تسعى هذه الورقة إلى تحديد معنى المفهوم الخصوصية الثقافية على نحو اتفاقي (stipulation)، بما يضمن حدا أدنى من الاتفاق بين الباحثين على ماهية المفهوم وكذلك ترجمته إلى مؤشرات واقعية قابلة للملاحظة فى الواقع، بحيث يشكل ذلك إطاراً جامعاً للمحاور الأخرى يمكِّنها من دراسة الخصوصية الثقافية على مختلف مستويات التحليل.
وعمليتا التحديد والتأشير تعنيان تفكيك المفهوم إلى عنصريه الأساسيين ثم الربط بينهما والبحث في محاوره ثم ترجمته إلى مؤشرات في كل محور من محاوره.
الخصوصية تعني التمايز عن الآخر والاتصاف بملامح ذاتية تختلف عنه. وعلى المستوى القيمي فإنها تعني الوعي بالذات وحقيقتها الوجودية وإدراك لتميزها ولحدودها الزمانية والمكانية ولرسالتها الأخلاقية وما يرتبط بها من دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية. وهي بهذا مزيج بين موقف وجداني وعقلاني في نفس الوقت.
وبهذا المعنى فإن "الخصوصية" ليس مفهوما محليا بل إن المفهوم نفسه عالمي. فكل جماعة مثقفة لها رؤيتها الذاتية لخصوصيتها. فاليمين المحافظ في الولايات المتحدة يؤكد على التفرد الأمريكي uniqueness بسبب القيم الأمريكية American valuesويعتبره سببا للقوة وللدور الذي ينبغي أن تضطلع به الولايات المتحدة في قيادة العالم الحر. فعند هؤلاء، العالم بدون الولايات المتحدة، هو عالم أكثر فوضى، وأقل ديمقراطية، وأقل نموا. فأمريكا هي أول ديمقراطية مستقرة في العالم وهي الضمان الأول لاستمرارها.[1]
وبهذا المعنى فإن مفهوم "الخصوصية الثقافية" ظل أسيرا للاستخدامات المسيسة والأيديولوجية التي تجعله جزءا من منظومة الدفاع عن واحدة من الثنائيات التي عادة ما تطرح كبدائل مثل المحلية والعالمية، النسبية والإطلاق، المشترك والمختلف، الأصالة والمعاصرة، التقليد والإبداع، العزلة والتفاعل.
ويقدم كل ذي مشروع فكري فهمه للخصوصية على أساس ما يتبناه من هذه الثنائيات بتغليب إحداها على الأخرى أو التوفيق بينها.
وبمراجعة الأدبيات التي تناولت مفهوم الخصوصية الثقافية تبين الملاحظات التالية:
أ. هذا المفهوم له قدرة تحليلية ضعيفة إذا ما قورن بالاستخدام الشائع له على المستوى الأيديولجي. فهذا مفهوم نخبوي بالأساس يشيع، صراحة أو ضمنا، بين أصحاب الفلسفات والأيديولوجيات السياسية. في حين أنه ليس بنفس الدرجة من الشيوع في الكتابات الأكاديمية الامبريقية: فهو ليس مثل مصطلح الثقافة السياسية مثلا، وإن كان يمكن أن يفهم في إطاره، على أساس أنه يعبر عن محاولة خلق أو توظيف الثقافة السياسية السائدة على نحو يزيد من التمايز مع غيرها من الثقافات. وعلى هذا فضعف قدرته التحليلية يرجع إلى أنه أقرب إلى المفهوم الوظيفي الذي تحاول فيه الوحدات الأعلى في النسق الثقافي (النخب) توظيف الشعور الجماعي بالتميز والاعتزاز في مقاومة غزو ثقافي أو إلهاب حماس الجماهير لتبني موقف بذاته أو توجيهم نحوه.
