الخصوصية الثقافية والحضارية عند محمد خاتمي*
(رؤية حاكم فيلسوف)
يشترك الدكتور محمد خاتمي مع كُتّاب الأمة الذين حاولوا صياغة مشروعا استنهاضيا في أنه اعتمد على مفاهيمهم الذائعة كالخصوصية والحضارة والأمة وما إليها، بيد أن عامل تميزه يبدو في أن ما طرحه لم يكن انتاجا محض فكري، ذلك أنه وبحكم تبوأه رئاسة واحدة من كبريات الدول الإسلامية، استطاع أن يختبر الكثير من مقولاته واقعيا، وبالتالي أتيح له أن يطور في أطروحاته النظرية نحو المزيد من القبول والفاعلية. وهو ما لم يتأتي لكثيرين انشغلوا بهمومه وأفكاره وقضاياه ذاتها.
ويعد خاتمي بهذا المعنى "ظاهرة" غير متكرره عالمياً كثيراً، فهو السياسي ورئيس الدولة، وفي الوقت ذاته المثقف والأكاديمي والمنظًر المنشغل بتتبع أصول المفاهيم النظرية وصيرورتها زمنياً، حتى وصفه البعض بأنه الحاكم الفيلسوف الخارج من يوتوبيا أفلاطون.
والواقع أن الانطلاق من هذه النقطة مهم، فقد تأثر مشروع خاتمي الفكري بعمله بالسياسة، حيث ينقسم المشروع إلى قسمين هما ما يؤرقا المشتغلين بالسياسة على امتداد الأمة: أولهما يغطى الداخل "الإيراني"، والثاني يغطي العلاقة مع الآخر. ويتلازم شقى مشروعه ويترافقا بحيث تكون التفرقة بين الداخل والخارج عنده من قبيل ترسيم خط وهمى متعرج وممتد عبر كتاباته المختلفة.
فحين تعرض خاتمي للواقع الإيراني اعتبره نموذجا دالاً على الداخل الحضاري، وعلى واقع الأمة، هذا الواقع الذي حدد، بطبيعة الحال، علاقاتها مع الغير /الآخر. فخطابه الذي حفل في مبانيه ومعانيه مثلاً بالتنظير لطبيعة العلاقة بين الحكومة والشعب على نحو يمنح الأفراد أعلى قدر من الحرية. كان يبدأ بإيران وأوضاعها، ثم يسهب في الشرح فينحي نحو الحديث عن الواقع الإسلامي عموماً، الذي لا يمارس فيه الأفراد حقهم الأصيل في صوغ حياتهم، فيحدث الخطاب نقلة من وحده تحليل قومية/ وطنية (إيران) إلى وحدة تحليل ثقافية أكبر(الأمة)، مستفيدا من الطبيعة النظرية الفضفاضة له. وتتراوح الأفكار بين وحدتي التحليل دون أن يؤدي ذلك إلى التعارض، بل يجعل الخطاب من الوضع العام للحضارة رهن ما يحدث في المجتمع المحلي، وكذلك تطور المجتمع المحلي هو الآخر رهن حفاظه على هويته الحضارية.
واتسم الخطاب بالأكاديمية في تناوله لقضية المجتمعات المسلمة، فدعا إلى استكشاف أسباب وجذور ظاهرة ضعف الشعوب المسلمة إزاء حكامها، وذلك بالدعوة إلى قراءة التاريخ الإسلامي كله بهدف تحريره وتجديد احساسه بالهوية كأساس لضبط ظاهرة استضعاف الشعوب المسلمة ومعرفة حدودها، وبالتالي مواجهتها.
ويوفق خاتمي ما بين القضايا والمشكلات التي تواجه إيران وبين تلك التي تواجه الأمة ككل، فيستشعر القارئ درجة عالية من الانسجام بين ما يشير خاتمي إليه كعلة إسلامية وبين الواقع الإيراني، وذلك على الرغم من الخصوصية التي تحظَ بها التجربة الإيرانية كدولة إسلامية أقامتها ثورة من جهه، وكدولة شيعية في أمة يمثل فيها الشيعة أقلية في التاريخ والواقع الإسلاميين من جهه أخرى.
