المتغير الثقافى فى تحليل السياسات العربية: قضايا وإشكاليات
د/ حسنين توفيق إبراهيم
مقدمة
من المؤكد أن السياسات العربية سواء على الصعيد الداخلي في الدول العربية أو على صعيد العلاقات الخارجية (البينية والإقليمية والدولية ) لهذه الدول إنما هي محصلة للتفاعل والتداخل بين عوامل داخلية عديدة ، تاريخية واقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية ، فضلاً عن المؤثرات النابعة من البيئة الخارجية ( الإقليمية والدولية ) لهذه الدول . وفى هذا السياق ، فإن الهدف من هذه الدراسة هو رصد وتحليل وتقييم بعض أبعاد تأثير المتغير الثقافي على طبيعة وأنماط السياسات التي انتهجتها – وتنتهجها- النظم السياسية العربية سواء في علاقاتها مع مواطنيها ، أو علاقاتها فيما بينها ، أو علاقاتها بالعالم الخارجي ، مع مناقشة كل ذلك في إطار مايُعرف بـ " الخصوصية الثقافية " للوطن العربي .
وبلغة أخرى، فإنه إذا كانت الأوضاع الداخلية في الدول العربية تتسم – بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة – بشيوع ظواهر وممارسات التسلطية والاستبداد والفساد والتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، وإذا كانت علاقاتها فيما بينها تقوم في جانب منها على الفرقة والخلاف والشك وعدم الثقة ، وإذا كانت علاقاتها مع العالم الخارجي تقوم على التبعية والانكشاف ، فإلى أي مدى أسهم – ويسهم - العامل الثقافي في إفراز هذه الظواهر وإعادة إنتاجها وضمان استمراريتها ؟ ، وإلى أي مدى تؤثر سياسات وممارسات النظم العربية على الصعيدين الداخلي والخارجي على الهياكل والبني الثقافية في هذه الدول ، بحيث بدأت تتكرس أنماط وقيم ثقافية سلبية مثل" ثقافة الاستبداد " و " ثقافة الفساد " ، و" ثقافة التطرف والعنف" ، "وثقافة التفكير بالمؤامرة "، و" ثقافة التبعية "... الخ؟ ، أي ماهى أبعاد العلاقة الجدلية بين سياسات وممارسات النظم العربية من ناحية ، والأنماط القيمية المرتبطة بهذه السياسات والممارسات من ناحية أخرى ؟ .
ولكن من ناحية أخرى ، فإن ظواهر الاستبداد والتطرف والفساد والتبعية للخارج وغيرها ليست حكراً على الدول العربية ، حيث عرفتها – وتعرفها – دول أخرى غير عربية ، بعضها دول إسلامية ، وبعضها الآخر دول غير إسلامية ، وهنا يصبح السؤال : هل هناك شيء مشترك بين ثقافات هذه الدول والثقافة العربية بحيث أسهم – ويسهم – في إفراز هذه الظواهر في الحالتين ؟ . وإذا كانت هناك دول أخرى غير عربية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية قد تمكنت من أن تصبح جزءاً من موجة التحول الديمقراطي التي اجتاحت العالم منذ سبعينيات القرن العشرين ، والتي أطلق عليها صامويل هانتنجتون " الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي" ، وأن تتخذ خطوات جادة على طريق مكافحة الفساد ، فلماذا ظلت الدول العربية تمثل استثناء من عملية التحول الديمقراطي لدرجة أن البعض اعتبرها عصية على هذا التحول ؟، ولماذا ظلت معدلات الفساد في كثير من هذه الدول أعلى من مثيلاتها في عديد من الجنوب الأخرى ؟ ، ولماذا انتفضت شعوب كثير من الدول غير العربية خلال السنوات الأخيرة مطالبة بالديمقراطية والحــرية ، فيما ظلت شعوب معظم الدول العربية ساكنة ؟ .
وفى ضوء ماسبق ، سوف تقوم هذه الدراسة بتحليل وتقييم بعض القيم والأنماط الثقافية السائدة – بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة – في الدول العربية ، مع تحليل مصادرها ورصد انعكاساتها على الممارسة السياسية للنظم الحاكمة سواء فيما يتعلق بعلاقاتها بمواطنيها ، أو بالعلاقات فيما بينها ، أو علاقاتها بالعالم الخارجي ، فضلاً عن انعكاساتها على العلاقات فيما بين القوى السياسية والتكوينات الاجتماعية في الدول العربية .
وتنطلق الدراسة في مقاربتها لهذا الموضوع من حقيقة العلاقة الجدلية بين القيم الثقافية من ناحية والممارسات العملية من ناحية أخرى ، فالاستمرارية في ممارسة التسلط والاستبداد تخلق وتكرس "ثقافة الاستبداد" ، التي تسوغ بدورها الممارسات الاستبدادية وتبررها . كما تسهم ممارسة الفساد على نطاق واسع في إفراز "ثقافة الفساد" ، التي تساعد بدورها على تغذية الممارسات الفاسدة . كما أن كثرة الخلافات والصراعات العربية – العربية أسهمت في خلق وتجذير "ثقافة الفرقة والتجزئة " التي عمقت الحواجز النفسية بين الشعوب العربية . وكذلك أدى واقع التبعية إلى خلق وتكريس "ثقافة التبعية " التي ترسخ من حالة التبعية .
وبصفة عامة ، تتمثل أهم المنظومات الثقافية الفرعية ذات التأثيرات المباشرة أو غير المباشرة على السياسات العربية فيما يلي :
أولاً : ثقافة الاستبداد مقابل ثقافة الديمقراطية
ثانياً : ثقافة الفساد و اللامسؤولية مقابل ثقافة الشفافية والمساءلة
ثالثاً : ثقافة التطرف والعنف مقابل ثقافة الوسطية والاعتدال
رابعاً : ثقافة الفتنة والصراع مقابل ثقافة التعايش والسلم الأهلي
خامساً : ثقافة الهدر والتخبط مقابل ثقافة البناء والترشيد والتخطيط الاستراتيجي
سادساً : ثقافة الفرقة والتجزئة مقابل ثقافة الوحدة (على الصعيد العربي)
سابعاً : ثقافة التبعية مقابل ثقافة صيانة الاستقلال الوطني والاعتماد على الذات
وقبل تناول كل من النقاط السابقة بقليل من التفصيل ، هناك ملاحظتان هامتان جديرتان بالتسجيل :
أولاهما : أن منظومات القيم الثقافية سالفة الذكر توجد في الغالبية العظمى من الدول العربية بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة ، وبالتالي فإذا كانت هناك استثناءات بشأن هذه الظاهرة أو تلك ، فإنها تظل استثناءات محدودة تؤكد القاعدة ، فلا أحد يستطيع أن يجادل أن الاستبداد يشكل سمة عامة للنظم السياسية العربية ، وأن الخلاف بينها في هذا الشأن هو خلاف في الدرجة ، وفى توليفة مسوغات وأساليب ممارسة الاستبداد . كما أن استشراء الفساد يشكل قاسماً مشتركاً بين غالبية الدول العربية . ولايختلف الأمر كثيراً بالنسبة لظواهر أخرى مثل : السلبية السياسية، والهدر، والتطرف والعنف، والتبعية للخارج .
وثانيتهما : نظراً للأهمية التي يمثلها الدين الإسلامي بالنسبة للثقافة العربية ، فالمُلاحظ أن منظومات القيم السلبية المرتبط بالممارسات والسياسات العربية تتناقض في حقيقتها مع القيم الأصيلة التي يعبر عنها هذا الدين في أصوله الصحيحة متمثلة في القرآن والسنة ، فالإسلام ضد الظلم والاستبداد ، ويؤكد على الشورى والعدالة والمساواة والتسامح والمشاركة واحترام الكرامة الإنسانية . كما أن قيم النزاهة والأمانة والصدق التي تمثل النقيض لقيم وثقافة الفساد هي من القيم الرئيسية في الإسلام . ونفس الشيء بالنسبة لقيم أخرى مثل تقدير العمل وإتقانه والاعتدال والوسيطة ، فضلاً عن التعاون والوحدة ونبذ التعصب والفرقة والاعتماد على الذات ، حيث أن اليد العليا خير من اليد السفلى . وفى ضوء ذلك ، فإن القيم الثقافية السلبية سالفة الذكر هي إفراز لتطورات وممارسات سياسية واقتصادية واجتماعية شهدها الوطن العربي ليس في مرحلة مابعد الاستقلال فحسب ولكن خلال فترات تاريخية سابقة على ذلك . وفى هذا السياق فقد جرى تفسير الدين الإسلامي وتوظيفه من قبل حكام وقوى سياسية واجتماعية على نحو يتعارض مع جوهر القيم التي يمثلها هذا الدين ، ومن هنا برزت ظواهر شكلت نوعاً من الاستمرارية في التاريخ العربي – الإسلامي مثل فقهاء السلاطين وتسييس الفتوى وغير ذلك . ولذا فإنه من المهم التمييز بين الإسلام في أصوله الصحيحة ومايمثله من قيم ، وبين بعض التفسيرات والتأويلات وعمليات التوظيف الانتهازي لهذا الدين ، والتي أسهمت - ضمن عوامل أخرى - في خلق وتكريس بعض القيم السلبية التي أصبحت تشكل بنية ثقافية تحتية لبعض السياسات والممارسات العربية .
أولاً : ثقافة الاستبداد والتسلط مقابل ثقافة الديمقراطية
على الرغم من تعدد أشكال النظم السياسية في الوطن العربي ،إلا أن سمة الاستبداد والتسلط ظلت تمثل قاسماً مشتركاً بين هذه النظم ، وأن الفارق بين نظام وآخر بهذا الخصوص هو فارق في الدرجة وفى أساليب ممارسة التسلط على نحو ماسبق ذكره . وتتمثل أبرز مظاهر الاستبداد والتسلطية في الوطن العربي في : احتكار السلطة من قبل شخص أو عدد محدود من الأشخاص ، وهو ماتجسده السلطات والصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها الحاكم سواء أكان رئيساً أو ملكاً أو أميراً أو سلطاناً ، والتي لايقابلها في الأغلب الأعم أي مسؤولية . ويترتب على ذلك غياب أو ضعف مبدأ الفصل بين السلطات ، حيث تهيمن السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ، ولايتمع القضاء إلا باستقلال جزئي في أفضل الأحوال . ومن مظاهر الاستبداد والتسلط كذلك عدم استقلالية الدولة عن شخص الحاكم ، فالوضع الطبيعي أن الحاكم يمارس سلطة الدولة في إطار الدستور والقانون ، لكنة لايمتلك الدولة وسلطتها ، ولكن هذا الوضع يكاد أن يكون معدوماً في الوطن العربي ، حيث أن جهاز الدولة من الناحية العملية هو في الغالبية العظمى من الأقطار العربية أداة في يد الحاكم . ويطلق المستشار طارق البشرى على هذا الوضع مفهوم " شخصنة الدولة " ، ويقصد به " أن النظام السياسي والاقتصادي والبيروقراطي بمؤسساته يتحول من نظام قانوني يُناط به الفصل بين الناس بالعدل وإدارة دولاب الحكم ، إلى الاندماج في المؤسسات القائمة على التنفيذ المحض لإرادة الحاكم المستبد ، وخاضعة للإرادة الشخصية المتوحدة المستبدة على قمة هرم الدولة . وتسود في هذا النظام التفسيرات والاجتهادات التي تدعم الوضع القائم ، وتفرغ الدلالات القانونية المرتبطة بعموم القاعدة القانونية وتجريدها ، فتفرغ القانون من هذا المحتوى الموضوعي ليصير ذا مؤدى شخصي ومشخصن لصالح أفراد وأناس بعينهم ذوى علاقات شخصية برأس الدولة ، ومن يحيطون به " . وهكذا يحدث نوع من التماهى بين الدولة وشخص الحاكم ، بحيث يصبح الحاكم هو الدولة ، ومن ثم فأي نقد للسياسات والقرارات التي يتبعها الحاكم يعتبر نقداً للدولة ومساساً بالمصالح الوطنية العليا ، وبالتالي يضع صاحبه في دائرة التجريم والخيانة والعمالة . كما أن ماتشهده بلدان عربية عديدة من ظواهر مثل سيطرة الدولة على المجتمع ، وتنوع القيود المفروضة على تنظيمات المجتمع المدني ، وغياب أو ضعف الالتزام بتطبيق مبدأ سيادة القانون ، وتعدد مظاهر انتهاك حقوق الإنسان تعتبر من مظاهر الاستبداد والتسلطية في الوطن العربي (1) .
وإذا كان الاستبداد يشكل ملمحاً رئيسياً للحياة السياسية في الدول العربية ، فإلى أي مدى يمكن إرجاع تجذر هذا الاستبداد واستمراره وإعادة إنتاجه إلى الثقافة العربية بما تتضمنه من قيم تساعد على تسويغ الاستبداد وتبريره ؟ . وفى معرض الإجابة على هذا السؤال تؤكد الدراسة بشكل واضح على أن العنصر الثقافي هو أحد العناصر التي تفسر الاستبداد ولكنه ليس العنصر الوحيد ، فثمة جذور ورافد عديدة ، قديمة وحديثة ، لهذا الاستبداد ، فهناك الرافد التاريخي المتمثل في تراكم الممارسات الاستبدادية والتسلطية في معظم فترات التاريخ العربي الإسلامي منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة وظهور الدولة الأموية ، فعلى مدى هذا التاريخ الممتد توالت عملية توظيف الدين الإسلامي من قبل أمراء وسلاطين وحكام لتكريس الاستبداد وتسويغه ، وذلك استناداً إلى تفسيرات و تأويلات وفتاوى دينية ، وفى هذا السياق ، فقد شكلت ظاهرة فقهاء السلاطين ملمحاً بارزاً في التاريخ العربي الإسلامي (2).
