلك، يقول البشري: "وكيف يمكن أن ننادي بالاستقلال ونحن لا نتميز"[49]. من هنا كانت المقولتان الأساسيتان والمتراكبتان للأستاذ البشري: أولاهما- مقولة "بين الاستعمار ومقاومة الاستعمار"، (والتي ترجمت في المقام الراهن إلى مقولتين: بين العدوان ومواجهة العدوان، وبين الاستبداد ووالطغيان ومواجهتهما)[50]. وثانيتهما- مقولة "بين الموروث والوافد" أو بين "الثابت والنابت".

فالمدخل الأساس لفكر المستشار البشري في قضايا الأمة المعاصرة -وهو مدخل "التحديات-الاستجابات"، والذي يتناوله بأسلوب التوصيف التاريخي المتصل بهموم الحاضر وآمال المستقبل؛ ويقدم تفسيراته فيه بالتعليل الجامع بين الملاءمة للأصل وبين الكفاءة والفاعلية في الاستجابات أو عدمها- هذا المدخل يعتبر أن "التحديات والمشكلات الأساسية –في تقديرنا [تقدير البشري]، في العصر الذي نعيش فيه ونتحدث عنه، منذ بدأ مع نهايات القرن الثامن عشر- هي الغزو الاستعماري في كل مظاهره السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية"[51]. والخصوصية الحضارية هنا هي شرط المقاومة الراشدة للاستعمار وكاشفة دعاوى الاستقلال الضالة والفاسدة، التي تنطلق من خارج الذات طامسةً ما يتعين إظهاره منها والتأكيد عليه "لصالح الحركة الوطنية في ظروف مواجههتها للاستعمار، وهو التأكيد على المميزات الحضارية والقومية والعقائدية التي تفصل المستعمِر عن المستعمَر، وتؤكد ذاتية من ينتفض ضد القهر والعدوان"[52].

وما لم يكن الاستقلال حضاريا يراعي الذات وخصائصها وخصوصياتها الأصيلة، فإنه لا يكون كاملا، ولا يحقق من الاستقلال جانبا إلا ليرسخ جوانب أخرى، ولا يرفع للاستعمار نيرا إلا ليتحمل أنيارا أخرى، ليخرج من استعمار قديم إلى آخر جديدٍ، فأجدّ، وهكذا. ينبه المستشار البشري إلى الاستقلال المنقوص والمنكوس الذي منيت به دول هذه الأمة فيقول: "مع انتصار حركات التحرر الوطني على مدى الخمسينيات، وانحسار الاستعمار القديم بشكله العسكري السياسي المباشر، ومع ظهور دول الاستقلال الوطني وأنظمته وحكوماته، ومع فرحة النصر والسيطرة على الذات والشعور بامتلاك المستقبل، مع كل ذلك، بدا لنا أن مرحلة من تاريخ البشر قد زالت وانتهت، وأن مهمتنا –نحن دول الاستقلال الوطني- الجديدة في المرحلة التالية هي "اللحاق بالركب"، وبناء مجتمعاتنا على أفضل صورة يعرفها عالم اليوم من الرخاء والتقدم.

ووضعنا حاضر أوروبا صورة لمستقبلنا ومعيارا لتقدمنا. هنا، بدأ المعيار التاريخي ومعيار التقويم الحضاري للعالم يتوحدان في وعي الثقافة السائدة، وقبلت نظم الاستقلال الوطني وحركاته في تلك الفترة، وبغير تحفظ كبير، قبلت أن يتحول وعينا من موقف المواجهة في التعامل مع مستعمرينا السابقين إلى موقف التتالي والتعاقب معهم. وساد منظور للعالم، بحسبان أن مجتمعاته جميعا تقف على سلم صعود واحد، وأنها لا تختلف إلا في درجة الارتقاء على هذا السلم. وظهر مصطلح الدول المتقدمة والدول المتخلفة. ثم خفف هذا الفظ الأخير فصار "الدول النامية" أو التي في طريق النمو.