ب. هذا المفهوم له قدرة تحليلية ضعيفة أيضا من منظورين متناقضين وإن كانا يؤديان إلى نفس النتيجة فـ"القرية العالمية تحتم قيام عادات وتقاليد عالمية."[2] كما أن الدولة الواحدة أصبحت تحمل أقليات أكثر ميلا للاعتداد بثقافتها ولغتها ودينها وأقل استعدادا للذوبان في الثقافات الأكبر. "الناس اليوم أكثر تحركا والحدود تجتاز بسهولة، وتعد البلدان أحادية العرق أصعب في البقاء."[3] وعلى هذا فهناك عمليات ثلاث تحدث في نفس الوقت: ضغط العولمة نحو قيم عالمية، ومحاولات تمايز الثقافات غير الغربية عنها بالتأكيد على خصوصيتها الثقافية، ومحاولات تمايز الثقافات الفرعية داخل الثقافات غير الغربية أيضا بالتأكيد على خصوصيتها هي الأخرى. فخطاب الإسلاميين العرب عن الخصوصية الثقافية يعني الممانعة ضد تأثير الثقافة الوافدة بالعودة إلى أصول الدين الإسلامي مثل الحديث عن أسلمة العلوم وتطبيق الشريعة، وهو حديث ينتج بالضرورة ممانعة مضادة من قبل الأقليات غير المسلمة في المجتمعات العربية التي تتبنى خطاب الخصوصية الثقافية ضد الخصوصية الثقافية الإسلامية على نحو يجعل من مفهوم الخصوصية الثقافية أقرب إلى سلاح للدفاع عن الذات يتبناه الطرف الأضعف أو الأقل عددا في مواجهة الطرف الأقوى.[4]
ت. مفهوم الخصوصية مفهوم شديد التحيز للذات المتحدثة. فالشائع عند المتحدثين عن تفرد ثقافة أو حضارة بذاتها أن يتوقف أمامها على أنها المعيار (the norm) وعلى أن الصحيح فيها هو الأصل وأن "ما ينبغي أن يكون" هو العنوان أما الممارسات الخارجة عنه فهو خروج عن الطبيعي (the normal). ومن هنا يذهب أحد الباحثين إلى أن المباديء العامة للعلاقة الدولية في الإسلام، "بأصولها المعرفية، وبمنظومتها القيمية ... [تواجه تحدي] اختلال الواقع الراهن فيما بين الدول الإسلامية بصفة خاصة، وفيما بين أعضاء المجتمع الدولي بصفة عامة."[5] وقال آخر: "وآفة المسلمين اليوم أنهم أدنى من مستوى الإسلام بمسافات فلكية. أهذه الجماهير التي نراها (أو الحكومات التي تحكمها) هي خير أمة أخرجت للناس، والتي آلت إليها خلافة الله في الأرض، والشهداء على سائر الأمم؟ لا لا."[6] وعلى هذا فالحديث عن الخصوصية هو دائما انتقائي لأن القيم الحاكمة للذات الخاصة لا بد أن تكون قيما ايجابية تدفع إلى الأمام دفعا. فالمعتد بثقافته يتحدث عنها بصيغة ما ينبغي أن يكون ويتحدث عن ثقافة الآخر بصيغة ما هو كائن. فعند الإسلاميين، تكون العلاقات السياسية في الإسلام هي علاقات التعارف، التعاون، العدل، المساواة ... إلخ. وتكون عند ناقضيهم من أهل الخصوصية الثقافية الغربية هي الجهاد، الجزية، العصبية، التداول الدموي للسلطة ... إلخ[7]. ويكون تصور العربي المعتز بثقافته عن الغرب أنه الغرب الدموي الاستعماري الذي أنتج صكوك الغفران ومحاكم التفتيش والحروب الصليبية (ما هو كائن) ويكون تصور العربي لذاته أنه حامل رسالة أخلاقية، موئل الديانات السماوية وموضع تعايشها، وأن لغته هي لغة أهل الجنة (ما ينبغي أن يكون)... إلخ.
ث. وعليه، فإن مفهوم الخصوصية في إطاره الأيديولوجي يطرح كثيرا على أنه مفهوم استعدائي أي يقدم في إطار رفض الأنا للآخر. فقد خلص أحدهم بعد توضيح عناصر الخصوصية الإسلامية إلى: "إنهم يحاربوننا بمصدر القوة الحقيقي الذي اكتشفوه منذ بدايات عصر النهضة، وربما قبله بقليل، إنه ديننا ونظامه الفكري الشامل، ولو كان الدين الإسلامي مصدر ضعف لنا كما يعتقد المغفلون منا لرحبوا به وباركوه لنا."[8] ونفس الموقف نجده من الغرب حين يرفع شعارات التفرد الأمريكي والإرهاب الإسلامي والخطر الأخضر فإنه يجعل منه المسالم وغيره المعتدى عليه.