وإذا كان لظاهرة التسلط والاستبداد في الوطن العربي جذورها التاريخية والدينية البعيدة ، فإن لهذه الظاهرة جذورها الحديثة في ظل الحقبة الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين من ناحية ، وفى تطورات مرحلة مابعد الاستقلال من ناحية أخرى . فالاستعمار حرص على تثبيت نخب وعائلات في بعض الكيانات العربية التي ساهم في خلق بعضها ورسم حدود معظمها . وقد استمرت في الحكم بعد الاستقلال . وفى مرحلة مابعد الاستقلال شهد الوطن العربي خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين موجة من الانقلابات العسكرية التي أطاحت بالنظم الليبرالية المشوهة التي ظهرت خلال الحقبة الاستعمارية في بعض الدول ، وأسست نظماً استبدادية تسلطية مثل نظام الحزب الواحد ، ونظام الحزب القائد ، والنظم العسكرية اللاحزبية .
وقد رفعت النظم العربية في مرحلة مابعد الاستقلال العديد من الشعارات ، وطرحت الكثير من المبررات ، لتسويغ استمرار احتكارها للسلطة ، وتجاهلها لقضية الديمقراطية أو بالأحرى تغييبها . ومن ذلك على سبيل المثال : الحفاظ على الوحدة الوطنية ، وصيانة الأمن الوطني ، ومنع تدخل قوى خارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية ، وغياب أو ضعف مستوى النضج السياسي للمواطنين العرب ، وجعل الأولوية لأهداف أخرى مثل التنمية الاقتصادية ، والتغيير الاجتماعي ، والعدالة الاجتماعية ، وتحرير الأرض المحتلة ، وتحقيق الوحدة العربية ... الخ . و في جميع الأحوال ، فقد طورت النظم العربية سواء أكانت ملكية أو جمهورية سياسات وآليات وأدوات عديدة لضمان التفرد والاستبداد بالسلطة ، فإلى جانب تطوير وتحديث الأجهزة الأمنية والقمعية التي تمثل دورها الرئيسي في تأمين قدرة هذه النظم على الاستمرار من خلال التصدي لأي قوى مناوئة أو يمكن أن تكون مناوئة ، وتمكين السلطة من إحكام قبضتها على المجتمع ، راحت النظم المعنية تفرض العمل بقوانين الطوارىء والقوانين الاستثنائية بكل ماتتضمنة من قيود وانتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته ، ففي ظل هذه القوانين أصبحت الاعتقالات ، والمحاكمات التعسفية ، وانتهاكات حقوق الإنسان من الملامح البارزة لممارسات غالبية النظم العربية . وكذلك حرصت هذه النظم على السيطرة على وسائل الإعلام والثقافة و الاقتصاد ، فضلاً عن تأميم المجتمع المدني لحسابها .
وفى هذا السياق ، لايمكن إغفال دور بعض القوى الغربية وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية في تكريس التسلط والاستبداد في العالم العربي من خلال تقديم الدعم والمساندة لنظم تسلطية طالما كانت تتوافق مع مصالحها المتمثلة في عدم الارتباط بالاتحاد السوفيتي (السابق) ، وتأمين تدفق النفط إلى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين ، وتقديم القواعد والتسهيلات العسكرية . ونتيجة لكل ذلك فقد أصبح من الصعب ظهور معارضة فاعلة للنظم الحاكمة ، أو تبلور مجتمع مدني نشط ، أو بروز وسائل إعلام حرة أو قضاء مستقل (3) .
وفى ظل التحولات التي جرت على الصعيد العالمي منذ ثمانينيات القرن العشرين ، وبخاصة فيما يتعلق بتفكك الاتحاد السوفيتي السابق ، وبروز ثورة المعلومات والاتصالات ، وتنامي دور المجتمع المدني العالمي ، وحدوث موجة من التحول الديمقراطي أطلق عليها "صامويل هانتنجتون" الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي ، وهى التي بدأت في جنوب أوربا منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين ، وتمددت خلال الثمانينيات والتسعينيات لتشمل العديد من بلدان آسيا وأمريكيا اللاتينية وأفريقيا وشرق ووسط أوربا ، في ظل هذه التحولات العالمية ، ومع تنامي المطالب الداخلية بالإصلاح في بعض الدول العربية ، وتزايد الضغوط الخارجية على النظم الحاكمة للسير في طريق الإصلاح وبخاصة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، فقد اتجهت نظم عديدة لاتخاذ خطوات على طريق الإصلاح السياسي ، ومن ذلك الانتقال من صيغة التنظيم السياسي الواحد إلى صيغة التعددية السياسية المقيدة ، وإصدار دساتير دائمة وأنظمة أساسية للحكم في بعض الدول ، وإجراء تعديلات دستورية وقانونية في دول أخرى ، فضلاً عن الانتظام في إجراء الانتخابات سواء أكانت محلية أو برلمانية أو رئاسية ، وكذلك تخفيف القيود المفروضة علــى منظمات المجتمع المدني ، وتحسين سجل حقــــــوق الإنسان بصفة عامة (4) .
والمُلاحظ أن عملية الإصلاح السياسي التي شهدتها – وتشهدها – دول عربية عديدة قد أدت إلى تغيير في شكل نظم الحكم ، وتقليص درجة التسلطية والاستبداد في كثير من الحالات ، لكنها لم تفض إلى تحول ديمقراطي حقيقي ، الأمر الذي دفع البعض على اعتبار الوطن العربي بمثابة "استثناء " من الموجة العالمية الثالثة للتحول الديمقراطي ، وأنه يمثل حالة عصية على هذا التحول . وبغض النظر عن الجدل حول مقولة الطابع الاستثنائي للوطن العربي ، فالمؤكد أن المنطقة العربية من أقل مناطق العالم من حيث درجة الديمقراطية (5) . وثمة أسباب عديدة لذلك من أهمها أن عمليات الإصلاح السياسي جاءت في الغالب بمبادرات من النخب الحاكمة ، حيث سعت إلى اتخاذ ذلك كمدخل لتعزيز قدرتها على الاستمرار من خلال احتواء المطالب الداخلية بالإصلاح وتفادى الضغوط الخارجية . ولذلك سارت في الإصلاح بمنطق خطوة للأمام وخطوة أو خطوتين للخلف ، أي اتخذت من الإصلاح السياسي الشكلي كآلية لتحديث التسلطية وليس لتعزيز عملية الدمقرطة . ولذلك راحت الأدبيات تستخدم تعبيرات عديدة لتوصيف هذه الحالة من قبيل " التعددية السياسية المقيدة " ، و" الديمقراطية الشكلية " ، و" تحديث التسلطية " ، و" التسلطية التنافسية " ، و" عملية الدمقرطة الدفاعية " ، و" النظم شبه التسلطية أو شبه الديمقراطية " ، و" الديمقراطية الانتخابية " ، و" التسلطية الانتخابية " (6).
وبالإضافة إلى ماسبق ، فإن هناك رافداً اجتماعياً أسهم – ويسهم – في تغذية ظواهر الاستبداد والتسلط في الدول العربية ، وهو المتمثل في عمليات التنشئة الاجتماعية التسلطية التي يمر بها المواطن العربي عبر مختلف مراحل حياته سواء على مستوى الأسرة أو المدرسة أو الجامعة أو النادي أو الحزب... الخ ، فجميعها تكرس لدية قيم الطاعة والامتثال والسلبية . ولاشك في أن شخصاً يمر بهذه الخبرة من التنشئة لايمكن أن يشارك بفاعلية في الحياة السياسية ، فهو لم يتعود على الحوار وإبداء الرأي والمشاركة ، خاصة وأن النظم الحاكمة لاترحب بالمشاركة الحقيقية وتحرص على تفريغ عمليات وقنوات المشاركة السياسية من مضامينها الحقيقة (7) .
وفى ضوء تعدد الجذور والروافد التاريخية والدينية والسياسية والاجتماعية للاستبداد في الوطن العربي ، فقد بدأت تتبلور منظومة من القيم الثقافية التي أسهمت في تكريس هذا الاستبداد وإعادة إنتاجه ، فهي تبرر للحكام احتكار السلطة والتفرد بها ، وتسوغ للمحكومين قبول الاستبداد والتعايش معه . أي أن هذه المنظومة من القيم تمثل " ثقافة الاستبداد ". في هذا السياق ، فقد خلصت إحدى الدراسات إلى أن : " هناك شيئاً في الثقافة العربية إما أنه يعادى الديمقراطية صراحة ، أو لايعطيها أهمية مركزية في منظومة القيم والمعايير السائدة في مجتمعاتنا ...... وهذه الحقيقة رغم مراراتها ، تدعونا إلى مواجهة شجاعة لافقط مع أنظمة حكمنا الاستبدادية ، ولكن أيضاً مع ينابيع ثقافتنا المعاصرة التي تجعل جماهيرنا نفسها مهيأة لقبول هذا الاستبداد أو متواطئة في التعايش معه .....بتعبير آخر يستند الاستبداد العربي إلى ركيزتين : إحداهما ظاهرة جلية وهى الحكام وأنظمة الحكم ، والثانية مستترة ضمنية ،وهى الجماهير العربية ، وإن الركيزتين هما نتاج لنفس الثقافة العامة التي نشأ الحكام والمحكومون في كنفها " (8) . كما انتهت دراسة أخرى إلى " أن هناك ملمحاً أساسياً من ملاح الثقافة العربية المعاصرة ، إنها ثقافة تقوم على أساس استبداد الحكام وخضوع المحكومين . وظاهرة الاستبداد في المجتمع العربي قديمة ولها جذور في التاريخ البعيد " (9) .
هذا وقد ركز البعض على المصادر الإسلامية للثقافة العربية باعتبارها تكرس الاستبداد ولاتتوافق مع الديمقراطية . وفى هذا السياق قُدمت أطروحات عديدة مثل أن الإسلام يجعل السيادة لله وليس للشعب ، وأنه لايقر مبدأ تعدد الأحزاب ، حيث لايوجد في الإسلام سوى حزب الله وحزب الشيطان ، كما أن تأويلات وتفسيرات وفتاوى دينية عديدة أُستخدمت على مر العصور في مرحلة مابعد الخلافة الراشدة لتبرير الاستبداد وتسويغه ، مما جعل الاستبداد يكاد أن يكون القاعدة في التاريخ العربي الإسلامي . وعلى الرغم من أن الإسلام في أصوله الصحيحة متمثلة في القرآن والسنة لايعرف فكرة الحكومة الدينية أو نظرية الحق الإلهي في الحكم ، حيث أن الحكومة في الإسلام مدنية ، إلا أنه " ترتب عن تاريخ الدولة السلطانية ، في بلاد الإسلام تراث سياسي وفقهي كرس فكرة السلطة الدينية لدى الجمهور ! شهد الناس على سلوك السلاطين والأمراء ، ومن سطوتهم باسم الدين ، ما أقام في وعيهم التلازم بين سلطتهم الزمنية وسلطتهم الروحية ؛ ثم ساعد فقه السلطان على فشو هذا الاعتقاد من خلال انصراف أجيال من الفقهاء إلى وضع الشرع تحت تصرف السلطان ، والتسويغ له دينياً! " (10) . كما أن رفض التيارات الإسلامية ،السلفية والراديكالية ، للديمقراطية باعتبارها نظاماً غربياً تطبقه الدول الغربية العلمانية وتريد فرضه على المسلمين قد فسره البعض على أنه تعبير عن موقف الإسلام من الديمقراطية .
وعلى الرغم من أن بعض المفكرين والباحثين فندوا هذه الحجج والدعاوى ، وأكدوا على التوافق بين الإسلام ، في أصوله الصحيحة ، والديمقراطية ، بل اعتبروا أن الديمقراطية هي التطبيق المعاصر لمبدأ الشورى الإسلامية ، خاصة وأن الحكومة في الإسلام مدينة وليست دينية ، كما أن الإسلام لم يحدد شكلاً معيناً أو صيغة محددة للحكم يلزم بها المسلمين ، بل ترك لهم حرية اختيار الصيغ والنظم السياسية التي تلبى احتياجاتهم المتغيرة بتغير الزمان والمكان شريطة الالتزام بمجموعة من القيم العليا التي هي في جوهرها القيم التي يستند إليها النظام الديمقراطي مثل الحرية والعدالة والمساواة والشورى واحترام الكرامة الإنسانية (11) ، على الرغم من ذلك فإن الإسلام ، بتأثيراته الثقافية والاجتماعية ، طُرح من قبل كثير من الباحثين والسياسيين كعامل رئيسي لتكريس الاستبداد وإعاقة الديمقراطية ، ولذا راحوا يؤكدون على أن الأخذ بالعلمانية هو أحد المتطلبات الجوهرية لتفكيك الاستبداد وبناء الديمقراطية في العالمين العربي و الإسلامي (12) .
وقد انتهت إحدى الدراسات إلى أن أحد سببين لغياب الديمقراطية في الوطن العربي يتمثل في : "سيطرة العقيدة والتقاليد الاستبدادية المرتبطة بثقافة سياسية إسلامية قديمة أو لم يتم تجديدها ، ولاتزال تعمل عملها في سلوك المجتمعات وخياراتها السياسية ....وتبدو الثقافة الإسلامية من هذا المنظور ماهية ثابتة ومناقضة للديمقراطية في الجوهر بسبب ماتطبعه في الفرد من خصائص تدفع إلى الاعتماد على القوة الغيبية والتسليم لها ونبذ التفكير العقلاني وتشجيع التعلق بالأساطير .... بالتأكيد يلعب التفسير السائد للإسلام اليوم ، وهو تفسير محافظ ومعاد للغرب وقيمه الثقافية والسياسية معاً ....دوراً كبيراً في عرقلة نشوء وعى ديمقراطي صحيح أو إبطائه أو تشويشه ، خاصة عندما يظهر الديمقراطية بالنسبة لقطاع من الرأي العام وكأنها معادية للدين " (13) .