بهذا المنظور تعدل في وعينا التصنيف الذي كان قائما. لقد كان تصنيفا يتعلق بغازٍ ومغز أو بمستعمِر ومستعمَر، فصار يتعلق بمعاصر ومتخلف. كان التصنيف الأول يفيد تبادلا في السببية؛ فكان سبب التبعية هو المتبوعية، وسبب ضعف أحد الطرفين هو غلبة الآخر عليه. أما في المنظور الجديد، فقد افتقد هذا التبادل السببي، وارتدت السببية إلى الذات، وقامت العلاقة بين النامي والمتخلف لا على أساس تبادل السببية الذي يقتضي الابتعاد عن الطرف الآخر وفك الاشتباك، ولكن على أساس تقويض ما في الذات من عناصر تعوق سعينا في التشبه بالمجتمعات المتقدمة. ولذلك تحولنا من موقف فعل الضد الذي يقتضيه الصراع، إلى موقف فعل المثل الذي يوجبه تحقيق المثال، من السعي للمخالفة إلى السعي للمشابهة، من التبعية إلى الاتباع. وصار بأسنا بيننا، بعد أن كان بأسنا على غيرنا"[53].

اتصل بهذا الأصل (الاستقلال الحضاري)، مقام العلاقة بين "الوافد والموروث" ومحاولة البشري الرصينة فك الاشتباك بينهما وتحرير المفاهيم المتعلقة بهما، وقد تعرضنا لطرف منه، والأستاذ البشري يفرق فيه بين استقدام النماذج التنظيمية والإدارية وصيغ التسيير والتيسير المعيشي ونظرياتها، وبين الخضوع للعقديات والقيم الحاكمة والتصورات التأسيسية ونظرياتها من جهة أخرى، كما يميز –في مقام آخر – بين ثوابت المنظور الحضاري ومتغيراته. وهذا ما سيتضح عند التعرض لانفتاحية مبدأ "الخصوصية الثقافية" في فكر المستشار البشري ومسألة "العالمية" بين الإسلام والغرب. لكن نضرب لهذا المقام مثلا بقضية التشريع الحديث والتطورات التي حاقت به بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، والتي خصص لها البشري كتابا كاملا وبث منها طُرفا في كتب أخرى.

فيكرر البشري –في مواضع- مقولة الدكتور السنهوري: "إننا نعاني من احتلال فرنسي (في مصر) بما لا يقل عن الاحتلال العسكري الإنجليزي. وهذا الاحتلال الفرنسي هو في ميدان القانون. وتكلم [أي السنهوري] عن الاستقلال القانوني"[54]. والبشري في هذه المسألة جذري لا يهادن ولا يوفِّق وإن كان لا ينقلب عمليا بل هو مع الإصلاح بالتدريج، فلا يقبل القانون الوضعي -ليس لمخالفة تفاصيله لتفاصيل أحكام الشريعة أو الفقه الإسلامي- بل لسبب الخصوص الثقافي الحضاري العقدي؛ " لأنه قطع المرجعية. التشابك كان في الأحكام التفصيلية، إنما أين ذهبت المرجعية، لم يعد الرجوع ثقافيا لرجال القانون للبحث عن أصل النصوص لم يعد الرجوع في ذلك إلى القرآن والسنة، فلم نعد نقول: قال الله وقال الرسول، وإنما أصبحنا نقول قال قانون نابليون والقانون الروماني من قبله، في مثل هذه المناسبات لم نعد نرجع إلى الفتاوى الهندية والزركشي والمدونات الإسلامية، وإنما أصبحنا نرجع إلى الفكر الفرنسي، ولم نعد نقول  من أين جاءت النصوص؟ وإنما أصبحنا نرجع إلى محكمة النقض الفرنسية ونأخذ منها الأحكام، هذه هي المشكلة التي عزلت البناء القانوني عن التكوين الثقافي للجماعة المصرية [والبشري يمد الأمر إلى سائر أقطار الأمة عدا الجزيرة في مواضع أخرى] في ذلك الوقت، حيث كان البناء الثقافي يستمد مشروعيته في الأخلاق وفي العادات وفي الثقافة العامة من الفقه الإسلامي، فالمشكلة إذن هي المرجعية وليست تشريعية الآخر.."[55].