ج. وعلى هذا فتعريف الخصوصية الثقافية قرين الاستخدام السياسي والأيديولوجي من قبل النخب التي تتبنى المفهوم، وكلاهما يحدد السلوك الذي هو في النهاية موضوع المؤشرات. وفي ظل تباين الخصوصيات التي تتبناها النخب المختلفة يكون البديل الوحيد لإيجاد مؤشرات موضوعية للمفهوم أن تكون هذه المؤشرات شديدة العمومية بحيث يمكن أن تتسع لاستيعاب الخصوصيات الثقافية المحتملة.
فلا يستقيم وضع مؤشرات لمفهوم الخصوصية إلا إذا وضعناه مع قرينه وهو "الثقافية".
هناك مدرستان استخدمتا مفهوم الثقافة تحليليا وامبريقيا.
أ. مدرسة القيم / الإجابات المشتركة:
فعرفها البعض على أنها "المحتوى الأخلاقي والفكري والجمالي الذي يوجه السلوك الفردي ويحدد الفعل الاجتماعي المشترك، لمجموعة سكانية محددة."[9] وبهذا المنطق تكون الثقافة هي القيم المشتركة التي تجعلنا نميز بين "ثقافة عربية وهندية وصينية وغربية."[10] بيد أن هذه القراءة للثقافة تقف عاجزة عن تفسير أسباب التمايز داخل الثقافة الواحدة. فما هو الأساس النظري لفهم التفاوت بين الثقافات الفرعية داخل الإطار الثقافي العام. فالثقافة العربية لا تبدو واحدة إلا إذا أغفلنا التفاوتات الملحوظة بين القيم الفرعية السائدة في السودان مقارنة بتونس وتلك الشائعة في اليمن أو سوريا. وكان هذا العجز عن تفسير التنوع داخل الوحدة الدافع للتفكير في الثقافة على أنها اهتمامات مشتركة أكثر منها قيم مشتركة.
ب. مدرسة القضايا / الأسئلة المشتركة: وترى هذه المدرسة أن انتماء مجموعة من الأفراد لثقافة ما لا ترجع لتشابه القيم التي يتبناها مجتمع ما وإنما لتشابه القضايا التي يعتبرها جل أفراد هذا المجتمع أولى باهتمامه وتقديره. فالمجتمع الغربي تسوده قضايا أو أسئلة أولى بالتقديم من وجهة نظر جل المواطنين في الغرب. ولكن يقف أمامها المواطنون الغربيون بإجابات متنوعة. فمثلا الثقافة الشعبية للمجتمع الأمريكي تركزت خلال الخمسين عاما الماضية على الاهتمام بعدد من القضايا التي يضعها على قمة أولياته باعتبارها وهي القيم التي سميت قيم ما بعد الحداثة[11] مثل حق الإجهاض، وحقوق الشواذ جنسيا، وحقوق الأقليات العرقية بيد أنه من المستحيل الادعاء بوجود إجماع بين المواطنين الأمريكيين بشأن هذه القضايا بل العكس هو الصحيح. إذن فالأمريكيون ينتمون لنفس الثقافة ليس لأنهم يتبنون نفس الإجابات أو القيم ولكنهم معنيون بنفس الأسئلة والتحديات. وحين يستجيبون لهذه التحديات فإنهم ينقسمون إلى ثقافات فرعية وفقا للقيم التي يتبنونها. فالمحافظون أميل إلى رفض حق الإجهاض أو التوسع في حقوق الشواذ أو منح معاملة تفضيلية للأقليات إلا في أضيق الحدود، وهو عكس الثقافة الفرعية لليبراليين.
في هذا الإطار قد تلجأ بعض النخب الفكرية والسياسية إلى حصر الخصوصية في أي من المعنيين. فالذين يتحدثون عن انتماء الأقليات المسيحية للحضارة الإسلامية هو وقاع الأمر يستبطن التعريف الثاني للثقافة على أنها قاسم مشترك من الاهتمامات والتحديات وليس على أنه قاسم مشترك من القيم والعقائد. وكذلك الذين يتحدثون عن قصر الحضارة الإسلامية على المسلمين المؤمنين بالعقيدة بعد استبعاد العلمانيين وغير المسلمين فهو يستبطن تعريفا للثقافة تنحصر في القاسم المشترك من القيم والعقائد. وعلى هذا فإن مفهوم الثقافة السياسية يقوم على وصف ظاهرة تتغير بشكل بطيء على مدى زمني طويل، في حين يظل مفهوم الخصوصية الثقافية على أنها ثابتة لأنها بحكم التحديد تعبر عن عناصر التمايز – الثابتة – في الثقافة.