موقع الذات من المشروع الخاتمي:
طور محمد خاتمي رؤيته عن الواقع الإيراني والحضاري الإسلامي مستبطنا حقيقة مفادها أن علة العلل هى غياب الحرية بمعانيها المختلفة، وعليه فإن الحرية كانت هي القضية المركزية لمشروعه والمحرك وراء كل ما شُغل به من قضايا أخرى، بتعبير آخر؛ كانت الحرية نقطة البدء والهدف في الوقت نفسه. وقد تعرض خاتمي لها عبر مسارين رئيسيين يترتبان رأسياً أولهما أساس وبداية ومنطلق لثانيهما، أما الأول فهو قضية اصلاح الداخل، والثاني هو العلاقة بالآخر.
ويُلحق بكلا المسارين السابقتين لدى خاتمي مفهومان مثلا المجال الحيوي فكريا وفلسفيا لتصوراته لكل قضية، فـ"الداخل" مناط الاصلاح مفهوم متعدد الجوانب يتداخل بعلاقات متشابكة مع حقل مفاهيمي أوسع يشمل مفاهيم كالتراث والخصوصية والتقاليد والحالة الحضارية الآنية والاصلاح بأشكاله ومعانيه المادية والمعنوية، و"الداخل" كمفهوم متشابك هو أيضا متدرج عند خاتمي يبدأ من الداخل الإيراني(المجتمع المدني) ثم الداخل الإسلامي (الاسلام كدين) ثم الداخل الحضاري (الاسلام كحضارة).
"الآخر" لدى خاتمي أيضاً مفهوم بالغ الثراء عديد الجوانب والأبعاد التاريخية والجغرافية والمعرفية وإن تجسّد في الحضارة الغربية، كما يتشابك مع مفاهيم فرعية كالحوار والحداثة والتنمية والعلمانية وسواهم، ويشتبك بحكم المرجعية الإسلامية(الذات) مع أطروحات مؤسسة في تاريخ الحضارة الغربية (الآخر) كأزمة العلوم لهوسرل، وأزمة الوعي لبول آزار، وأفول الغرب لاشبنجلر، وموت الإله لنيتشه، ومحاكمة الغرب لتوينبي، والآلة التي تصنع الآلهة لبرجسون وسواهم([1]).
أما السبب في جعل العلاقة بين "الداخل" و"الآخر" علاقة رأسية فهو أن خاتمي يرى أن سبب التراجع الحادث للأمة هو سوء تشخيص مشكلتها، فالمشكلة بتصوره مشكلة ضعف الذات/ المجتمع إزاء حكومته وتفككه، وهو ما سبب التراجع والضعف في الداخل الذي كان سببا بدوره في سوء إدارة العلاقة بالآخر، وعليه فالبداية هى بالضرورة بداية بالذات. وبالتالي تحقق الحرية في الداخل شرط أساسي لإقامة علاقة حرة مع الآخر عنده([2])، ورغم ذلك فخاتمي يطرح سؤال الهوية ومعرفة الذات طرحا وظيفيّا، أى أن الحديث عن الذات وما يرتبه من البحث في خصوصية الأمة وما إليها له هدف هو أن تسهم تلك الذات المكتشفة في أو الإجابة عن "نحن" في تسهيل التعايش وتساعد على الاندماج فيما يسميه في كتابه "الإسلام والعالم" حضارة اليوم/الغرب.
فيلاحظ أن أغلب مقالات خاتمي المجمعة في كتبه "الديمقراطية وحاكمية الأمة" و"الخاتمية المصالحة بين الدين والحرية" وغيرها تحاول أن تجيب عن تساؤل كيف نقدم حضارتنا الإسلامية من غير رتوش، بسلبياتها وإيجابياتها، بأزماتها وتراجعاتها وإبداعاتها وقيمها؟ كيف نقدم رؤيتها لقضايا المستقبل: من حقوق إنسان، وسلام وبيئة نظيفة وديمقراطية وشورى وتنمية وأخلاقيات في التعامل والاقتصاد... إلخ؟.