وفى ضوء ماسبق ، يمكن القول : إن هناك ظاهرتين أسهمتا في تكريس الاستبداد وغياب أو ضعف الديمقراطية في الواقع العربي المعاصر ، ولايمكن فهمهما بمعزل عن تأثيرات الثقافة السياسية العربية ، إلى جانب تأثيرات عوامل أخرى بالطبع . وتتمثل الظاهرة الأولى في عدم تجذر مفهوم وقيم الديمقراطية لدى التيارات السياسية والفكرية الرئيسية في الوطن العربي والمتمثلة في التيار القومي ، والتيار الإسلامي ، والتيار الماركسي، والتيار الليبرالي . أما الظاهرة الثانية فتتمثل في تدنى قيمة الديمقراطية ضمن أولويات العامة من المواطنين العرب بما يعنى أن الديمقراطية في الوطن العربي لاتزال قضية نخب في المقام الأول ولاتشكل قضية جماهيرية ملحة .
وبالنظر إلى خارطة التيارات السياسية الرئيسية في الوطن العربي يتضح أن الديمقراطية لم تكن من بين أولويات التيار القومي ، حيث قبل مقايضتها بقضايا أخرى مثل الاستقلال الوطني والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية وتحرير فلسطين . ونظراً لذلك فإن الحركات القومية لم تمارس الديمقراطية داخلها ، كما أن النظم القومية لها سجل طويل في قمع الحقوق والحريات ، ومصادرة مبدأ تداول السلطة ، ورفض التعددية السياسية والفكرية ، ولذلك " يبقى القاسم المشترك بين أغلبية التجارب القومية هو ليس فقط عدم إعارة أي اهتمام جدي للديمقراطية ، ولكن التوغل في الدكتاتورية وسحق الحركات السياسية النشطة وتغييب المشاركة الجماهيرية الفعالة عن كل من الصعيد السياسي والاقتصادي والفكري .... فالحركات القومية هي التي ابتدعت الممارسات السياسية الحديثة في المنطقة العربية ، إذ أنها هي التي تفننت في إفراغ الوعاء الديمقراطي من أي محتوى جدي له .... نتيجة لكل ذلك فإن الذي أصاب الشعوب في ظل هذه التجارب هو فقدان الموازين الخلقية والشعور بالمسؤولية ، وحتى مجرد التصور أن للمواطنين دوراً في ظل هذه الأنواع من الأنظمة " (14) .
أما بالنسبة للتيار الماركسي فإن موقفه من قضية الديمقراطية معروف ، حيث يرفضها باعتبارها أداة توظفها الطبقة المسيطرة والحاكمة في استغلال بقية الطبقات ، ولذلك فإن " الأحزاب الموصوفة عادة بأنها يسارية – سواء أكانت قومية أم اشتراكية أم شيوعية – لم تستبعد الديمقراطية من برامجها ومن ممارساتها فحسب ، بل قامت أيضا في نمط اشتغالها بالذات ، وفى نمط تعقلها لذاتـــــها ولدورها في تغيير الواقـــع على أساس ناف للديمقراطية " ( 15) .
وفيما يتعلق بموقف التيار الإسلامي ، بروافده المتعددة ، من قضية الديمقراطية ، فالمؤكد أن التيارات السلفية والراديكالية راحت ترفض الديمقراطية وتطعن فيها بحجج عديدة لايتسع المجال للتفصيل فيها ، الأمر الذي قدم للقائلين بوجود تعارض مبدئي بين الإسلام والديمقراطية إحدى المبررات لتسويغ وجهة نظرهم التي ترى بأن على العرب والمسلمين الاختيار بين الإسلام و الديمقراطية (16) .
أما التيار الليبرالي ، فهو تعرض للمحاصرة والتضييق شأنه شان التيارات الأخرى في ظل السياسيات السلطوية التي انتهجتها النظم الحاكمة في مرحلة مابعد الاستقلال ، مما أدى إلى محدودية قواعده الاجتماعية في معظم الدول العربية ، وقلص من تأثيره على العملية السياسية في هذه الدول (17) .
وعلى الرغم من أن التيارات سالفة الذكر اتجهت إلى مراجعة مواقفها من قضية الديمقراطية على مدى العقدين الماضيين ، إلا أن تأثيرها في تفكيك بنى وهياكل الاستبداد في البلاد العربية وتكريس قيم الديمقراطية لدى الجماهير لايزال محدوداً ، وبخاصة في ظل القيود السياسية والأمنية والإدارية المفروضة على الأحزاب والحركات المعبرة عن هذه التيارات من ناحية ، وكثرة المشكلات البنيوية الداخلية التي تعانى منها من ناحية أخرى . ومن أبرز هذه المشكلات مشكلة غياب أو ضعف الالتزام بتطبيق الديمقراطية على الصعيد الداخلي سواء فيما يتعلق بشغل المناصب الرئيسية في الحزب أو صنع القرار الحزبي ، أو إدارة الخلافات الداخلية .
وقد ترتب على ذلك كثرة الصراعات والانشقاقات في صفوف أحزاب وحركات تنتمي إلى كل من التيارات المعنية . كما أن ذلك ألقى بظلال من الشك حول مصداقية كثير من أحزاب وحركات المعارضة عندما تطالب بالديمقراطية على صعيد النظام السياسي ، باعتبارها لاتلتزم بتطبيق الديمقراطية في إدارة شؤونها الداخلية ، كما أن رؤساء بعضها يتأبدون في مناصبهم شأنهم شأن رؤساء الدول . وبلغة أخرى فإن ممارسات كثير من أحزاب وحركات المعارضة في عديد من الدول العربية قدمت – وتقدم – دلائل على أن المعارضة على شاكلة الحكم ، وهى إفراز لنفس الثقافة السياسية التي تقوم على التسلط والاستبداد ، وبالتالي فإنها لاتشكل حتى الآن بديلاً ديمقراطياً مقنعاً لهذه النظم .
ومن المناسب في هذا المقام الإشارة إلى دور الأحزاب والحركات والجمعيات الإسلامية المعتدلة التي نبذت العنف ، وأعلنت قبولها بالديمقراطية والتعددية السياسية ، وانخرطت في ممارسة العمل السياسي في إطار النظم القائمة ، حيث تمكنت هذه الحركات من تحقيق مكاسب سياسية ملحوظة في ظل حالة الانفتاح السياسي التي شهدتها بعض الدول كما هو الحال في الأردن واليمن والمغرب ومصر وفلسطين . وتجدر الإشارة إلى أن الفوز الكبير الذي حققته جماعة الإخوان المسلمين في مصر خلال الانتخابات التشريعية إلى أُجريت خلال عام 2005 ، والفوز الساحق التي حققته حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في انتخابات يناير 2006 ، والذي مكنها من تشكيل الحكومة الفلسطينية بمفردها ، قد جاء في جانب منه كمحصلة للتصويت الاحتجاجي ضد الحزب الوطني الديمقراطي الذي يحتكر الحياة السياسية في مصر منذ تأسيسه في عام 1978 في الحالة الأولى ، و ضد حركة فتح التي كانت تحتكر السلطة الوطنية الفلسطينية منذ قيام هذه السلطة في الحالة الثانية ، ففي الحالتين تردى مستوى الأداء الحكومي ، واستشرى الفساد ، مما أدى إلى تفاقم حدة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي ألقت بضغوط كبيرة على قطاعات واسعة من المواطنين وبخاصة الفقراء ومحدودي الدخل ، بل وكثير من شرائح الطبقة الوسطي . وبالطبع فإنه لايمكن إغفال تأثير كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في تحجيم شعبية السلطة الوطنية الفلسطينية بسبب تواصل الممارسات العدوانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ، وبسبب الضغوط المستمرة التي دأبت الدولتان على ممارساتها ضد هذه السلطة الوطنية الفلسطينية للحصول على المزيد من التنازلات منها.
أما بالنسبة لظاهرة تدنى قيمة الديمقراطية ضمن أولويات المواطنين العرب ، فقد قام الباحث في دراسة سابقة له برصد وتحليل عدد من الدراسات الميدانية التي تناولت هذا الموضوع ، والتي ظهرت تباعاً منذ عام 1980، وقد شمل كل منها مجموعة من الدول العربية ، تفاوت عددها من دراسة لأخرى ، كما تم تحليل بعض الدراسات الميدانية التي تناولت دول عربية بعينها . وقد خلصت هذه الدراسات إلى أن قضية غياب الممارسة الديمقراطية احتلت مرتبة دنيا في نظر المواطنين العرب كأحد الهموم والتحديات التي تواجه الوطن العربي ، كما أنها احتلت مرتبة دنيا ضمن قائمة الأسباب التي أدت إلى تدهور الأوضاع في العالم العربي و خلقت مايُعرف بـ " المأزق العربي " (18) . وبالإضافة إلى ذلك ، فقد خلصت دراسة حديثة نُشرت في عام 2006 استناداً إلى نتائج استطلاع رأى شمل عينات من 32 دولة عربية وإسلامية ، خلصت إلى أن " الدول العربية تملك مرونة الطلب الأعلى على الديمقراطية ، أي أنها التي ترى المطالب الديمقراطية أقل إلحاحاً مقارنة بغيرها ، وهو مايساعد كثيراً النخب الحاكمة على ألا ترواح عملية الانفتاح السياسي المحدود والتكتيكي إلى التحول الديمقراطي الليبرالي . فالاستعداد للتضحية من أجل الحقوق السياسية في الدول العربية ضعيف إذا ماقُورن بالاستعداد للتضحية بين المجتمعات المسلمة غير العربية " (19) .
وفى ضوء ماسبق، يتضح أن الديمقراطية لاتشكل مطلباً اجتماعياً وسياسياً ملحاً لدى قطاعات واسعة من العرب ، ولذلك هي تظل قضية نخب سياسية وفكرية وأكاديمية وليست قضية جماهيرية شعبية . وهذا لايعنى أن المواطنين العرب هم بطبيعتهم ضد الديمقراطية أو يقفون منها موقف الرفض والعداء، ولكن مرده أن هناك قضايا وهموم أكثر إلحاحاً تفرض نفسها على المواطن العربي العادي، وخاصة تلك المرتبطة بحاجات أساسية ومتطلبات حياتية مثل التعليم والرعاية الصحية والسكن والانتقال وفرص العمل...الخ . كما أن غياب أو ضعف إدراك المواطن العربي العادي لأهمية الديمقراطية كأفضل نظام سياسي يمكن في إطاره بلورة حلول للمشكلات المجتمعية التي تواجهه يعتبر من الأسباب الرئيسية التي تجعل الديمقراطية لاتشكل مطلباً أساسياً وملحاً بالنسبة له .
وهذا الوضع لايمكن فهمه أو تفسيره بمعزل عن الممارسات التسلطية التي دأبت عليها النظم الحاكمة ، واحتكارها الكامل أو شبه الكامل لمؤسسات ووسائل التنشئة السياسية من تعليم وإعلام وثقافة وخلافه ، وارتفاع معدلات الأمية في كثير من الدول العربية ، وتفاقم حدة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية بكل ماتتركه من تأثيرات سلبية على الطبقات الدنيا وحتى الطبقة الوسطي ، فضلاً عن هشاشة وضعف أحزاب وقوى المعارضة وعجزها عن استقطاب قطاعات واسعة من المواطنين في صفوفها . وكل ذلك وغيره كرس لدى المواطن العربي قيماً سلبية مثل الشك في السلطة ، والعزوف عن المشاركة السياسية ، وهو ما يتجلى بوضوح في تدنى نسبة المشاركة في الانتخابات العامة ، وضعف الإقبال على الانخراط في عضوية الأحزاب السياسية ... الخ .
كما أن غياب أو ضعف ثقافة احترام حقوق الإنسان يمثل مكوناً هاماً في بنية ثقافة التسلط والاستبداد في الوطن العربي ، حيث أن الممارسات التسلطية للنظم الحاكمة تقوم في جانب هام منها على انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان سواء الحقوق السياسية والمدنية أو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، وهذا واقع قائم تعرفه الدول العربية بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة ، وتعكسه التقارير الدولية والعربية والوطنية المعنية بحقوق الإنسان . ومثل هذه الأوضاع لاتساعد على انتشار الوعي بحقوق الإنسان لدى العامة ، كما أنها لاتساعد على خلق ثقافة احترام حقوق الإنسان سواء من قبل أجهزة الدولة ومؤسساتها أو من قبل بعض القوى والتيارات التي تنتهك حقوق عناصر وفئات أخرى في المجتمع . ولذلك فإن تكريس ثقافة احترام حقوق الإنسان لايتحقق إلا في إطار عملية تحول ديمقراطي حقيقي ، يكون احترام حقوق الإنسان أحد مرتكزاتها الرئيسة (20) .