وحتى تكون "الخصوصية الثقافية" مفهوما تحليليا ومتغيرا ميدانيا وليس قيمة معيارية (بمعنى أن الباحثين لا يسعون إلى الوقوف موقف المدافع عن الخصوصية أو المهاجم لها) وحتى يمكن فهم معناها وماصدقاتها على أرض الواقع وكيف كانت أداة تستخدم من قبل الساسة وقادة الرأي والحركات السياسية من أجل تحقيق أهداف أو لتبرير ممارسات أو صياغة مشروعات فكرية وأيدلوجية، فإن كل باحث في حدود بحثه سيكون مطالبا بإضافة مؤشرات للمفهوم بما يتناسب مع موضوع بحثه، مع الالتزام بالإطار المقدم في هذه الورقة قدر المستطاع. فالدخول إلى الغرفة المغلقة المكتوب على بابها "الخصوصية الثقافية" تقتضي أن نستصحب معنا حدا أدنى من الاتفاق على عناصر المفهوم الأولية التي تسهم في تحديده وعلاقته بغيره من المفاهيم التي قد تختلط عليه مثل الثقافة السياسية والدين والأيديولوجية.
ثانيا : عناصر مفهوم الخصوصية الثقافية
هذه العناصر الأولية خمسة تجمل فيما يلي وتفصل لاحقا:[12]
1. من نحن؟ سؤال الهوية.
2. ماذا نملك؟ سؤال التراث.
3. ماذا نفقد ويملكه غيرنا؟ سؤال الواقع.
4. ما الذي نضحي به إذا استوردنا ما نحتاجه من غيرنا؟ سؤال الفرصة البديلة.
5. ما تأثير هذا الاستيراد على سؤال الهوية؟ سؤال المستقبل.
وكما هو واضح فإن هذه الأسئلة من العمومية بحيث يمكن أن يستخدمها كل باحث أو يطوعها كل باحث على النحو الذي يتناسب مع محوره أو قضيته الأساسية موضع الدراسة.
ينتظر من كل قائد رأي أو فاعل سياسي أن يكون له تصور، معلن أو ضمني، بشأن طبيعة القاسم المشترك الأعظم بين من يتوجه لهم بالخطاب. فالقوميون العرب جعلوا الدائرة العربية هي محور اهتمامهم وجعلوا الانتماء العربي فوق غيره من الانتماءات على أساس أن اللغة العربية هي الوعاء الأمثل للتفاعلات العربية البينية. وهم بهذا تخطوا حاجزي الدين والانتماء القطري وجعلوهما هامشيين، بل ربما عقبتين، ضد الهوية الأصلية وهي الانتماء إلى العروبة. ووجه الإسلاميون خطابهم للأمة الإسلامية، بغض نظر عن انتماءاتها العرقية واللغوية والقطرية، [13] على أن المسلمين أخوة تربطهم رابطة العقيدة وتجب ما عداها من انتماءات دونية. وهناك من تبني خطابا قطريا من قبيل "مصر أولا"، أو "رابطة المواطنة تعلو فوق رابطة الدين... فالمسيحي المصري أقرب إلي من المسلم الإندونيسي."[14] وهناك من رفع شعارات ثقافية ترتكز على المتغير الجيوسياسي بالنظر شمالا (الانتماء المتوسطي)[15] أو جنوبا (الانتماء الإفريقي) أو شرقا (بتضمين البعدين الآٍسيوي والعالم ثالثي).
وهناك من وجد هذه الانتماءات الفرعية متضافرة متحاضنة كدوائر يعلو بعضها فوق بعض دون أن يجب أي منها الأخرى.
وعلى هذا فإن الفريق البحثي عليه أن يضع قضية الهوية على رأس القضايا التحليلية التي يبحثها في كل محور من المحاور.