يرى خاتمي أن البداية تكون من مكاشفة النفس، ومعرفة جوانب قوتها ومكامن ضعفها، واكتشاف قدراتها الحقيقية وإمكاناتها الروحية والفكرية والبشرية والمادية. وإدراك صورة هذه الذات عند الحضارات الأخرى، فيتسائل في كتابه الإسلام والعالم: لماذا صورة الحضارة الإسلامية كذلك لدى الغرب؟، وبالتالي لا يكتفي الخطاب الخاتمي من المطالبة بالعودة إلى الذات الحقيقية ليرى الفرد نفسه بل يسعى الفرد أن يعرف كيف يراه الآخرون ويقدرونه ولماذا.
وهذه النقطة بدورها تتطلب تقديم فهم عقلي لعالمنا المعاصر، كما يتطلب ذلك الإجابة الواضحة عما يسمى (بالتهديد الإسلامي) للحضارة الغربية المسيحية.. وتوضيح الرؤى لما يطلق عليه (الغزو الثقافي والقيمي) الغربي لمجتمعات الحضارة الإسلامية، وما هي حدود هذه الأخطار التي تدق لاستثارتها الطبول؟ وكيف يمكن إعادة صياغة صورة الآخر في إطار من التسامح الثقافي؟ بعد أن غلب على الفكر الإسلامي إما الانهزام فسلك مفكرون مسلك اعتذاري تبريري وإما الاستعداء فتحصن آخرون بالتراث ورفضوا كل معطيان الواقع الحديث.
وقد نجا خاتمي بطرحه الوظيفي هذا من كثير مما يحيط بسؤال الهوية من مشكلات، منها أن الهوية كقضية نكوصية بطبيعتها وغير قادرة على تزويد صاحبها برؤية تاريخية فعّالة. لإنها لا تنطلق من السؤال كيف أقتحم وأصنع وأتقدم وأُجابه التحدي دون رجوع إلى مواقع خلفية؟ بل تنطلق من السؤال كيف أحفظ ذاتي، وكيف أصونها مما قد يستهدف تغيير جوهرها الذي تقوم وتتقوَّم عليه؟ وما يرتبه هذا السؤال من جواب وحيد يتمثل في الدفاع عن الذات. ومادام المدافع في موقع ضعيف في التوازن، فإن دفاعه يكون أشبه بالقتال التراجعي إلى القواعد الخلفية، أي يصبح انكفائيا متوسِّلا بماض مرجعي.
المعضلة:
يأتي خاتمي ليقدم أطروحته حول الخصوصية في ظل هاجس عالمي بها، بل وفي ظل أحاديث مختلفة ومتعددة تعكس أهمية تلك القضية وحيويتها، لا سيما الحديث المصاحب لظهور معاني وأشكال جديدة للهوية بعضها مستحدث (مصنوع) كنموذج الاتحاد الأوروبي، وبعضها مشتت (مضطرب) كالمجتمع الأمريكي على نحو ما تعكسه مقالة "من نحن" لهنتنجتون.
اعتمد خاتمي على مناهج التحليل النفس-اجتماعي المعاصرة في تشريح الواقع الإيراني والإسلامي عموما، وصولاً إلى تشخيص أمراضه، ومعالجة عيوبه، وتجاوز عثراته، فكان جل الحديث موجه للعامة (المجتمع) مطالبا بمواجهه عيوب الذات ونقائصها، الذات الفردية والذات الجماعية على السواء؛ لأن هذه المواجهة، هي لب الاستعداد لمواجهة الهيمنة الخارجية.