وبالإضافة إلى ماسبق ، فقد أدى تراكم خبرات التسلط والاستبداد إلى بروز ظاهرة "النفاق السياسي" الذي أصبح يمثل قيمة سلبية بالغة الخطورة في الغالبية العظمى من الدول العربية ، باعتبار أن النفاق هو الوجه الآخر للمصارحة والمكاشفة . وفى هذا السياق ، نجد أن وسائل الإعلام ، المقروءة والمسموعة والمرئية ، المحتكرة بشكل كامل أو شبه كامل من قبل الدولة تسبح ليل نهار بحمد الحاكم ، وتشيد بإنجازاته العظيمة ، وقراراته الصائبة ، ورؤيته الحكيمة . كما أن الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة يحرصون على أن يُرجعوا كل القرارات التي يتخذونها أو الأعمال التي يقومون بها إلى توجيهاته السديدة ، وكأنه مطلوب من رئيس الدولة أن يوجه في جميع المجالات وبشأن كل القضايا . وفى ظل هذه الأوضاع فقد تحول قطاع من المثقفين إلى مجرد شعراء بلاط يكتبون ويدبجون القصائد والمقالات والكتب التي تشيد بأمجاد الحاكم . ولعل ظاهرة الأغاني التي تمجد الحكام على النحو الموجود في العالم العربي تكاد أن تكون خصوصية عربية بامتياز .
وفى ظل هذه الممارسات التي تشكل بعداً هاماً في صناعة الاستبداد فقد أصبح الحاكم فوق النقد ، وأصبحت قراراته لاتقبل المراجعة ، وعلى جميع المعنيين تنفيذها وتبريرها . والمشكلة أن النفاق لم يعد قاصراً على مستوى رئيس الدولة، بل امتد إلى المستويات الأدنى ، وأصبح كل مسؤول تقريباً بمثابة "رئيس" في إطار وزرته أو إدارته أو الجهة التي يتولى مسؤوليتها ، وأصبح ينتظر من مرؤوسيه أن ينافقوه كما ينافق هو المسؤول الأعلى منه . وبالطبع فإن من يخرج عن هذه الدائرة البائسة من النفاق ، فلن يجد له مكاناً ضمن المحظوظين والمقربين الذين يجيدون فنون النفاق ، بل يمكن أن يتعرض لأشكال من العقاب .
وبناءً عليه ، يمكن القول : إن مستقبل الديمقراطية في الوطن العربي يتوقف في جانب هام منه على مدى النجاح في تأسيس مفهوم الديمقراطية بما يتضمنه من قيم لدى التيارات السياسية الرئيسية بحيث تصبح الديمقراطية التزاماً أصيلاً ونهائياً لهذه التيارات ، وتأسيسه كذلك في وعى المواطن العربي العادي ، بحيث يصبح هناك قبول عام أو شبه عام بالديمقراطية وإدراك لأهميتها وجدواها باعتبارها تمثل مصدراً لشرعية السلطة ، وإطاراً مؤسسياً للمشاركة السياسية ، وتوفير ضمانات احترام حقوق الإنسان ، فضلاً عن كونها أفضل صيغة سياسية يمكن في إطارها حل الصراعات والخلافات بطرق سلمية ، وكذلك صياغة حلول فعالة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعانى منها المجتمعات العربية . وهنا تبرز مسؤولية النخب المثقفة ، والتنظيمات السياسية المعارضة ، والمنظمات الطليعية في المجتمع المدني بشأن نشر قيم الديمقراطية والتبشير بها ، وتدريب أعضائها على المشاركة في الحياة السياسية والانخراط في العمل العام . وحتى يكون لدورها هذا مصداقية فلابد لقوى المعارضة وتنظيمات المجتمع المدني من أن تقدم القدوة والمثل في تطبيق الديمقراطية على الصعيد الداخلي لكل منها ، وكذلك في إدارة العلاقات فيما بينها .
ثانياً : ثقافة الفساد واللامسؤولية مقابل ثقافة الشفافية والمساءلة
على الرغم من تعدد تعريفات مفهوم الفساد ، إلا أنه يشير في أوسع معانية إلى استغلال الوظيفة العامة أو الرسمية في تحقيق مصالح خاصة بالمخالفة للقانون ، وهذه المصالح الخاصة قد تكون شخصية أو عائلية أو فئوية أو طائفية أو حزبية . وبذلك ينطوي الفساد على معنى الانحراف بمهام ومقتضيات الوظيفة العامة ، بحيث يتم استغلالها من قبل شاغليها في تحقيق مصالح خاصة بدلاً من المصالح العامة ، مما يعنى أن جوهر الفساد هو التضحية بالعام لحساب الخاص . ويعتبر الفساد ظاهرة مجتمعية متشابكة ، حيث تتم ممارساته في عديد من المجالات والقطاعات ، فهناك الفساد السياسي ، والفساد الإداري والمالي ، والفساد الاقتصادي ... الخ . كما يُعد الفساد ظاهرة عالمية تعرفها مختلف دول العالم ، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة . ويتمثل الفارق بين دولة وأخرى بهذا الخصوص في حجم الفساد وطبيعته من ناحية ، والأساليب التي يتم انتهاجها في كشفه والتعامل مع مرتكبيه من ناحية أخرى . وأسوأ وضع هو أن يتحول الفساد إلى ظاهرة بنيوية ، أي يصبح مرتبطاً بسياسات النظام الحاكم ، وجزءاً من آليات عمل أجهزة الدولة ومؤسساتها ، وهذا هو حال معظم الدول العربية (21) .
وهناك العديد من المؤشرات والظواهر التي تؤكد على أن الفساد أصبح يمثل جزءاً من بنية الدولة القطرية العربية في كثير من الحالات ، أي تحول إلى مؤسسة ، حيث يعشعش في أجهزة الدولة ومؤسساتها ، وينخرط في ممارسته بشكل مباشر أو غير مباشر أعداد من شاغلي المناصب السياسية والإدارية والاقتصادية العليا في الدولة ، وهو ما يطلق عليه البعض اسم "فساد القمة " أو "الفساد الكبير" ، ومن المؤكد أن "فساد القمة" يؤدي إلى انتشار " الفساد الصغير" ، وهو الذي تتم ممارسته على مستويات إدارية ووظيفية أدنى . ولذلك فإن ظواهر دفع الرشاوى والعمولات والاتجار بالوظيفة العامة والمحسوبية والتحايل على القوانين وتزوير الانتخابات ... الخ أصبحت من الممارسات الشائعة في الغالبية العظمى من الدول العربية (22) . ومن المُلاحظ أن الحديث عن الفساد في الوطن العربي لم يعد قاصراً على تقارير منظمة الشفافية العالمية المتعلقة بالفساد ، كما لم يعد قاصراً على البيانات والمعلومات التي تنشرها أحزاب وقوى المعارضة والصحافة المستقلة في بعض الدول العربية عن بعض وقائع الفساد وممارساته ، بل إن النظم الحاكمة في بعض الدول ، ورغم أن سياساتها وممارساتها هي السبب الرئيسي لاستشراء الفساد ، فقد راحت تقر بوجود الفساد على نطاق واسع ، واتجهت نحو تعزيز شرعيتها على قاعدة رفع شعار محاربة هذا الفساد كما هو الحال في دول مثل الأردن والكويت والجزائر ومصر والمغرب وسوريا واليمن (23) .
وتتمثل أهم مكونات "اقتصاد الفساد" في الوطن العربي في " التهرب الضريبي لاسيما في مجال الأعمال ، وتخصيص الأراضي من خلال قرارات إدارية علوية ، تأخذ شكل العطايا لتستخدم فيما بعد في المضاربات العقارية ، والمحاباة والمحسوبية في التعيينات الوظيفية الكبرى ، وإعادة تدوير المعونات الأجنبية للجيوب الخاصة ... ، وقروض المجاملة التي تمنحها المصارف بدون ضمانات جدية لكبار رجال الأعمال ، وعمولات عقود البنية التحتية وصفقات السلاح ، والعمولات أو الإتاوات التي يتم الحصول عليها بحكم المنصب "ريع المنصب " ، ورشوة رجال الصحافة والنيابة والقضاء وجهات الأمن عن طريق الرشوة النقدية والعينية وغيرها من المدفوعات الخفية لتسهيل مصالح غير مشروعة والحصول على امتيازات خاصة " (24) .
ويُعتبر استشراء ظاهرة الفساد في عديد من الدول العربية محصلة لمجموعة من العوامل المتداخلة منها : شيوع ظواهر التسلط والاستبداد ، ورغم أن الفساد ليس حكراً على النظم التسلطية فقط ، حيث تعرفه النظم الديمقراطية كذلك ، إلا أن الفارق الجوهري بين الحالتين يتمثل في كون آليات الديمقراطية تسمح بالكشف عن ممارسات الفساد ، ومحاسبة المسؤولين عنها مهما كانت مناصبهم أو مواقعهم الرسمية ، فسيادة القانون والشفافية والمساءلة والمحاسبة من العناصر الرئيسية لأي نظام ديمقراطي حقيقي ، بل إن آليات الممارسة الديمقراطية تسمح بتغيير النظام الذي يتورط بعض رموزه في الفساد أو الذي يعجز عن كبح جماح الفساد ، تغييره بطريقة سلمية من خلال انتخابات حرة ونزيهة ، أما في النظم التسلطية ، فإن ممارساتها القائمة على مركزية السلطة ، وقمع المعارضة ، وتقييد حرية الرأي والتعبير ، وتهميش استقلال القضاء ، وإخضاع المجتمع المدني لسيطرة الدولة وهيمنتها ... الخ تخلق بيئة ملائمة لتنامي ظواهر الفساد ، حتى وإن تمكنت بعض النظم التسلطية من ضبط الفساد فإن ذلك يمثل الاستثناء وليس القاعدة . وهكذا ، فإن غياب حكم القانون ، وانعدام أو ضعف دور أجهزة الرقابة والمساءلة والمحاسبة على المستويين الرسمي والشعبي سواء تمثلت في الأجهزة الرقابية والمحاسبية أو البرلمان أو القضاء المستقل أو أجهزة الإعلام الحرة أو الرأي العام ، إنما يسمح بتفشي ظواهر الفساد في الدول العربية .
كما أن الفساد في الدول العربية يعكس حقيقة العلاقات المتداخلة والمشبوهة بين السلطة والمال في معظم هذه الدول . ويتمثل أحد تجليات هذه العلاقات في اتجاه رأس المال الطفيلي الذي نما بشكل ملحوظ في عديد من الدول خلال العقدين الأخيرين ، اتجاهه إلى إفساد أجهزة الدولة ومؤسساتها بل وتخريبها في سبيل تعظيم أرباحه ومكاسبه من خلال الانخراط في أنشطة وممارسات غير مشروعة ، يدخل معظمها في باب الجريمة الاقتصادية . كما يقوم بعض شاغلي المناصب السياسية والإدارية بممارسة الفساد لتحقيق مصالح شخصية أوعائلية سواء أكانت مادية أو غير مادية ، ومن هنا تنشأ شبكة معقدة من العلاقات بين السلطة والمال ، تقوم على كسر القانون أو التحايل عليه من أجل تحقيق مصالح خاصة .
وبالإضافة على ماسبق ، فإن استشراء الفساد السياسي يقترن في العادة بصياغة قوانين تسمح بممارسة الفساد في مجالات أخرى ، حيث تتضمن الكثير من الثغرات التي تستغلها قوى وعناصر الفساد ، فالبرلمانات التي يتم تشكيلها بالتزوير من قبل السلطة التنفيذية ، والتي يهيمن عليها حزب واحد ، لايُنتظر منها أن تقوم بدور بارز في إصدار تشريعات فعالة تشكل ركيزة لمحاربة الفساد ، أو القيام بدور فعال في مراقبة أعمال السلطة التنفيذية ومساءلتها ، ومن هنا يتمثل دورها الرئيسي في إضفاء المشروعية على مشروعات القوانين التي تتقدم بها الحكومة . وأكثر من هذا فإن بعض نواب هذه البرلمانات انخرطوا في ممارسة الفساد ، ولعل مشكلة "نواب الكيف" ، و"نواب القروض" التي عرفها البرلمان المصري ليست بعيدة عن الأذهان . وعموماً ، فإنه حتى في حال وجود قوانين تجرم الفساد ، فإن العبرة في النهاية تتعلق بمدى الالتزام والفاعلية في تطبيق هذه القوانين ، وتأكيد مبدأ سيادة القانون ، وهذا أمر لاتعرفه معظم الدول العربية إلا بشكل جزئي في أفضل الأحوال .
كما لايمكن فهم الفساد ، وبخاصة "الفساد الصغير" بمعزل عن تدنى مستويات دخول الموظفين العاملين في الحكومة والقطاع العام في عديد من الدول العربية ، وبخاصة في ظل الارتفاع المتواصل في الأسعار ونفقات المعيشة ، مما يدفع قطاعات من الموظفين إلى الاتجار في الوظيفة العامة بأشكال مختلفة تحت ضغط الحاجة لسد الفجوة بين دخولهم الرسمية من ناحية ومتطلبات تلبية احتياجاتهم واحتياجات أسرهم من ناحية أخرى . ولاشك في أن النظم والإجراءات البيروقراطية المعقدة المعول بها في عديد من الدول العربية تساعد على رواج مثل هذه الممارسات ، حيث تساعد الموظف على أن يعطل تقديم الخدمة أو يؤخرها ، وأن يعلق تقديمها على حصوله على منفعة خاصة قد تكون رشوة مادية أو معنوية أو غير ذلك (25) .
وعلى الرغم من كثرة الآثار السلبية التي تترتب على انتشار الفساد السياسي والإداري في العديد من الدول العربية ، فإن الدراسة تكتفي بالتأكيد على أن الفساد يلتهم عوائد خطط و برامج التنمية ، ويحول دون نمو بيئة مشجعة وجاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية ، مما يؤثر سلباً على إمكانية النمو الاقتصادي . ولذا فمن المؤكد أنه لا يمكن تحقيق تراكم تنموي حقيقي في ظل استشراء الفساد ، فكم من مشاريع تنموية في دول عربية توقفت أو لم تحقق الأهداف المرجوة منها بسبب ما شاب تنفيذها من عمليات فساد . كما أن الفساد يؤدى إلى تعميق حدة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع من خلال الإخلال بمبدأ العدالة في توزيع الخدمات والثروات والفرص بصفة عامة ، كما يشكّل عاملاً أساسياً في خلق بيئة ملائمة لتنامي ظواهر التطرف والعنف والجريمة ، ولذلك فإن وضع حد للفساد يعتبر من المداخل الرئيسية لاقتلاع جذور التطرف والإرهاب (26) .