واستكمالا لمعنى الاستقلال الحضاري القائم على الخصوصية، يدفع البشري بالشق المكمل: "التجدد الحضاري"، بحسبان هذا الأمر –كما يقول- "يمثل بندا من بنود "المشروع الحضاري العربي للنهوض". فالمشكل هنا في أساسه مشكل ثقافي وفكري، .. والمشكل أيضا يتعلق بالتجدد، بما يعني الحركة، حركة النشاط الفكري الثقافي من الماضي إلى الحاضر وإلى المآل المتوقع أو المتصور له في المستقبل..". والمشكل الأساس الذي يراد للتجدد الحضاري أن يتعامل معه هو "مشكلة الازدواج الثقافي والحضاري الذي اتسمت به حياتنا الثقافية ورؤانا الحضارية"، ويكاد يكون العنصر الأساس المعوَّل عليه في تحقيق هذا التجدد وضمان فعاليته هو ذلك المفهوم الذي غصنا فيه ودرنا حوله: "الخصوصية الثقافية والحضارية" بحسبانها شرطا ضروريا، يقول البشري: "فالتجدد الحضاري المعنيّ هنا، إذ يستجيب للمستحدثات الطارئة إلا نوع الاستجابة إنما تصدر عن الأطر المرجعية المعبرة عن أوضاع الحضارة السائدة لدى الجماعة بما استقر لديها من عقائد وبما اختزنته من مواريث التجربة التاريخية لها، ما يصدر عن ذلك موافقا للأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية للجماعة المعنية، ومستجيبا لما تواجه من تحديات ولما تتطلع إليه.."[56].

ومن ذلك لا يكون التجدد والإصلاح في الأمة من خارجها على نحو ما يثار الآن، ولا بأهواء وشعارات لا مرجية ذاتية حضارية لها، ولو كانت من الداخل:

"إن مجمل هذا الكيان الحضاري لا يعدل عنه في جملته؛ لأن العدول يفيد فقد الهوية، ولا يعدل عن جزء منه أو أجزاء إن كان ذلك يؤدي إلى خلخلة الهوية. وإن النظر في إصلاحه يكون بمراعاة الجماعة ونفعها ونهضتها من خلاله، وليس انخلاعا عنه. وإن الإصلاح يكون بمادته العقيدية الحضارية تطويرا وتعديلا وإعادة تركيب، كل ذلك ما أمكن، وإلا فلا يعدل عن أجزاء منه إلى وافد خارجي عنه، إلا إذا تحقق وجه نفع للجماعة المشمولة بهذا الكيان، وبما لا يخل بالتجانس العقدي الحضاري له، وبما ينهضم به هذا الوارث ليعيش في كلياته ويخضع لأصوله وثوابته"[57].  فالدعوات القومية الوطنية، وأفكار الديمقراطية والاشتركية والإصلاح الديني عبر القرن العشرين كان حظنا منها –في رأي المستشار البشري- "حميدا أو ضالا، بقدر ما أمكننا أو لم يمكنا توظيفه كأدوات للإصلاح لا كأهداف للإصلاح، وبقدر ما أمكننا أو لم يمكنا تحديد أهداف الإصلاح طبقا لأوضاعنا العقدية والتاريخية في ظروفنا المعيشة، وبقدر ما استطعنا أن نستبقي مواريثنا الحضارية نقدر بها الصالح وغير الصالح مما نشربه من غيرنا"[58].

 

يتبقى في نهاية الأمر نقطتان: الأولى تتعلق بطبيعة الخصوصية الثقافية في فكر المستشار البشري بين الانغلاق والانفتاح على ما يسمى "الآخر الحضاري" وبالتحديد الغرب، والثانية، تتصل بالأولى، وتلقي الضوء على موقف هذه الخصوصية من المدلول المقابل لها والذي يُعبَّر عنه بتعبيرات ومفاهيم من أهمها: العالمية أو العالمية الواحدة والإنسانية المشتركة أو المشترك الإنساني.

 