هناك من وضع التراث موضع "الذات" فجعله فوق النقد لأن النقد للتراث عند هؤلاء ناقض للهوية. وهناك من تعامل معه على أنه ذاكرة الأمة التي ينبغي أن تكون حاضرة حضور معمل للأفكار والدروس من قبيل: سامح عدوك ولكن لا تنس اسمه. وهناك من يضع التراث موضع الفرز والتمحيص فيفرق بين الدين والعرف، بين الشريعة والفقه، ثوابت الدين واجتهادات الفقهاء؛ فيحفظ للأول قداستها ويضع الأخر في إطارهم.
وهناك من يرفض التراث جملة لأنه عبء ثقيل وعقبة كؤود لا بد من التخفف منها لأن السفر إلى المدنية المعاصرة طويل.
تقف التيارات الفكرية المختلفة موقف المدافع أو الناقد للواقع الذي نعيشه. فأي مقارنة عابرة بين معدلات الأداء الرسمي والشعبي على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية تكشف تراجعا واضحا وقصورا شديدا في الوفاء بمتطلبات النهضة والتنمية. ومن هنا يكون السؤال الذي طرحه شكيب أرسلان بشأن لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم وسؤال برنارد لويس بشأن ما الخطأ الذي حدث والسؤال الذي طرحه مراد وهبة عن جرثومة التخلف والسؤال الذي طرحه مالك بن نبي بشأن القابلية للاستعمار والسؤال الذي طرحه عبد السلام فرج بشأن غياب فريضة الجهاد والسؤال الذي طرحه فؤاد زكريا بشأن مأزق الشرع والعقل. وعلى هذا يكون السؤال كيف تطرح هذه المعضلة في ضوء الاعتراف بوجود خصوصية ثقافية؟
4) سؤال الفرصة البديلة:
يتحدث الاقتصاديون عن أن المشكلة الاقتصادية هي مشكلة ندرة واختيار وتضحية. فلا يمكن للإنسان ذي الحاجات المتعددة أن يحصل على كل ما يريد لأنه يواجه بندرة في الموارد والبدائل. وعليه فهو يختار بديلا دون آخر. وما دام قد اختار فقد ضحى. لأن الجمع بين البدائل كثيرا ما يكون صعبا. ومن هنا فإن خطاب الخصوصية الثقافية يستدعي بالضرورة التطرق لمعضلة الاختيار بين البدائل والتضحية ببعضها. فما مدى استعداد العروبي لأن يقبل وحدة جهوية، إن حدثت، على حساب الوحدة الشاملة. ولأي مدى يقبل بديمقراطية قد تعني رفض الشعوب للوحدة. وكذلك ما مدى استعداد الإسلاميين لديمقراطية تعني رفض الحكم بشريعة الإسلام أو تعني ترك الحكم لقوى علمانية. ما مدى استعداد القطريين لمعدلات نمو أعلى في ظل الانسلاخ عن المحيط العربي والتعاون مع إسرائيل.
إن سؤال الفرصة البديلة يطرح قضية البدائل المتنافسة.
5) سؤال المستقبل:
إن هناك عملية تغذية استرجاعية ضرورية تحدث كرد فعل للإجابة على الأسئلة السابقة في أي اتجاه كان. ومن هنا يكون على الباحث أن يناقش كيف ترتبط القضايا السابقة بعضها ببعض وكيف تؤثر في النهاية على سؤال الهوية الذي هو كما أسلفنا السؤل الحاكم للحديث عن الخصوصية الثقافية.
أمثلة لمؤشرات عن مجالات الخصوصية الثقافية
|
سؤال الهوية |
سؤال التراث |
سؤال الواقع |
سؤال الفرصة البديلة |
سؤال المستقبل |
|
1* كيف يعرف الإنسان نفسه (بالإشارة إلى القطر، الدين، العرق، اللغة، الجغرافيا، الإنسانية)؟ 2* ما هي علاقة هذه الانتماءات المختلفة بعضها ببعض. 3* ما رأي الإنسان في لجوء المسلم إلى المسجد والمسيحي إلى الكنيسة عند وجود مشكلة بين الاثنين؟ |
1* ما هي الرموز (الزمنية، البطولية) التي يعتز بها الأفراد؟ 2*ما هي اللغة المستخدمة في التعليم والبحث العلمي؟ 3* كم ونوع الاستشهادات بمقولات وكتابات محلية و أجنبية. 4* كم ونوع الاستشهادات بمقولات وكتابات معاصرة وقديمة.