وبالإضافة إلى ماسبق ، فإنه لا يُنتظر من دولة يشكل الفساد عنصراً في بنيتها المؤسسية أن تتبنّى نهجاً ديمقراطياً حقيقياً وجاداً ، لأن الديمقراطية تعني إلى جانب أشياء أخرى المسؤولية والرقابة والمحاسبة والشفافية وحكم القانون ، بينما الفساد يتنافى مع كل هذه الأشياء ، بل لا يستشري إلا في حالة غيابها أو عدم فاعليتها . ومن هنا تحرص قوى الفساد على تخريب أجهزة الدولة وإفسادها ، وانتهاك سيادة القانون وهدر قيمته ، فضلاً عن تعطيل بعض الممارسات المرتبطة بالديمقراطية مثل الانتخابات التشريعية . وفى هذا السياق ، يمكن فهم وتفسير الدور السلبي الذي لعبه المال الخاص في التأثير على الانتخابات التشريعية التي شهدتها بعض الدول العربية خلال السنوات الأخيرة مثل مصر وغيرها ، حيث لم يعد دوره قاصراً على تمويل الحملات الانتخابية حسب القانون ، بل أُستخدم على نطاق واسع لشراء الأصوات ، وتقديم رشاوى انتخابية ، بل واستئجار بلطجية لممارسة العنف لحساب بعض المرشحين (27) .
وبناءً عليه ، يمكن القول : إن الفساد أصبح يشكل ملمحاً بارزاً للسياسات العربية ، وإذا كان لهذا الفساد آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية على نحو ماسبق ذكره ، فإن له آثاره على البنية الثقافية للمجتمعات العربية ، حيث تشهد هذه المجتمعات بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة نمو مايمكن تسميته بـ "ثقافة الفساد و اللامسؤولية " مقابل ثقافة " الشفافية والمساءلة " ، مما يكرس ظاهرة غياب أو ضعف الديمقراطية في الوطن العربي باعتبار أن الشفافية والمساءلة وسيادة القانون من المقومات الرئيسية لأي نظام ديممقراطى . وتتجلى أهم أبعاد " ثقافة الفساد واللامسؤولية" في عدد من المؤشرات :
أولها ، أن استشراء الفساد في عديد من المجالات والقطاعات ، أدى بروز منظومة قيمية تبرر الفساد وتجعله سلوكاً مقبولاً ، بحيث يحصل المواطن على الخدمة ، التي غالباً ماتكون مشروعة ، بمقابل يدفعه للموظف ، وهو بذلك يتجنب التعقيدات الإدارية ويوفر على نفسه العناء . والأمر لايقتصر بالطبع على الحصول على خدمة مشروعة ، بل يمتد ليشمل الحصول على مكاسب وخدمات غير مشروعة . وفى ظل هذه الثقافة يتم تصوير الرشوة على أنها مجرد إكرامية ، وتصوير الوساطة على أنها نوع من الالتزام الاجتماعي تجاه الأسرة أو القبيلة أو المنطقة الجغرافية . وهكذا يتم تغييب المعايير القانونية والإدارية المتعارف عليها لتقديم الخدمة ، كما يتم تجاهل المعايير الموضوعية لشغل الوظائف ، لدرجة أن الإعلان عن الحاجة لشغل وظائف أصبح مجالاً للتندر في عديد من الدول العربية باعتبار أن الذين سيتم تعيينهم محددون سلفاً ، وأن الإعلان هو مجرد استكمال للشكل القانوني ليس إلا .
وثانيها ، أن استشراء الفساد ساعد على تكريس قيم سلبية تؤثر سلباً على التنمية والديمقراطية ، ومنها على سبيل المثال : قيم الكسب السريع على طريقة "اخطف وأجرى " ، و" الشطارة" ، و"الفهلوة " ، و"تفتيح المخ" . وبذلك بدأت تنزوي قيم إيجابية مثل قيمة العمل الجاد ، واحترام حقوق الآخرين ، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع ، والحفاظ على المال العام .
وثالثها ، أن شيوع الفساد أدى - ويؤدى - إلى تنامي قيم سلبية مثل عدم احترام القانون ، والتحايل عليه ، وعدم الثقة في الحكومة وأجهزتها ، ومع مرور الوقت يتآكل دور القانون في تنظيم العلاقات سواء فيما بين أفراد المجتمع أو بينهم وبين الدولة ، خاصة وأن هناك عوامل أخرى تساعد على ذلك منها شيوع ظاهرة بطء إجراءات التقاضي في عديد من الدول العربية ، وضعف الفاعلية في تنفيذ الأحكام القضائية ، مما يجعل الحكم القضائي وكأنه لاقيمة له . وفى هذا السياق فقد أكدت إحدى الدراسات على أن " أخطر ماينتج عن ممارسات الفساد والإفساد هو ذلك الخلل الجسيم الذي يصيب أخلاقيات العمل وقيم المجتمع ، مما يؤدي إلى شيوع حالة ذهنية لدى الأفراد تبرر الفساد وتجد له من الذرائع مايبرر استمراره .... وعندما تتفاقم مضاعفات الفساد مع مرور الزمن ، تصبح الدخول الخفية الناجمة عن الفساد والإفساد هي الدخول الأساسية التي تفوق أحياناً الدخول الإسمية ، مما يجعل الفرد يفقد الثقة في قيمة وجدوى عمله الأصلي .. وبالتالي يتقبل نفسياً فكرة التفريط التدريجي في معايير أداء الواجب الوظيفي والمهني والرقابي .... وفى غمار كل ذلك يفقد القانون هيبته في المجتمع .. لأن المفسدين يملكون تعطيل القانون .. وقتل القرارات التنظيمية في المهد .وعندما يتأكد للمواطن العادي ، المرة تلو المرة ، أن القانون في سبات عمق ، وأن الجزاءات واللوائح لاتُطبق ضد المخالفات الصريحة والصارخة لأمن المجتمع الاقتصادي والاجتماعي ...فلابد للمواطن العادي أن يفقد ثقته في هيبة وسلطان القانون في المجتمع ، وتصبح مخالفة القانون هي الأصل واحترام القانون هو الاستثناء " (28) .
ورابعها ، أن ضعف إجراءات المساءلة والمحاسبة وبخاصة بالنسبة لشاغلي المناصب العليا في عديد من الدول العربية ، قد أدى إلى تكريس ثقافة اللامسؤولية ، فإذا كانت السلطة تقابلها مسؤولية ، فإن الصلاحيات الواسعة المنوحة لكثير من شاغلي المناصب العليا في أجهزة الدولة ومؤسساتها لايقابلها مسؤولية حقيقية ، وحتى في حال وجود هذه المسؤولية على الورق ، فإن المسؤولين الكبار عادة لايقعون تحت طائلتها ، حيث جرى العمل في كثير من الدول وفى مقدمتها مصر على تقديم موظفين صغار للمساءلة والمحاكمة في حال حدوث مخالفات جسيمة أو كوارث ، بحيث يكونوا بمثابة كبش الفداء . وحتى في حالة تقديم بعض المسؤولين الكبار للمحاكمة لاتهامهم في قضايا فساد ، فإن ذلك غالباً مايتم بعد خروجهم من مناصبهم . وكل هذا وغيره أسهم في تنامي "ثقافة اللامسؤولية " ، حيث يندر أن تجد مسؤولاً كبيراً في دولة عربية يستقيل من منصبة في حالة ثبوت فشل السياسية التي تنفذها الوزارة أو الجهة التي يترأسها أو في حال وقوع كوارث وأخطاء كبيرة ضمن نطاق مسؤوليته ، فالمسؤولون الكبار وبخاصة من شاغلي المناصب السياسية يُقالون ولايستقيلون على نحو مايحدث في بلدان أخرى ، حيث يستقيل المسؤول الكبير سواء من باب الشعور بالمسؤولية السياسية والأدبية عن أخطاء وممارسات وقعت في دائرة عمله ، حتى وإن لم يكن مسؤولاً عنها بشكل مباشر ، أو من باب اختلافه مع توجهات الحكومة وسياساتها .
ثالثاً : ثقافة التطرف والعنف مقابل ثقافة الاعتدال والحوار
من المؤكد أن ظواهر التطرف والعنف ليست حكراً على المنطقة العربية ، بل تعرفها مختلف مناطق العالم بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة . ويتمثل الفارق بين منطقة وأخرى في حجم وطبيعة هذه الظواهر من ناحية ، وسياسات التعامل معها بقصد معالجتها أو الحد منها من ناحية أخرى . ومع التسليم بهذه الحقيقة يمكن القول : إن ظواهر التطرف والعنف تُعتبر من السمات الرئيسية للسياسات العربية ، حيث انتشرت – وتنتشر – هذه الظواهر بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة في عديد من الدول العربية ، لدرجة أنها أصبحت تشكل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه هذه الدول . وإذا كان التركيز في هذه الدراسة سوف ينصب بالأساس على العنف السياسي ، أي المرتبط بالسياسة وممارستها ، إلا أن الدول العربية تعانى بدرجات من أشكال أخرى للعنف مثل العنف الأسرى والعنف الإجرامي لدرجة أن دولة مثل مصر أصدرت قانوناً لمكافحة البلطجة بعد أن استشرت الظاهرة على نحو أصبح يشكل تحدياً صارخاً لهيبة الدولة وسيادة القانون . ولاتقتصر ممارسة العنف على الأساليب المادية فقط ،حيث أن هناك العنف المعنوي المتمثل في عمليات التهديد والتخويف والتشهير التي يمارسها النظام ضد معارضيه أو العكس ، أو التي تمارسها قوى سياسية واجتماعية ضد بعضها البعض ، ولعل تعبيرات مثل "العمالة" و"الخيانة" و"التبعية لقوى خارجية " ، و"الإضرار بالمصالح الوطنية العليا" وغيرها تُعتبر من التعبيرات الشائعة في قاموس التعامل السياسي في عديد من الدول العربية (29) .
وجدير بالذكر أن ظاهرة التطرف في الوطن العربي لاتقتصر على التطرف الديني ، وإن كان هو الأكثر شيوعاً وتأثيراً ، بل إن التطرف أصبح تعبيراً عن حالة عامة أو ذهنية شائعة تقوم على تجنب الوسيطة والاعتدال وأسلوب الحوار ، فهناك التطرف الرسمي الذي تمارسه النظم الحاكمة ضد قوى وأحزاب المعارضة وتنظيمات المجتمع المدني ، والذي يتمحور حول الإقصاء أو الاستتباع ، وهو يسهم في خلق وتغذية تطرف مضاد من قبل الذين يتم إقصاؤهم أو تهميشهم . وهناك التطرف في مواقف وعلاقات التيارات السياسية والفكرية المختلفة تجاه بعضها البعض ، وهو تطرف تجسده وقائع الصراعات التي حدثت على فترات زمنية مختلفة فيما بين بعض التيارات والقوى السياسية في عديد من الدول العربية . وقد أسهم هذا الواقع تغذية وإعادة إنتاج بعض الثنائيات التي أصبحت تشكل ملامح بارزة للتطور السياسي والثقافي في الوطن العربي مثل ثنائية "العروبة والإسلام" ، و "القطرية والقومية " ، و " الديني والعلماني" ... الخ . وحتى على صعيد الحياة الاجتماعية فإن هناك "التطرف الدنيوي" المتمثل في أنماط حياة الترف والرفاهية المبالغ فيها ، التي تعيشها فئات اجتماعية محدودة في عديد من الدول العربية ، وذلك في الوقت الذي تعانى فيه قطاعات واسعة من سكان هذه الدول ، بما في ذلك الطبقة الوسطي ، من التدهور في مستويات المعيشة ، الأمر الذي يجعل مايسميه البعض بـ "التطرف الدنيوي" مصدراً لاستفزاز الآخرين ، ولتغذية التطرف المضاد .
وفى هذا السياق، يأتي التطرف الديني الذي يتمثل في بروز العديد من الجماعات والتنظيمات التي تتبنى أفكاراً متطرفة ومتشددة ، بعيدة عن روح الوسيطة والاعتدال التي هي جوهر الدين الإسلامي الحنيف ، يأتي ليُشكل مكوناً بارزاً ضمن منظومة سياسية وثقافية تقوم على التطرف . وقد تبنت هذه الجماعات مقولات مثل "الجاهلية " ، و"التكفير " ، مع ملاحظة أن بعضها كفَّر النظم الحاكمة فقط ، وبعضها كفَّر الدولة والمجتمع معاً . وانطلاقاً من أرضية هذا الفكر المتطرف انخرطت بعض الجماعات المتطرفة في ممارسة العنف ضد الدول والمجتمعات . ورغم أن معظم الدول العربية قد عرفت هذه الممارسات بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة ، إلا أن ماحدث في دول مثل مصر والجزائر خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ، وماحدث – ويحدث – في العراق في مرحلة مابعد صدام حسين يعد الأكثر بروزاً في هذا الشأن (30) .
ولايمكن فصل ظاهرة العنف السياسي التي تعرفها الدول العربية بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة عن ظاهرة التطرف ، خاصة وأن كلاً منهما تغذى الأخرى ، فالتطرف ، وبخاصة عندما يأخذ شكل التكفير السياسي أو الديني غالباً مايقود إلى العنف ، والعنف سواء مارسته النظم الحاكمة ضد المواطنين أو ضد فئات وجماعات منهم ، أو مارسته بعض القوى والتنظيمات المعارضة ضد النظم الحاكمة ، أو مارسته بعض القوى السياسية أو الجماعات العرقية أو الطائفية أو الدينية ضد بعضها البعض غالباً ما يؤدى إلى المزيد التطرف السياسي والفكري والديني .