فبالنسبة للنقطة الأولى يتبدى "انفتاح الخصوصية الثقافية" لدى المستشار البشري في كافة مقامات تنظيره لهذه "الخصوصية"، فتكون الأخيرة أصلا والانفتاح استدراكا أو العكس، يقول: "إن الانفتاح الفكري والحضاري حقيقة من حقائق الماضي، كما أنه واجب من واجبات المستقبل. لكن ما يتعين ملاحظته أن ثمة بونا شاسعا بين مجتمع مستقل مسيطر وفقا لاختياره المطلق، وبين ظروف تفرض نفسها على مجتمعات اليوم، ويتحول بها الوافد إلى اغازٍ والانفتاح إلى فتح"[59]. فهو لا يجحد مطلق الأخذ من فكر الغرب، إنما يجحد الأخذ المطلق بلا مقايسة ولا مواءمة، فيقول: "هذه النقاط السابقة، لم أقصد أن أجحد بها أهمية أخذ ما نراه صالحا من فكر الغرب ونظمه، ولكن قصدت فحسب فك التلازم بين الوافد إلينا من الغرب والعصرية. كما قصدت أن أشير إلى وجوه التحدي التي تواجه عالمنا، بحيث يلزم فيما نختار من نظم غيرنا وأفكاره أن نقيس صلاحه لنا في إطار الحاكمية والشرعية للنسق الحضاري والعقائدي العام الذي يجمعنا والذي تقوم عليه جماعتنا، وأن نكون على بصيرة من حسن إعمال ما نختار، لئلا ننوي منه شيئا ويسوقه الواقع مساقا آخر"[60].

وبالنسبة لمسألة العالمية بين الغرب والإسلام ومسألة المشترك الإنساني، وأثر هذا على تكييف فكرة "الخصوصية الثقافية والحضارية"، فلا يرى المستشار البشري بأسا-من حيث المبدأ- "أن يتوحد العالم، وتتوحد الجماعة البشرية في مستقبلها، وفي حاضرها أيضا، ولا بأس حتى في ماضيها إن كان ذلك ممكنا. ولكن البأس يظهر عند معرفة: هل يجري هذا التوحد لحساب فئة وعلى حساب فئة؟ وهل يقوم به تقويم صادق لوقائع الماضي، وتقويم عادل لمصالح الحاضر، ورعاية للخصائص المشمولة في ذاتية كل جماعة من الجماعات المكونة لهذا العالم؟!"[61].

ويعلق الأستاذ البشري على دراسة يرى أنها "تبشر بثقافة بشرية مشتركة وثقافة إنسانية كلية، وبنظرة ترى في الاستقلال الوطني "تقسيما جغرافيا فحسب"."، فيقول: "ونحن بطبيعة الحال إنسانيون، ولكننا مضطهدون مغزوون مقتحمون في ديارنا. وإنسانية المضطهد أن يتحرر، وأن يتميز ويتحيز ويتجمع لينتفض. ولا تتأتى إنسانية الإنسان قط في أن يذوب في مضطهديه، وأن يفقد مقوماته وذاتياته. ... أن الإنسانية المنشودة هي إنسانية المساواة بين المواطنين في كل أمة، وبين الأمم كافة. وهي إنسانية الإحياء الحضاري لذوي الحضارات في العالم أجمع. وإنسانية الاستقلال والسيطرة على الذات. فإذا ضُربت علينا ألوان من "الإنسانية"  تبنى على حساب وجودنا كجماعة حضارية وسياسية مستقلة ومتميزة، فلن نكون إنسانيين بهذا المعنى. وإذا كان التطور يرفضني كجماعة، فلست من أنصار التطور. إذا كان التقدم ينفيني ويسحقني كجماعة، فإني إذًا لمن الراجعين. ما حاجتي لأن أقدم نفسي وقومي ووطني وتاريخي وثقافتي، أقدم ذلك كله وقودا يستدفئ به سادة العالم وتابعوهم. ألا يكفيهم البترول مصدرا للدف."[62]؟

بهذا تتكامل –لدينا- رؤية المستشار البشري لقضية الخصوصية الثقافية: تأصيلا وتفعيلا، وما عاد يتبقى إلا تشغيلها في القضايا الجزئية؛ الأمر الذي قام الأستاذ بقدر مهم منه في كتابات عدة، ولكن دون اكتمال ذلك وإثماره في واقعنا الحضاري جهدا وجهادا واجتهادا ينبغي أن يتنادى به المؤمنون بهذه الأمة ومرجعيتها، والمحتسبون أنفسهم من أبناء حضارتها وقيمها. وبالله المستعان.