ويمكن اعتبار أن مفهوم خاتمي عن اصلاح الداخل الإيراني والإسلامي يعتمد على نظرية التغيير الاجتماعي أى من أسفل لأعلى، لهذا وضع مسألة انهاض مجتمع قوى كأساس للإصلاح في إيران وفي الدول الإسلامية، فوجود هذا المجتمع القوى يعني أن يمارس هذا المجتمع دوره البناء في عمل صحوة إسلامية، وعمل رقابة على الأداء السياسي، ويجعل خاتمي من الخصوصية الثقافية والحضارية منبع كل ذلك، فقد تميز خطاب خاتمي، وخلافا لخطاب الخصوصية الاختزالي المنغلق على نفسه وعلى النصوص، بأنه أكثر ديناميكية وعقلانية في التعامل مع التراث والميراث، وأكثر ثقة بالنفس في التعامل مع الآخر([3])، ولهذا اتجه الخطاب نحو وضع قواعد للتعامل مع الخصوصية (الثقافية والحضارية) الإسلامية تسهم بدورها في خلق المجتمع الإسلامي الذي يدعو إليه، بحيث تسهم تلك القواعد في تجاوز الجدل العقيم الملغوم الدوافع –أحياناً- في أوساط المتزمتين حول تناسب أو عدم تناسب دولة القانون وحقوق الإنسان والديمقراطية مع الإسلام وثوابته. فما يضعه خاتمي من قواعد ترسم دور حضاري جديد، يتخطى عقم الداعين للعودة إلى التراث وقصور المقلدين لحضارة غربية متأزمة. ليفتح النقاش حول نهضة جديدة وحضارة إنسانية مبتكرة، هذه القواعد هي([4]):
*أن "الأمة التي تفتقد إلى التراث ليست أكثر من جماعة غير واعية عديمة الفكر والإرادة" والأمة الإسلامية تمتلك تراثا طويلا .
*وأن "لا يمكن مصادرة التراث أو القضاء على أساسه بقرار يصدره أهل الفكر والسياسة" ولهذا فشلت محاولات التغريب والانفصال عن التراث في الدول الإسلامية لأنها كانت بمثابة النبت الغريب المزروع غصباً.
* وأن "التراث، كما هي الحضارة، شأن بشري يستحق التغيير وإن آمنا بأبعاد ثابتة في مجال حياة الإنسان المعنوية والعقلية والإرادية، فإنه يجب القول، بأن جانبا مهما، إن لم نقل جميعه، مما نصطلح عليه بالتراث، هو نتاج بشري متأثر بالظروف الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات، وبالتالي فهو عرضة للتغيير وليس مقدسا وخالدا".
* وأن "إن تحول التقاليد المستمر، أحيانا بحركة متسارعة وأخرى بطيئة، على مّر التاريخ، هو أكبر دليل على أنه لا مفر من التحول والتغيير".
*وأن "الإبقاء على التقليد الذي انتهى عصره يعني فرض إطار ضيق على كيان الإنسان وروحه اللذين يتسعان إلى ما لا نهاية. وإذا ما تحقق مثل هذا، ليس على المدى البعيد، فإنه يعد خيانة بحق وجود الإنسان ويلحق ضررا بروحه".
* وأنه "لم لا نحاول إيجاد علاقة جديدة مع الوجود بذهابنا إلى أبعد من الحاضر، وذلك بالتسلح بنقد الحداثة والتراث معا، وأن نكون أصحاب رؤية جديدة نقيم على ضوئها حضارة جديدة، وأن نمثل نحن مرحلة جديدة في حياة الإنسان، في وقت نرتكز فيه إلى ماضينا الذي أنتج حضارتنا ونستفيد من معطيات الحضارة الحديثة الباهرة؟ لا سيما وأننا نمتلك في التاريخ سابقة حضارية تركت بصماتها على مصير العالم والإنسان".