وبصفة عامة، فإن انتشار ظاهرة التطرف في الوطن العربي يُعد محصلة لجملة من العوامل الداخلية والخارجية ، منها على سبيل المثال: رسوخ تقاليد وممارسات التسلط والاستبداد في الحياة السياسية العربية على نحو ماسبق ذكره، ومن المعروف أن النظم التسلطية تعتمد في استمرارها على القوة والقمع وليس الشرعية، وتحرص على تأميم المجتمعات لحسابها، كما تعمد نحو إحكام سيطرتها على الاقتصاد والإعلام والثقافة... الخ ، مما يحول دون إشاعة ثقافة الحوار في المجتمع ، ويلغى أو يقيد من إمكانية مشاركة القوى والتيارات السياسية المختلفة في الحياة السياسة بطريقة سلمية ومن خلال قنوات شرعية وفعالة ، مما يخلق بيئة ملائمة لظهور التطرف والعنف . كما أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عديد من الدول العربية يُعتبر من الأسباب الرئيسية التي تغذى ظواهر التطرف والعنف، وبخاصة في ظل تزايد الضغوط الحياتية على قطاعات واسعة من مواطني هذه الدول، وتفاقم حدة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية فيها، واستشراء الفساد على نطاق واسع في أجهزتها ومؤسساتها.
وبالإضافة إلى ماسبق ، فإن هناك أسباباً أخرى تفسر شيوع ظواهر التطرف والعنف منها حالة التبعية والانكشاف التي يعانى منها الوطن العربي تجاه العالم الخارجي ، وتغول السياسات الإسرائيلية في المنطقة في ظل عجز فاضح للنظم العربية عن صيانة الاستقلال الوطني ووضع حد للعربدة الإسرائيلية في المنطقة ،فضلاً عن السياسة الأمريكية التي تقدم الدعم المطلق لإسرائيل ، وتتجاهل الحقوق والمصالح العربية . وكل هذه الأسباب وغيرها يتعين النظر إليها في ضوء عاملين مهمين يساعدان على انتشار التطرف ومن ثم العنف .
أولهما ، غلبة عنصر صغار السن والشباب على الهياكل السكانية للدول العربية ، فالمجتمعات العربية هي مجتمعات فتية وشابة . ولما كانت مرحلة الشباب بحكم طبيعتها هي مرحلة ثورة وفوران ورفض ، فإن ذلك يجعل الشباب أكثر ميلاً للمثالية ، والرغبة في التغيير. وعندما تفشل النظم الحاكمة وسياساتها في احتواء الشباب وتوفير فرص عمل مناسبة لهم ، وتوظيف طاقاتهم ضمن مشروع وطني للإصلاح والتغيير ، فإن ذلك يجعل قطاعات منهم أكثر قابلية لتبنى الأفكار المتطرفة ، أو الوقوع في براثن المخدرات والجريمة . ومن المعروف أن كل الدول العربية تعانى من مشكلة البطالة بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة ، لكن أخطر مافى هذه الظاهرة أنها تعتصر أهم فئة يمكن أن تكون فاعلة ومنتجة في هذه الدول ، وهى فئة الشباب ، وبخاصة المتعلمين منهم ، وماذا يُنتظر من شاب اجتهد وحصل على شهادة متوسطة أو جامعية ن ثم يجد كل الأبواب موصودة أمامه على نحو لايعطيه حتى الأمل في المستقبل ؟ . وبالطبع سوف تتضاعف معاناة هذا الشاب عندما ينظر حوله فيجد أن الواسطة والمحسوبية والرشوة هي الطرق الأكثر انتشاراً للحصول على وظيفة وليس الكفاءة أو الإنجاز(31) .
وثانيهما ، شيوع نمط تسلطي أو شبه تسلطي للتنشئة الاجتماعية والسياسية في الدول العربية ، حيث أن جميع مؤسسات التنشئة والاجتماعية والسياسية مثل الأسرة والمدرسة والجامعة والنادي والحزب السياسي ووسائل الإعلام وغيرها تطبع الفرد على السمع والطاعة منذ نعومة أظافره ، والشخص الذي يمر بهذه التجربة من التنشئة التسلطية لايصبح قادراً على تكوين رأى أو التعبير عن هذا الرأي ، كما لاتنمو لديه قيم وثقافة الحوار والقبول بالتعدد والاختلاف ، ولاشك في أن ذلك يجعل قطاعات من المواطنين وبخاصة في صفوف الشباب أكثر قابلية للتطرف سواء اتخذ هذا مظهراً دينياً أم سياسياً أم اجتماعياً .
ولقد ترتب على شيوع ظواهر وممارسات التطرف والعنف في الدول العربية بروز ثقافة يمكن تسميتها بـ " ثقافة التطرف والعنف " ، وهى تنطوي على مجموعة من القيم والأفكار والمعتقدات التي تغذى التطرف وتسوغ العنف ، وبخاصة في ظل وجود شرائح اجتماعية على استعداد لتبنى هذه القيم والأفكار والتصرف على أساسها . وتتمثل أهم ملامح "ثقافة التطرف والعنف" فيما يلي :
1. احتكار الحقيقة . يُعتبر الاعتقاد باحتكار الحقيقة من أبرز ملامح ثقافة التطرف والعنف ، حيث أن ذلك يفضى إلى التعصب للرأي والفكر ، ورفض التعدد والاختلاف ، فضلاً عن الوقوع في شرك التكفير السياسي والديني للخصوم . ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما تتجه سلطة حاكمة ، أو جماعة ما ، أو تنظيم سياسي معين إلى فرض الرأي والتصور الذي يتبناه على المخالفين بالقوة . إن الاعتقاد باحتكار الحقيقة يقود إلى تبنى مواقف حدية ، ورفض قيم الحوار والتفاوض والمساومة والقبول بالحلول الوسط ، وكلها من القيم الأساسية للديمقراطية . وتجدر الإشارة إلى منطق احتكار الحقيقة ليس قاصراً على بعض القوى والتيارات السياسية والدينية فحسب ، بل يتبناه كثير من النخب الحاكمة ، التي تعمل وفق قناعة راسخة مفادها أنها الأدرى بمصالح شعوبها ، والأقدر على تحديد ماهية الصالح العام ، ومع تراكم ممارسات هذه النخب تتجذر لديها عقلية استمرار فرض الوصاية على مواطنيها باعتبارهم قاصرين وغير قادرين على معرفة مصالحهم .
2. إقصاء الآخر ، إن منطق احتكار الحقيقة يفضى بالنتيجة إلى إقصاء الآخر أو تهميش دوره، فالنظم الحاكمة التي تحتكر تحديد ماهية الصالح العام والمصالح الوطنية العليا لاتفسح مجالاً للمعارضة السياسية ، بل لاتسمح حتى ببروز وتبلور قوى معارضة تكون فاعلة ومؤثرة ، بحيث تشكل جزءاً من النظام السياسي وتكون شريكاً في العملية السياسية ، وبالتالي فإن أقصى ماتقبل به هذه النظم هو قيام معارضة مستأنسة تضفى على النظام تعددية شكلية زائفة . وبالمقابل فإن قوى المعارضة السياسية والدينية التي تؤمن باحتكار الحقيقة تقوم على إقصاء الآخرين سواء أكانوا في الحكم أو في المعارضة ، مما يكرس من ذهنية الإقصاء والإقصاء المضاد ، والتي تعتبر من الملامح البارزة للعمل السياسي فـي عديد من الدول العربية .
3. النزوع نحو التشدد والتزمت في تفسير بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على نحو يتناقض مع الوسطية والاعتدال اللذين يجسدهما الدين الإسلامي ، وهذا يشكل عنصراً جوهرياً في ظاهرة التطرف الديني التي انتشرت في الوطن العربي خلال العقود الأخيرة ، حيث برزت قوى وجماعات تتبنى مقولات "الجاهلية" و"التكفير" ، وتسلك نهج العنف في التعامل مع الدولة والمجتمع على نحو ماسبق ذكره .
4. التغيير الراديكالي الجذري . نظراً لأن قوى التطرف والعنف ، وبخاصة تلك التي ترفع شعارات دينية لاتؤمن بمبدأ التدرجية في التغيير ، فإنها تسعى من أجل التغيير الراديكالي الجذري للأوضاع القائمة ، ولذا فقد أصبح ذلك يشكل قيمة ضمن بنية "ثقافة التطرف والعنف" التي تعرفها المجتمعات العربية .
رابعاً : ثقافة الفتنة والصراع الداخلي مقابل ثقافة التعايش والسلم الأهلي
من المعروف أن دولاً عربية عديدة تعرضت - وتتعرض - لحروب أهلية أو صراعات داخلية حادة كما هو الحال بالنسبة للصومال ، حيث قادت الحرب الأهلية إلى تفكك الدولة الصومالية ذاتها ، ولبنان الذي عاش حرباً أهلية طاحنة استمرت منذ عام 1975 حتى عام 1990 ، كما تصاعدت حدة التوترات على نحو ينذر بالخطر بين بعض القوى السياسية الرئيسية على الساحة اللبنانية في مرحلة مابعد اغتيال الحريري وانسحاب القوات السورية من لبنان . كما شهد السودان حرباً أهلية استمرت لعقود بسبب مشكلة الجنوب ، وماأن تم التوصل إلى اتفاق بشأن حل هذه المشكلة، حتى تفجرت منذ سنوات مشكلة دارفور بكل توابعها و تداعياتها المعروفة . وبالإضافة إلى ذلك فقد شهد اليمن الشمالي (قبل إعلان الوحدة بين الشطرين عام 1990) حرباً أهلية استمرت من عام 1962- 1967 ، كما شهد حرباً أهلية أخرى في عام 1994 على خلفية الانقسامات الحادة داخل نخبة الحكم . وكان اليمن الجنوبي (السابق) قد شهد حرباً طاحنة في عام 1986بسبب النزاع على السلطة .
وإذا كان العراق قد شهد صراعات داخلية في عهد صدام حسين بسبب مطالب الأكراد واعتبارات أخرى ، إلا أن زيادة حدة الانقسامات بين الشيعة والسنة ، وتفجر أعمال العنف والعنف الطائفي على نطاق واسع في مرحلة مابعد صدام حسين قد خلق وضعاً أقرب مايكون إلى الحرب الأهلية . كما شهدت الساحة الفلسطينية على فترات مختلفة الكثير من المواجهات المسلحة بين بعض الفصائل المتناحرة ، ولعل المواجهات المسلحة التي وقعت بين حركتي حماس وفتح في مرحلة مابعد قيام حماس بتشكل الحكومة الفلسطينية في أوائل عام 2006ليس سوى حلقات في سلسلة طويلة وبائسة من الصراعات الفلسطينية – الفلسطينية . كما عاشت الجزائر أوضاعاً تشبه الحرب الأهلية خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين بسبب المواجهات الدموية الحادة التي جرت بين الدولة الجزائرية وأجهزتها العسكرية والأمنية من جهة وحركات وتنظيمات إسلامية متشددة من جهة أخرى . وبالإضافة إلى هذا ، فقد شهدت مصر خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين سلسلة طويلة من المواجهات الحادة بين قوات الأمن من ناحية ، وبعض التنظيمات الإسلامية المتشددة وبخاصة تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية من ناحية أخرى ، كما أن بعض المواجهات التي تحدث بين فترة وأخرى بين مسلمين وأقباط أصبحت تشكل دليلاً على وجود حالة احتقان طائفي قابلة للتفجر في أية لحظة ، وبخاصة في فشل سياسية الدولة المصرية في تجفيف منابع هذا الاحتقان . كما أن نعرات طائفية بدأت تبرز في كل من الكويت والبحرين خلال السنوات الأخيرة ، وبخاصة في ظل صعود الدور السياسي للشيعة في عراق مابعد صدام حسين (32) .
وبالإضافة إلى ماسبق ، فإن دولاً عربية عديدة تعرف الكثير من الصراعات ليس بين فصائل أو جماعات سياسية مختلفة في انتماءاتها وتوجهاتها ، ولكن بين فئات تنتمي إلى طائفة واحدة ، أو عرق واحد ، أو منطقة جغرافية واحدة . ولعل الصراعات المعروفة في صفوف أكراد العراق ، وكذلك الصراعات داخل بعض الطوائف اللبنانية ، والتي شكلت أحد الملامح البارزة للحرب الأهلية ليست بعيدة عن الأذهان ، ناهيك عن الصراعات والانشقاقات الداخلية التي وقعت في صفوف عديد من الأحزاب السياسية وبعض تنظيمات المجتمع المدني في كثير من الدول العربية ، والتي تشكل علامة بارزة للحياة الحزبية في الوطن العربي . وهى دليل صارخ على غياب أو ضعف الالتزام بالديمقراطية على الصعيد الداخلي في كثير من الأحزاب السياسية في البلاد العربية . ويكفى أن ينظر المرء إلى خارطة الأحزاب السياسية في مصر ليقف على أبعاد هذه الحقيقة بشكل جلي وواضح ، فخلال النصف الأول من عام 2006 تفجر الصراع بشكل حاد داخل حزب الوفد الجديد ، الذي هو أكبر حزب معارض ، وأعرق حزب ليبرالي في البلاد . وهذا الصراع لم يكن سوى حلقة مأساوية في سلسلة من الصراعات التي سبق أن شهدتها أحزاب أخرى مثل حزب العمل الاشتراكي ، وحزب الأحرار الاشتراكيين ، وحزب الغد وغيرها ، مما أدى إلى تجميد بعض هذه الأحزاب (33) .