 

خاتمة: خلاصات علمية وعملية:

هذا جهد المقل، حاولت فيه قدر ما وسعني أن أركز على وحدة التحليل (فكرة الخصوصية الثقافية)، واجتهدت -مقاومًا جاذبيةَ مستوى التحليل (أي الفكر المبحوث) وإغراءه- ألا تدفعني أمواجه ورياحه بعيدا عن وحدة التحليل، ولكن تأتي الرياح بما اشتهيت وإن لم يقع لي على بال. فقد انتهت الدراسة إلى رسم قطاع مستعرض في فكر المستشار البشري، تراصت فيه عينات بينات من أكثر الأصول والكثير من الفروع، وتداعت فيه مكنات واضحة لمنهج النظر العام في هذا الفكر، ولمفاهيمه الكبرى التي اكتنفت مفهوم "الخصوصية" وتداخلت معه في شبكة علاقات متبادلة الأخذ والعطاء، مثل مفاهيم المرجعية، والثقافة والحضارة، والذاتية والتميز، والذات والآخر، والدين، والعصر والعصرية والمعاصرة، والتراث، والماضي، والتاريخ، والاستعمار/الغزو، والاستقلال، والانتماء ودوائر الانتماء، والهوية، والمنهج، والعلم الحديث، والوافد والموروث، والثابت والمتغير، والثابت والنابت، والإنسانية المشتركة أو المشترك الإنساني، والعالمية الواحدة، والجامع الحضاري، والحوار والصراع، والمفاوضات الفكرية والحروب الفكرية،.. وغير ذلك.

كشفت القراءة في خطاب المستشار البشري أن "الثقافي" و"الخاص الثقافي" الجامع لذات حضارية (عربية إسلامية) والمميز لهذه الذات عن آخر (هو الغرب الحضاري والسياسي والعسكري والاقتصادي)، كلاهما من قضايا الأصول التي تشكل أعمدة هذا البناء الفكري. ويتفرع عنهما أمور علمية وعملية نحاول أن نلخصها في هذه الأسطر الباقية. لكن نشير قبلُ إلى أن القراءة التحليلية أبرزت أن "الخصوصية الثقافية" ينبني مفهومها -لدى المستشار البشري- من مجموع المرجعية والفكر والتاريخ والواقع، ومن ثم فلها أصل ثابت، ولها تجليات متحركة عبر الزمن حسب مقتضيات الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية. كما أنها تتميز بسمات الوجدانية والفكرية والسلوكية معا، والداخلية-الخارجية في آن، ومن ثم تتأكد جامعيتها أو شموليتها.

تنهض هذه الخصوصية – في رؤية المستشار البشري- بأدوار مركزية علمية وعملية، هي الفوائد التي نريد –بتلخيصها- أن نقدم وصفة فكرية وواقعية موجزة، نعتقد أنها –إذا قُدِّر لها أن تُفعَّل في الفكر والعلوم وتُشغَّل في الواقع المعيش- يمكن أن تسهم بقدرٍ ما في بناء الذات الحضارية ولمِّ شعثها، والوعي بأصولها وخصائصها وإمكانياتها، والوعي بما تستقضيه من انتماء والتزام وإبداع. ومن هذه الخلاصات:

-   أن الوعي بالخصوصية الحضارية لهذه الأمة يعني تمثّلنا لذاتنا والوعي بها، وهي مهمة أولية لا يمكن أن يتحرك فكرنا أو فعلنا أو تفاعلنا مع بعضنا البعض، ولا علاقتنا مع الغير، دون استيفائها.

-   وباليقين بخصوصية الأمة، تتحدد مفاهيمنا الحضارية الكبرى، وتتقرر القيم الحاكمة لتأسيس المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتتجلى خصوصية المكونات الكبرى لحضارتنا، من خلال مرجعية فارقة فرقانية؛ هي المرجعية الحضارية الإسلامية، التي تضم المسلمين وغير المسلمين، العرب غير العرب، وتقدم الساحة واسعة لكي يبرز كل كيان فرعي أفضل ما عنده من مواهب وأفكار ومكنات.

-   ومن تأسيس الخصوصية نعيد كتابة تاريخنا وقراءته بطريقة تتسق مع أصول ذاتنا وحقائقها، ونستخلص الدروس النافعة لنا - ومن ناحية أخرى، فإن التاريخ هو من أهم منابع بيان الخصوصية الثقافية لهذه الأمة وتأكيدها وتوجيهها في الظرف التاريخي الحالّ.

-   والخصوصية باب ضروري لمناهج النظر والتناول والتعامل مع العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة والمعاصرة، خاصة فيما يتعلق بذلك من قضايا الموضوعية والتحيز والحياد وأثرها على تثبيت الانتماء وتفعيله أو تحييده ونفيه.