|
1* ما هي أسباب تدهور الواقع (هل للتراث دور فيه)؟ 2* ما هو الإطار المرجعي لتقييم التقدم والتخلف (الغرب أم الشرق أم الماضي)؟ 3* ما هي العلاقة بين القيم التقليدية مثل الشورى والأمر بالمعروف وأهل الحل والعقد والقيم الوافدة من قبيل الديمقراطية، الانتخابات الدورية، البرلمانات المنتخبة؟ 4* مدى احتفاء الناس بالموضات الوافدة في الملبس والمأكل؟ |
1* هل هناك تعارض بين الانتماء لمصر، والانتماء للعروبة والانتماء للحضارة الإسلامية، والانتماء إلى الإنسانية؟ 2* هل هناك تعارض بين النظام الرأسمالي أو الاشتراكي أو دولة الرفاه والنظم الاقتصادية الموروثة؟ 3* هل هناك تعارض بين مواثيق حقوق الإنسان العالمية والرؤية التقليدية لها؟ |
1* هل العولمة تهديد للخصوصية الثقافية؟ 2* ما مدى اعتماد المجتمع على العالم الخارجي في استهلاكه واستثماره وأمنه؟ 3* ما مدى قدرة المجتمع على ابتكار حلول ذاتية لمشاكله؟ 4* ما درجة الاعتماد المتبادل (اقتصاديا وثقافيا وسياسيا) بين المجتمعات المتقاربة ثقافيا مقارنة بالاعتماد على غيرها؟ |
|
أخرى:
|
|
|
|
|
باستخدام هذه المؤشرات وما يشابهها يفترض في الباحث أن يرصد موقف كل تيار فكري أو مفكر أو مؤسسة من المجالات السابقة آخذا في الاعتبار أن الموقف من الخصوصية يستتبع بالضرورة تبنيه موقفا من المحاور التالية.
1- درجة التغير: العلاقة بين الثابت والمتغير هل هو انفلات يتجاوز الثابت، جمود يغلق باب التغيير أم تغيير منضبط في إطار الثابت.
2- درجة الأصالة: العلاقة بين الأصيل والدخيل هو انغلاق يرفض كل ما هو غريب عليه أم هو انفتاح بلا ضوابط يضيع الخصوصية وينتج العشوائية واللامعيارية أما هو نوع من التفاعل الذي يمتص كافة العناصر ويعيد تمثيلها بغرض إعادة الإنتاج (التجدد الذاتي).
3- درجة الشمول: العلاقة بين الخاص والعام وهل الخصوصية تشمل كافة مجالات الحياة أم هو فصل بين العام والخاص على نحو تنحصر فيه الخصوصية أم هو خلط للأوراق وعدم وضوح المجالات التي توجد فيها الخصوصية.
4- درجة الذاتية: العلاقة بين الذاتي والعالمي هل هي عالمية كقاسم إنساني مشترك عابر للذاتيات الثقافية والحضارية لكنه يستوعبها كإطار جامع ويوظفها لتوسيع مناطق الالتقاء (التسامح والتعارف). أم هي عالمية كتعميم لذاتية ثقافية وحضارية على نطاق كوني لمحاصرة الثقافات الأخرى واختراقها وتصفيتها من أجل الوصول إلى نمط واحد مفروض (نفي واستئصال).
5- درجة التجاوز / التسامي: وهي العلاقة بين الإلهي والبشري بمعني هل المقدس يحتل مكانة مركزية والتاريخي والاجتماعي يدور في فلكه أم التاريخي والاجتماعي هو الذي يحتل مكانة مركزية والميتافيزيقي هو الذي يدور في فلكه أم هم في حالة هوبزية صراعية أم اختلاط وعدم وضوح.
6- درجة الفعالية / الايجابية: وهي العلاقة بين الفكر والحركة بين النظر والممارسة هل هم في حالة توازي أم انفصال أم تتابع.
7- درجة الواقعية: هل هذه الخصوصية تعبر عن تجسيد لواقع تاريخي أو حاضر يراد إعادة إنتاجه أم هو نوع من المجال الافتراضي والمراهنة عليه كواقع بديل أو تعويضي. أم هو إطار متسع لعشرات الصور والاحتمالات.