وفى ضوء ماسبق يتضح أن الحروب الأهلية والصراعات الداخلية الحادة التي شهدتها بعض الدول العربية قد تمركزت بالأساس في دول تتسم بنوع من التعددية المجتمعية المكثفة متمثلة في تعدد القبائل و الأعراق والطوائف والديانات . والمشكلة لاتكمن في وجود هذه التعددية في حد ذاتها ، ولكن في السياسات التي انتهجتها الدول المعنية في التعامل مع تعدديتها ، حيث أخفقت في طرح وتطوير صيغ سياسية ومؤسسية تكون قادرة على احتواء هذه التعددية وتحويلها إلى مصدر قوة وإثراء بدلاً من أن تكون مصدراً للصراعات وعدم الاستقرار . وهذا الوضع لايمكن فهمه بمعزل عن طبيعة الدولة ذاتها ، وطبيعة النخب التي تولت الحكم في مرحلة مابعد الاستقلال ، فبدلاً من أن يتم ترسيخ مفهوم الدولة كإطار سياسي ومؤسسي وقانوني يشمل الجميع ، ويعبر عن مصالح مختلف القوى والتكوينات الاجتماعية ، راحت الدولة في عديد من الحالات تتصرف بمنطق الفصيل المختلف والمتصارع مع فصائل وجماعات أخرى ، بل أحياناً تصرفت بمنطق المليشيا ، مما أفقدها شرعيتها كدولة ، وجعل الولاء الأسمى لجماعات تعيش على أرضها يتجه على كيانات أخرى دون الدولة أو فوقها . وفى هذا السياق ، فإنه بدلاً من أن تتجه النخب الحاكمة التي أصبحت تمتلك سلطة الدولة ، إلى انتهاج سياسات من شأنها احترام حقوق الأقليات وتمكينها من الحصول على نصيب عادل من الثروة والسلطة في إطار مفهوم واحد للمواطنة يتجاوز التقسيمات العرقية والطائفية والدينية ، تم إتباع أساليب تسلطية لقمع مطالب الأقليات المشروعة ، فضلاً عن تبنى سياسات تمييزية ، مما أشعل الحروب الأهلية والصراعات الداخلية استناداً إلى محاور عرقية وطائفية ودينية . وفى هذا الإطار يتعين الإشارة إلى أن هناك أقليات مارست التسلط ضد الأغلبية في بعض الحالات ، وذلك في الدول التي تحكمها عائلات أو نظم تنتمي إلى الأقلية كما هو الحال في سوريا ، والعراق في عهد صدام حسين ، والبحرين (34) .
وقد اقترنت ظاهرة الحروب الأهلية والصراعات الداخلية في الدول العربية ببروز مايمكن تسميته بـ "ثقافة الفتنة والصراع " كمقابل لـ " ثقافة التعايش والسلم الأهلي" ، وهذه الثقافة تتداخل كثيراً مع ثقافة التطرف والعنف ، خاصة وان الحروب الأهلية هي أكثر إشكال العنف الداخلي حدة ودموية ، وهى أكثر انتشاراً في الدول التي تشهد انقسامات رأسية حادة ، بحيث تنشب الصراعات على محاور عرقية وطائفية ودينية . ومن المعروف أن استمرار الصراعات الأهلية لسنوات طويلة إنما يؤثر على قيم وأفكار وسلوكيات الأجيال الجديدة التي تنشأ في ظل هذه الصراعات ، أي يشكل الذاكرة التاريخية لهذه الأجيال ، بحيث يجعلها محملة بكثير من عقد الصراع والمواجهة ، ولاشك في أن إعادة بناء هذه الذاكرة على أسس التعايش والتسامح بعد انتهاء الصراعات إنما يستغرق فترة من الزمن .
وتتمثل أبرز مقومات ثقافة "الفتنة والصراع" في : تعدد الهويات وتصارعها في ظل غياب هوية وطنية تمثل مرجعية جامعة لجميع سكان الدولة بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والطائفية والدينية ، مما يغذى بروز نزعة نحو الشعور بالتفوق والتميز لدى جماعات عرقية تجاه أخرى ، أو لدى معتنقي مذهب معين تجاه غيرهم ، أو من قبل المنتمين إلى دين معين تجاه المخالفين لهم في الدين والمعتقد ، وهو ما يجعل الآخرين يشعرون بالغبن ، ومن ثم يصبحون أكثر استعداداً لحمل السلاح والدخول في مواجهات مسلحة دفاعاً عن هواياتهم و معتقداتهم وانتماءاتهم التي تصبح في نظرهم مهددة .
كما أن "ثقافة الفتنة والصراع" تقوم على ذهنية تآمرية يكون شغلها الشاغل النبش في القضايا الخلافية التي تؤجج المنازعات والصراعات ، وليس البحث عن القواسم المشتركة التي تشكل أسساً للتفاهم والعيش المشترك في ظل مجموعة من المؤسسات والنظم والقوانين التي تحظى بقبول واحترام الجميع . ومن المعرف أن تكرار الصراعات يساعد على خلق فئة من محترفي إثارة الفتن والقلاقل ، مما يغذى هذه الظاهرة . ولعل التجاذبات والصراعات السياسية وغير السياسية التي تشهدها دول مثل العراق ولبنان والسودان في الوقت الراهن تؤكد على هذا المعنى بوضوح .
إن ثقافة "الفتنة والصراع" تقوم على أساس تعدد مصادر وأشكال التحريض والتحريض المضاد التي تمارسها قوى وتيارات سياسية سواء في الحكم أو في المعارضة ، أو التي تمارسها جماعات عرقية أو طائفية أو دينية ضد بعضها البعض ، مما يكرس من الشكوك المتبادلة ويحول دون بناء جسور الثقة والتفاهم بين شركاء الوطن الواحد ، وهو أمر يؤدى إلى انزواء مفهوم الوطن والمواطنة ودولة القانون لحساب المفاهيم والممارسات التي تغذى حالة التخندق السياسي والفكري وتشجع على اندلاع واستمرار الانقسامات والصرعات الأهلية على محاور طائفية وعرقية ودينية وقبلية وجهوية .
وفى المحصلة فإن "ثقافة الفتنة والصراع" تقوم على غياب أو ضعف القبول بالتعددية المجتمعية وكذلك التعددية في الرؤى والمواقف السياسية ، فضلاً عن غياب أو ضعف الالتزام بحل الخلافات والنزاعات المرتبطة بهذه التعددية بأساليب سلمية ، ناهيك عن شيوع ظاهرة تسييس التعددية المجتمعية ، أي تجييرها لتحقيق أهداف سياسية سواء من قبل نظم حاكمة أو قوى معارضة ، مما يغذى من الصراعات الداخلية ، ويزيد من حدتها .
خامساً : ثقافة الهدر والتخبط مقابل ثقافة البناء والترشيد والتخطيط الاستراتيجي
ربما يكون مفهوما "الهدر والتخبط " من أفضل المفاهيم التي توجز أو تلخص أداء النظم السياسية العربية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها ، ورغم كثرة الحديث الرسمي عن الإنجازات في الدول العربية ، إلا أنها تظل إنجازات متواضعة في أفضل الأحوال ، وهذا ما أكدته بوضوح تقارير التنمية الإنسانية العربية للأعوام 2002 و2003 و2004 ، الصادرة عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، والعديد من التقارير الدولية الأخرى الخاصة بالتنمية والتنمية البشرية . وهذه التقارير تعكس في نهاية المطاف واقعاً متردياً لاتخطئه العين في معظم الدول العربية ، حيث تعانى هذه الدول بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة من عديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الحادة والمتزامنة ، والتي باتت تهدد التوازنات الاجتماعية في عديد من هذه الدول (35) .
وهكذا أخفقت النظم العربية في تأسيس مايُعرف بـ " شرعية الإنجاز " ، أي اتخاذ الإنجاز كمصدر رئيسي لشرعيتها ، وهو مصدر لايستغنى عنه أي نظام سياسي مهما كانت المصادر الأخرى التي يعتمد عليها في تأسيس شرعيته ، باعتبار أن القبول الطوعى للمواطنين لحق النظام في ممارسة السلطة والحكم يتوقف في جانب هام منه على قدرته على تلبية احتياجاتهم الأساسية ، ومعالجة المشكلات التي يعانون منها . وفى هذا السياق فإن النظم العربية لم تنجز تنمية اقتصادية حقيقية ، ولم تحقق العدالة الاجتماعية ، ولم تؤسس لحياة ديمقراطية سليمة ، كما أنها لم تتمكن من تحرير فلسطين ، ولامن تحقيق الوحدة العربية ، فضلاً عن عدم قدرتها على صيانة الاستقلال الوطني ، بل أصبحت مستلبة وتابعة للخارج ، وتبحث عن قبول الخارج لها أكثر من اهتمامها ببناء شرعيتها في الداخل ، ولدى مواطنيها .
والشيء الرئيسي الذي نجحت فيه غالبية النظم العربية هو هدر الإماكانات العربية وهى كثيرة ومتنوعة ، وقد تعددت مصارف هذا الهدر ، فهناك النهب المنظم الذي تعرضت له بعض الدول من قبل نخب فاسدة وشرائح رأسمالية طفيلية لايهمها سوى تعظيم مكاسبها على حساب المصالح الوطنية ، وهناك المغامرات والحروب الخارجية التي تورطت فيها بعض النظم ، وهناك المشاريع العمالقة التي استنزفت جانباً هاماً من ثروات بعض الدول دون أن يكون لها مرود حقيقي يوازى حجم الإنفاق عليها ، وهناك الإنفاق المبالغ فيه على السلاح الذي لايوفر الأمن المطلوب لعديد من الدول التي تقتنيه ، أضف إلى ذلك الإنفاق المظهري الذي أصبح يشكل أحد العلل الأساسية التي تعانى منها البيروقراطيات العربية . ولم يقف دور هذه النظم على هدر الثروات والإمكانيات المادية فقط ، بل أهدرت الثروات البشرية التي تشكل رأس المال الحقيقي للدول العربية ، وبدلاً من أن تتبنى السياسيات الملائمة التي تعظم الاستفادة من العنصر البشرى ، فقد تحول البشر إلى عبء ، وكانت المحصلة أن انتشرت البطالة في صفوف الشباب وبخاصة المتعلمين منهم ، وأصبحوا فريسة للتطرف والمخدرات والجريمة .
وفى جميع الحالات فإنه يمكن فهم وتفسير شيوع ممارسات الهدر على نحو أفضل في ضوء رسوخ التسلطية والاستبداد في الدول العربية ، واستشراء الفساد السياسي والاقتصادي والإداري ، وغياب أو ضعف سياسات وإجراءات المساءلة والمحاسبة ، وبخاصة بالنسبة لكبار للمسؤولين . وفى ظل الأوضاع بدأت تبرز منظومة قيمية تشكل جوهر مايمكن تسميته بـ " ثقافة الهدر والتخبط " ، وهى تنتشر في أوساط النخب الحاكمة ودوائر صنع القرار ولدى قطاعات واسعة من القائمين على العمل التنفيذي والإداري . وتتمثل أبرز ملامح هذه الثقافة في : العشوائية والتخبط ، وهما يمثلان نمطاً سائداً للتفكير والسلوك في عديد من الدول العربية ، ويجسدان غياب التخطيط الاستراتيجي العلمي في تحديد الأولويات ، ورسم السياسات ، ومتابعة تنفيذها ، وتقييم مخرجاتها ، كما يجسدان غياب النظرة المستقبلية لدى كثير من النظم العربية ، مما ينعكس على طريقة توظيفها للموارد المتاحة .
ومن ملامح " ثقافة الهدر" ، الهروب عن مواجهة المشكلات الحقيقية التي تواجه المجتمعات ، وهى ما يتمثل في نزوع الحكومات المتعاقبة والأجهزة البيروقراطية في عديد من الدول العربية نحو تأجيل المشكلات الحقيقة أو معالجتها بشكل مؤقت عن طريق المسكنات ، أي لايتم حل المشكلات من جذورها وفق رؤية أو رؤى متكاملة ، ومن خلال تنسيق فعال بين مختلف الأطراف المعنية بالحل والمعالجة ، بل يتم التعامل مع مشكلات رئيسية من خلال تجاهل وجودها بالمرة ، أو من خلال أسلوب الترقيع العشوائي الذي يؤجل المشكلة أو يسكنها ولكن لايحلها ، الأمر الذي أفضى إلى تفاقم مشكلات التعليم والصحة والإسكان والمواصلات وغيرها في عديد من الدول . ومن هنا يصبح على هذه الدول أن تتحمل المزيد من الأعباء والتكاليف لمعالجة مشكلات كان يمكن معالجتها بكلفة أقل لو أن هذه الدول تعاملت مع هذه المشكلات في الوقت المناسب بشكل علمي وتخطيط سليم .
وبالإضافة إلى ماسبق ، فإن الاستهانة بالمال العام تمثل مكوناً رئيسياً في "ثقافة الهدر" ، فعندما تستهين الدولة وموظفوها بالمال العام ولاتقيم له وزناً ، فإن المواطن العادي يفعل نفس الشيء ، ومن ثم تصبح سرقة المال العام وتخريبه مدخلاً لهدر الإمكانيات وتبديد الطاقات والثروات .
إن "ثقافة الهدر والتخبط " تشير في جانب منها إلى غياب أو ضعف الخيال السياسي والإداري لدى النظم الحاكمة في عديد من الدول العربية، ولذا تبدو عاجزة أو محدودة القدرة على تعبئة الإمكانيات المادية والطاقات البشرية من أجل تحقيق النهضة والتنمية، ولذا تبقى أسيرة للبيروقراطية والروتين، والتركيز على الشكليات دون الجوهر، والإدارة اليومية للمشكلات دون امتلاك رؤية استراتيجية للمستقبل، وإهدار الإمكانيات وعدم الاستفادة من الفرص.