-   ومن أهم وظائف الخصوصية التأسيس لفكرةٍ وعمليةٍ ودعوةٍ واسعة: هي تحقيق "الاستقلال الحضاري"، والذي يُعدُّ الوعي بالخصوصية والتميز أساسا لازما له، فالخصوصية سابقة على الاستقلال من حيث إن الخصوصية مقام تحديد الذات وتمييزها، والاستقلال هو مردود ذلك.

-   والانطلاق من منطلق الخصوصية الحضارية يوفر مدخلا أساسيا في بحث قضايا الأمة المعاصرة ومعالجتها علما وعملا؛ وهو مدخل "التحديات-الاستجابات"، المتصل بهموم الحاضر وآمال المستقبل؛ والتعاير به الأفكار السياسية والاجتماعية والحركات التيارات بمعيار جامع بين الملاءمة للأصل وبين الكفاءة والفاعلية في الاستجابات أو عدمها.

-   ومن منطلق هذه الخصوصية الفارقة بين الضميرين "نحن" و"هم" يبدأ منهج النظر في اللحظة التاريخية الراهنة التي تمر بها أمتنا منذ 11 سبتمبر 2001، وفي الوعي بها، وتسكينها في الذاكرة الجمعية للأمة. ونعرف أيامنا وأيامهم وكيف تختلف أحيان بحيث يكون نهارنا عندهم ليلا، ونهارهم ليلا لنا. إن استقلال الوعي هو أول شروط الوعي بحقيقو معنى الاستقلال وتعيناته في الواقع.

-   وما لم يكن الاستقلال حضاريا يراعي الذات وخصائصها وخصوصياتها الأصيلة، فإنه لا يكون كاملا، ولا يحقق من الاستقلال جانبا إلا ليرسخ جوانب أخرى، ولا يرفع للاستعمار نيرا إلا ليتحمل أنيارا أخرى، لنخرج من استعمار قديم إلى آخر جديدٍ، فأجدّ، وهكذا.

-   لابد من فك الاشتباك بين "الوافد والموروث" وتحرير المفاهيم المتعلقة بهما، مميزين بين استقدام النماذج التنظيمية والإدارية وصيغ التسيير والتيسير المعيشي ونظرياتها، وبين الخضوع للعقديات والقيم الحاكمة والتصورات التأسيسية ونظرياتها من جهة أخرى، كما نميز بين ثوابت المنظور الحضاري ومتغيراته.

-   "التجدد الحضاري"، هو واجب الوقت لحل مشكلة الازدواج الثقافي والحضاري الذي اتسمت به حياتنا الثقافية ورؤانا الحضارية، ومواجهة الغزو والعدوان على أطراف الأمة قلبها. والإيمان بالخصوصية الثقافية والحضارية - بحسبانها شرطا ضروريا- هي العنصر المعوَّل عليه في تحقيق هذا التجدد وضمان فعاليته.

-   والخصوصية الثقافية التي نرومها منفتحة بالضرورة وطبيعة نسقها الحضاري؛ فحين تجد الخصوصية في مقام أصلا تجد الانفتاح استدراكا والعكس، فالخصوصية لا تجحد مطلق الأخذ من فكر الغرب أو غيره، إنما تجحد الأخذ المطلق بلا مقايسة ولا مواءمة.

-   والإنسانية المشتركة أصل نظري لا بأس به ولا يعارض –في دلالته التي تتفق مع مرجعيتنا- معنى الخصوصية والذاتية، فالعالمية المنشودةهي عالمية المساواة في الداخل والخارج لا عالمية الاعتراف بحق الآخر أن يضحي بي من أجل غاياته شديدة النرجسية.

 

وفي النهاية، أقر بامتنان وعرفان كبيرين للمستشار طارق البشري؛ لما أشعر به من فيض نوراني في فكري ووجداني من أثر الجلوس بين يدي كلماته الطيبة التي أتمنى أن تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها. أطال الله عمرك، وأدام لك العافية والعطاء. ومما أحب أن أنوه به صدقا واعترافا، أنني دخلت إلى هذه الدراسة ناقدا كما هي عادتي، وكانت أول محركات البحث عندي انتقادية، وبالفعل التقطت قرن استشعاري مواطن اختلاف مع ما أقرأ، وسجلت منها ملاحظات على هوامش الصفحات؛ ربما من أبرزها إحساسي بغلبة المعيار الوظيفي (معيار الصلاحية) على معيار المبادئ والمطلقات (الصحة)، بل تفرد الأول بالأمر أحيانا عديدة، وتصريح الأستاذ الكبير بذلك مرارا، كما لم ترُق لنفسي أحيان النزعة التوفيقية التي تغلب على هذا الفكر في مواجهة تيارات الداخل الفكرية التي تجمعها راية العلمانية، ثم بعض الهنات هنا وهناك مما لا  يؤبه به إلا تعسفا.