[1]Huntington,
Samuel. 1996. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order.
New York: Simn and Schuster.
Bush, George W. 2003. Freedom and the Future. Speech at the American
Enterprise Institute’s annual dinner., February 27, 2003.
وأنظر كذلك: سمير مرقس، الإمبراطورية الأمريكية، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2003. وناعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2005.
[2] محمد السماك، العولمة وآثارها على الخصوصيات الثقافية، ، الاجتهاد، العدد 52/53، خريف وشتاء 2001-، 2002، ص 83.
[3] محاضير محمد، التكامل بين الحضارات والثقافات المختلفة، في أحمد يوسف القرعي، العولمة وصدام الحضارات: قراءة في فكر محاضير محمد، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2005، ص 72.
[4] ويعبر عن هذا الموقف بجلاء الدكتور ميلاد حنا حينما قال بوضوح: " أنا حر يا أخى وهذه وجهة نظري فإذا تولى الإسلاميون الإخوان الحكم هآخذ هدومى وارحل...وايه اللى يخلينى أجلس فى ظل حكم أكون فيه مواطن من الدرجة الثانية." العربي، 20 نوفمبر 2005، متاحة على: http://www.al-araby.com/articles/985/051120-985-dlg01.htm (تم الإطلاع عليها في 22 نوفمبر 2005، 9 مساء).
[5] إبراهيم البيومي غانم، المباديء العامة للنظرية الإسلامية في العلاقات الدولية، الاجتهاد، العدد 52/53، خريف وشتاء 2001-، 2002، ص 210.
[6] حسان حتوت وآخرين، الإسلام في أمريكا، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2003، ص 37.
[7] ذهب جان كلود بارو إلى أن:" ما يمكن أن نسميه أشد درجات الرغبة في إذلال الآخرين موجود في الاستعداد النفسي الأصيل لدى المسلمين ومن أصل عقيدتهم، فهي عقيدة حربية عدوانية تسعى للسيطرة والتوسع، وتشحن الفرد باحتقار غير المسلمين، والإسلام في مجمله عدو للغرب، لأنه يؤمن بلاهوت الغزو والفتوحات والانتصارات، ولا يرضى بلاهوت الهزيمة." نقلا عن: باس حسين، الغرب وخرافة التهديد الإسلامي، أي إسلام وأي غرب، كتاب صحيفة الدعوة الإسلامية، العدد 2، أكتوبر 2003، ص 63.
[8] صلاح الجابري، إنهم يحاربوننا بمصدر القوة الحقيقي، أي إسلام وأي غرب، كتاب صحيفة الدعوة الإسلامية، العدد 2، أكتوبر 2003، ص 17.
[9] لؤي صافي، المثقف والنهضة، الاجتهاد، العدد 52/53، خريف وشتاء 2001-2002، ص 229.
[10] المرجع السابق، ص 229.
[11] Inglehart, Ronald. 1990. Culture Shift in Advanced Industrial Society. Princeton: Princeton University Press.
[12] كان أول من لفت نظري لهذه الطريقة في تحليل قضية الانتماء والهوية هو د. سيف الدين عبد الفتاح في محاضرات النظرية السياسية للسنة الثالثة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1992.
[13] أحصى كاتب هذه السطور حوالي 26 كتبا ومقالا تحمل عبارة منظور إسلامي أو مراجع إسلامية في المراجع المستخدمة في عددين من مجلة الاجتهاد، الاجتهاد، العدد 52/53، خريف وشتاء 2001-2002. ومثال ذلك: سعيد إسماعيل صيني، مدخل إلى الرأي العام والمنظور الإسلامي، بيروت: مؤسسة الرسالة، 2002، ابراهيم بشير الغويل، الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان، المرجعية الغربية والمرجعية الإسلامية، بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1999، أحمد المهدي عبد الحليم، الثقافة الإسلامية محور لمناهج التعليم: رؤية التعليم من منظور إسلامي، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2004.
[14] مصطفى الفقي، ملف خاص، برنامج أذاعه التليفزيون المصري، القناة الأولى، 22 أكتوبر 2005.
[15] أنظر الاتجاه ما بعد الحداثي للتعامل مع الثقافة العربية في: علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996.