سادساً : ثقافة التجزئة والفرقة مقابل ثقافة الوحدة (على الصعيد العربي )
على الرغم من تعدد الروابط التي تجمع بين العرب سواء على صعيد اللغة أو الثقافة أو الدين أو العادات والتقاليد أو التاريخ المشترك ، إلا أن التجزئة والفرقة والخلاف مثلت – وتمثل – ملامح رئيسية للعلاقات العربية – العربية في مرحلة مابعد الاستقلال . وقد اختلف العرب وتصارعوا كثيراً ، بأساليب عسكرية وغير عسكرية ، بسبب قضايا الحدود ، والاختلافات الإيديولوجية والسياسية ، والخلافات الشخصية بين بعض الحكام العرب ، الطموحات الإقليمية متمثلة في تنافس بعض الدول على النهوض بدور الدولة القائد في النظام العربي . كما كان للارتباطات والعوامل الخارجية دورها في إزكاء الخلافات والصراعات العربية – العربية . ومن المفارقات أن القضية الفلسطينية التي هي قضية العرب الأولى قد تحولت إلى قضية الصراع بين العرب بدلاً من أن تكون قضية للوحدة فيما بينهم . ولايتسع المجال لرصد الصراعات التي نشبت بين بعض الدول العربية بسبب القضية الفلسطينية ، ناهيك عن الصراعات التي نشبت فيما بين بعض الفصائل الفلسطينية بهذا الخصوص (36) .
ورغم أن ظاهرة الخلافات والصراعات هي ظاهرة عالمية تعرفها مختلف مناطق العالم ، إلا أن المشكلة في الوطن العربي لاتكمن في وجود مصادر الخلاف والصراع ، ولكن تتمثل في غياب أو ضعف القدرة على إدارة الخلافات والصراعات وحلها بشكل سلمى ، حيث لم تنجح النظم العربية في إرساء تقاليد وقواعد مؤسسية بهذا الخصوص ، ولذلك فإن القدرة على تصعيد الخلافات والنزاعات أصبحت تفوق القدرة على احتوائها وحلها ، كما أن الخلاف حال حدوثه لايظل محصوراً في القضية التي نشب بسببها ، بل يمتد ليشمل مختلف جوانب العلاقة بين الدولتين ، وقد أدى ذلك إلى خلق وتكريس حالة من عدم الثقة في العلاقات بين الدول العربية ، خاصة وأن سجل هذه الدول بشأن التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض هي سجل طويل وحافل . ونظراً لأن القصف الإعلامي والدعائي المتبادل يمثل أحد الأساليب الرئيسية للصراعات العربية – العربية ، فقد أسهم ذلك في خلق وتكريس حساسيات نفسية بين بعض الشعوب العربية ، بل وتسميم العلاقات بين هذه الشعوب .
وفى ضوء ماسبق، يمكن القول : إنه إذا كانت الحروب الأهلية و الصراعات الداخلية الحادة شكلت ملمحاً بارزاً للتطورات الداخلية في عديد من الدول العربية ، فإن العلاقات بين هذه الدول عرفت ماسُمى بـ " الحرب العربية الباردة " ، و" الحرب العربية الباردة الجديدة " ، خاصة وأن العلاقات بين هذه الدول ظلت محكومة بطابع الخلاف وعدم الثقة والهواجس المتبادلة . ولذا أصبحت مقولة " اتفق العرب على ألا يتفقوا " تجسد هذا الوضع وتختصره ، فحتى وإن اتفق القادة العرب وأصدروا قرارات بالإجماع خلال القمم التي يعقدونها ، إلا أنهم اتفقوا ضمناً بل وتواطؤا على عدم الالتزام بتنفيذ هذه القرارات أو تنفيذها بشكل جزئي وانتقائي في أفضل الأحوال ، ولذلك فقد أصبحت ظاهرة عدم التزام الدول العربية بتنفيذ قرارات تمت الموافقة عليها بالإجماع من أبرز معوقات العمل العربي المشترك .
وإذا كانت ثقافة "الفتنة والصراع الداخلي" تمثل ملمحاً بارزاً للأوضاع الداخلية في عديد من الدول العربية ، فإن "ثقافة الفرقة والتجزئة" تمثل ملمحاً رئيسياً للعلاقات فيما بين الدول العربية . وفى هذا السياق ، فقد نمت تيارات سياسية وفكرية انعزالية في عديد من الدول العربية ، راحت تشكك في العروبة وجدواها ، وقد أسهمت ممارسات بعض النظم العربية في تغذية هذه التيارات ، ومن أبرز هذه الممارسات على سبيل المثال إقدام نظام صدام حسين على ابتلاع دولة الكويت وشطبها من على الخارطة في أغسطس 1990 ، الأمر الذي مثَّل كارثة غير مسبوقة في تاريخ النظام العربي منذ تأسيسه ، حيث انقسم العرب بشأنها بشكل حاد ، مما أوجد شروخاً عميقة في العلاقات العربية – العربية ، بل وفى الوجدان العربي ذاته .
وثمة عوامل أخرى عديدة أسهمت في خلق وتغذية ثقافة "الفرقة والتجزئة " ، منها : تعثر وفشل التجارب الوحدوية العربية السابقة ، وغياب أو ضعف اهتمام الدول العربية بتطبيق الاتفاقيات المشتركة الموقعة فيما بينها ، وتزايد ظاهرة انكفاء معظم الدول العربية على همومها ومشكلاتها الداخلية وضعف اهتمامها بالقضايا العربية اللهم إلا على صعيد الاهتمام الإعلامي الشكلي . كما أن اهتمام النظم العربية بتعزيز علاقاتها مع القوى الغربية وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية يفوق بكثير اهتمامها بتعزيز العلاقات فيما بينها ، وهو مايظهر بشكل جلي في حجم التجارة العربية البينية ، التي ترواح عند حدود الـ 10% من إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية ، واتجاهات تمركز الاستثمارات العربية . ناهيك عن برود العاطفة القومية لدى قطاعات من الجماهير العربية من ناحية ، وقيام النظم بالتضييق على أعمال الاحتجاج الجماعي الشعبي التي تستهدف مساندة بعض القضايا العربية أو التعبير عن الرفض للسياسات الإسرائيلية في المنطقة ، فالنظم غير قادرة وغير راغبة على اتخاذ مواقف جادة ، وفى نفس الوقت لاتسمح لشعوبها بالتعبير عن مواقفها من خلال الاحتجاج السلمي ، وذلك خشية من أن تتحول الاحتجاجات إلى نهج عام تمارسه الشعوب ، فالذي يحتج اليوم بسبب فلسطين أو العراق ، سوف يحتج غداً بسبب الأزمات والمشكلات الداخلية التي يعانى منها .
وفى ظل " ثقافة الفرقة والتجزئة " ، فقد تعرضت العروبة للتجريح والتشكيك في بعض الدول العربية ، وبرزت تيارات سياسية وفكرية انعزالية على نحو ماسبق ذكره ، بل ورفعت النخب الحاكمة في بعض الدول شعارات مثل "مصر أولاً " ، "والأردن أولاً " .
سابعاً : ثقافة التبعية مقابل ثقافة صيانة الاستقلال الوطني والاعتماد على الذات
إذا كانت ثقافة "الفرقة والتجزئة" تمثل سمة بارزة للعلاقات العربية – العربية ، فإن "ثقافة التبعية" تمثل ملمحاً رئيسياً لعلاقات الدول العربية بالعالم الخارجي . حيث تُعتبر التبعية واقع قائم في الدول العربية ، وهى ظاهرة لها أبعادها ومظاهرها الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية والأمنية والسياسية ... الخ . ورغم تعدد الأسباب التي أدت إلى خلق وتكريس ظاهرة تبعية الدول العربية للخارج ، إلا أن اعتماد بعض النظم الحاكمة في استمرارها في السلطة على قوى خارجية ، بل واعتماد بعض الدول في ضمان أمنها على ارتباطاتها الخارجية إنما يعتبر من الأسباب الرئيسية التي كرست - وتكرس- هذا الوضع .
كما أن علاقات التبعية أوجدت قوى وجماعات محلية ، اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية ، أصبحت مصالحها مرتبطة بهذه العلاقات . ولذلك فإن التبعية لم تعد مفروضة من قبل قوى خارجية فحسب ، بل أصبحت هناك قوى داخلية ، حكومية وغير حكومية ، تتوافق مع ظاهرة التبعية ، بل وتعمل من أجل تكريسها ، باعتبارها تخدم مصالحها (37) .
وتتمحور "ثقافة التبعية" حول عدد من القيم منها: الشعور بالعجز والانكسار والدونية من قبل نخب حاكمة ، وقوى اقتصادية وسياسية وثقافية، وقطاعات يعتد بها من المواطنين تجاه القوى الكبرى وماتمثله من سياسة وثقافة وقيم ، وغياب أو ضعف الثقة في القدرات الذاتية ، وفى إمكانية الاعتماد الفردي أو الجماعي على الذات . ومن ملامح "ثقافة التبعية " أيضاً ظاهرة الاستلاب الثقافي والفكري ، واستهانة البعض بالقيم والثقافة الوطنية التي تمثل الخصوصية الحضارية والثقافية للمجتمعات العربية .
وبالإضافة إلى ماسبق ، فإن انتشار موجات التقليد الأعمى للغرب سواء في بعض أنماط القيم أو الأفكار أو السلوكيات وبخاصة في صفوف النشء والشباب في الدول العربية إنما يشكل مؤشراً هاماً على ثقافة التبعية ، خاصة وأن بعض هذه القيم والأفكار والسلوكيات هي دخيلة ولاتتفق مع القيم الثقافية والدينية للعالم العربي ، فتقليد أشاء إيجابية في الغرب ونقلها عنه هو شيء حميد ومطلوب ، بل ويجسد توجه الإسلام بشأن الانفتاح على الآخرين والاستفادة منهم ، فالمسلمون في عصور الازدهار أخذوا عن الفرس والروم وترجموا عن التراث اليوناني والروماني والهندي .... الخ .، لكن المشكلة أن التقليد حالياً يشمل أسوأ مافى الغرب على نحو يكرس حالة "ثقافة التبعية " ، خاصة وأن ثورة المعلومات والاتصالات التي تتجلى بشكل بارز في شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) ، والفضائيات تساعد على ذلك .
خاتمة
لقد كشفت الدراسة بشكل جلي وواضح على أن المتغير الثقافي يُعتبر عنصراً هاماً في فهم وتحليل السياسات العربية سواء على الصعيد الداخلي في الأقطار العربية ، أو على صعيد العلاقات العربية – العربية ، أو على صعيد علاقات العرب بالعالم الخارجي ، حيث بدأت تنشأ وتنمو على مر الزمن منظومات من القيم الثقافية التي أصبحت تشكل بنى ثقافية للاستبداد والفساد والتطرف والعنف وهدر الإمكانيات والتجزئة العربية والتبعية للخارج ... الخ . وتجدر الإشارة إلى أن منظومات القيم الثقافية هذه لم تنشأ من فراغ ، بل ظهرت وتراكمت بفضل السياسات التي طبقتها ، والممارسات التي انخرطت فيها نخب حاكمة وقوى سياسية واقتصادية واجتماعية، والتي يمكن تتبع الجذور التاريخية لبعضها في مراحل سابقة على ظهور الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي. وإذا كانت ممارسات الاستبداد والفساد والعنف والصراعات العربية – العربية والتبعية للخارج قد ساعدت على إفراز هذه الأنماط القيمية ، فإن الأخيرة أصبحت بدورها تبرر هذه السياسات والممارسات وتسوغها وتكرسها .
ورغم أن الظواهر والممارسات التي أفرزت قيم الاستبداد والفساد والتطرف والعنف والفرقة والتبعية للخارج ليست حكراً على الدول العربية ، بل عرفتها دول أخرى سواء في العالم المتقدم أو في الجنوب ، إلا أنها تجذرت في العالم العربي ، ففي الوقت الذي حدثت فيه موجة ثالثة من التحول الديمقراطي على الصعيد العالمي منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين ظلت الدول العربية محكومة في أفضل الأحوال بنظم تسلطية أو شبه تسلطية ، مما جعلها تبدو وكأنها عصية على التحول الديمقراطي ، وفى الوقت الذي لعبت فيه الكنيسة الكاثوليكية دوراً هاماً في دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان والمجتمع المدني في عديد من الدول وبخاصة في أمريكا اللاتينية وآسيا ، فقد ظلت المؤسسات الدينية الرسمية في العالم العربي تشكل في الأغلب الأعم جزءاً من بنية نظام الاستبداد ، وبخاصة في ظل تزايد عمليات التوظيف الكاريكاتوري والانتهازي للدين الإسلامي في إضفاء الشرعية على نظم الحكم . وفى الوقت الذي انتفضت فيه الشعوب بشكل سلمى أو غير سلمى في عديد من الدول خلال السنوات الأخيرة مطالبة بالحرية والتغيير وإقصاء نظم مسؤولة عن الفساد ، فقد ظلت الشعوب العربية في غالبيتها العظمى سلبية وساكنة ، حتى وإن حدثت احتجاجات شعبية في بعض الدول فقد جاءت في الغالب كردود أفعال على قرارات اقتصادية اتخذتها الحكومات من شأنها المساس بالأوضاع المعيشية للسكان ، أو للتعبير عن الرفض لبعض الممارسات الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة . وفى جميع الحالات فقد دأبت النظم الحاكمة على التعامل مع هذه الاحتجاجات بأساليب أمنية، حتى لا يتعود مواطنوها على ثق