لكن ما أن أبحر قاربي الصغير في الخضم الكبير حتى التأمت عندي الصورة وتجمع المستثنى على المستثنى منه، والفرع على الأصل، والخاص على العام، والقيود على التقريرات التي قد تبدو للمتحفز مطلقة بلا قيد ولا تحفظ. كما أدركت نبل هذا الفكر المعتني بلم الشمل والمنطلق من أخلاقية إسلامية عالية أحالت "الأخلاق" منهجا أو أصلا منهجيا في نظر النظريات، وتناول القضايا، ومعاملة الخلق. فتراصت الصورة في ذهني، ولم يعد عندي من شيء اللهم إلا أمل أن تتم تحلية بعض صياغات استُبطن سياقها واعتبر المسكوت عنه فيها من المعلوم بالضرورة، تحليتها باستدراك ضئيل يحل محل السياق الذي لم يعد مفهوما بالضرورة.

وأخيرا، أعتذر للأستاذ المفكر الكبير أن يكون قد نبا مني فهم قاصر أو ادعاء غير صحيح في قراءته والتعبير عن مراداته، وأعتذر للقارئ أن أكون مبهما أو غير مفيد. ولكن ما أردت إلا الصلاح والخير لي ولأمتي، وبدعاء البشري المعتاد أختم: نسأل الله تعالى أن يكشف عنا الغمة وأن يلهمنا الهداية والرشاد.

والحمد لله


 

[1] -راجع على سبيل المثال: الوثيقة التي أصدرها مؤتمر "قضايا الإصلاح العربي .. الرؤية والتنفيذ" في الاأسكندرية 12-14 مارس 2004، تحت عنوان: "قضايا الإصلاح في الوطن العربي"، حيث دُبِّج الإصلاح السياسي بشرط الخصوصية الثقافية، وكذلك بعض الإصلاح الثقافي وبالتحديد في التفاعل الثقافي مع العالم (بما لا يتناقض وخصوصيتنا الحضارية) ، وإن كان اسم الخصوصية قد نُفي ورُفض بكل صرامة أن يستخدم ذريعة في مواجهة حرية الفكر الكاملة والإبداع. نص الوثيقة: مجلة السياسة الدولية، العدد 156، أبريل 2004، المجلد 39، ص ص 291-296.

[2] - المستششار طارق البشري هو المفكر المصري المعروف، عمل بالقانون والقضاء في مجلس الدولة بمصر -واستمر في العمل به حتى أحيل إلى المعاش عام 1998م- نائبًا أول لمجلس الدولة ورئيسًا للجمعية العمومية للفتوى والتشريع. بدأ تحوله الواضح إلى الفكر الإسلامي بعد نكسة 1967م، وكانت مقالته "رحلة التجديد في التشريع الإسلامي" أول ما كتبه في الفكر الإسلامي، واستمرت بعد ذلك كتاباته الإسلامية حتى يومنا هذا. تتوزع كتاباته بين الفكر والقانون والتاريخ والسياسة، وله عدد كبير من المؤلفات في هذه المجالات جميعًا. راجع في التعريف به: د. إبراهيم البيومي غانم (محررا)، طارق البشري القاضي المفكِّر، القاهرة: دار الشروق، ط1، 1999.

[3] - طارق البشري، ماهية المعاصرة، القاهرة: دار الشروق،  ط2، 2005، ص 35.

[4] - تعرض لبيان ملامح الخريطة الفكرية عند المستشار البشري دراستان ضافيتان في: إبراهيم البيومي، طارق البشري القاضي المفكر، مرجع سابق: أولاهما  لأستاذتي بإطلاق أ.د. نادية مصطفى، بعنوان "قراءة في فكر البشري حول ا&#