الخصوصية كعامل إنهاض
وبعد تحديد القواعد التي يجب أن تحكم الرؤية للتراث والحضارة الإسلاميين، يشرح خاتمي المجتمع الذي يريد خلقه شرحاً يعتمد على خصوصية التاريخ والمرجعية، فيعرّف خاتمي المجتمع "الإسلامي" التي يسعى إليه تعريفا بالسلب فيبدأ بالقول إنه لا يشابهه نظيره في الغرب، لأن ثمة خلافات بينهما منبعها طبيعة التطور التاريخي وسياقات نشأة المفهوم عند كل حضارة، والدور الذي حددته كل حضارة للفرد في إطارها، وهى العوامل التي تكسب المجتمع دوره وتحدد مسؤلياته. وبالتالي وقفت رؤية خاتمي حول المجتمع موقفا حذرا من المعنى العلماني للمجتمع المدني كما تطرحه الخبرة الغربية لأن في ذلك استنساخا لنموذج حضاري آخر، وكان مصدر الحذر أيضا هو محورية مفهوم المجتمع المدني في رؤيته خاصةً أن خاتمي يطرح من خلال هذا المفهوم منطقه في التوفيق بين الخصوصية الحضارية الإسلامية والمستجدات العصرية. وكان أي لبس في التعريف يعرض كامل المشروع للفشل، لا سيما أنه وضع علاقة الفرد تجاه المجتمع ودوره فيه مسؤوليته عنه والعكس، كنموذج دال على الحضارة الإسلامية بأكملها يستبطن معانيها الأسمى كالعمران والتزكية، ولهذا أفرد خاتمي الكثير من المساحة للتنظير لهذه العلاقة بشكل تجريدي فهو يرى أن: "المجتمع المدني الذي نطالب باستقراره وتكامله في بلدنا ونوصي به الآخرين في جميع البلدان الإسلامية، يختلف ماهوياً بشكل جذري وأساسي مع المجتمع المدني المنبثق عن الفكر الفلسفي اليوناني والتجارب السياسية لروما... وإن كان ليس من الضروري أن يكون هناك تعارض بين الإثنين في جميع النتائج والعلائم. المجتمع المدني الغربي متفرع، من الوجهة التاريخية ومن حيث الأصول والمرتكزات النظرية، عن الدولة - المدينة اليونانية، ومن النظام السياسي لروما بعد ذلك، على حين أن المجتمع المدني الذي ننشده، له من البعد التاريخي والمباني النظرية أصوله في مدينة النبي (ص). فتبديل اسم (يثرب) إلى (مدينة النبي) لم يكن مجرد تبديل اسم بآخر، كما أن تبديل (أيام الجاهلية) إلى (أيام الله) لم تكن القضية مجرد تبديل اسم بآخر.....، بمدينة النبي (ص) ويوم الله قام التاريخ المعنوي والجغرافية المعنوية في العالم، وهما بداية لانطلاق نمط من الفكر والرؤية والسلوك الذي تجلى يوماً في الحضارة الإسلامية. ولهذا الفكر رؤية خاصة وسامية للكون والإنسان ومبدئهما، وترسخت حقيقة هذا الفكر وجوهره في أعماق المسلمين واستقرت في ذاكرتهم الجماعية قروناً متمادية..... وبديهي أن التمايز القومي والجغرافي والاجتماعي للمسلمين أدى إلى اكتساب (حقيقة الفرد) ألواناً وأنماطاً متنوعة وإن ظل يجمعها إطار مشترك من القيم التي مثلت حداً أدنى من السلوكيات المشتركة للمسلمين"([5]).
وبالمعنى السابق فالمجتمع كظاهرة اجتماعية لدي خاتمي ينطوي على ضدين هما الثبات والتحول؛ أما الثبات فهو القيم الدينية المستقرة الحاكمة لسلوك المسلمين، والتي لا تتغير بتبدل المكان أو الزمان، وأما التحول والصيرورة فهما نتاج حراك وتفاعل وتشابك العوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية المؤلفة لهذا المجتمع، والتي تفرق مجتمعاً عن آخر، بحيث يمكن اكتشاف عملية ربط الوسائل بالغايات، وإحكام العلاقة بين المجتمع والغاية منه لدى خاتمي من جهه، وتوفيقه بين التراث والتاريخ الحضاري الإسلامي والتطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعاصر.
ولهذا تضمن خطابه خاتمي لنشأة مجتمع إسلامي حديث تأكيداً على أن يستلهم هذا المجتمع
الأسس القيمية الثابتة لمجتمع المدينة المنورة؛ مجتمع الاستعلاء الديني والحضاري؛
مستعينا في ذلك بأسلوب
"اللقطة" العائدة إلى لحظة تاريخية تملك حجيتها ورسوخها في عقل القارئ،
وهى دولة النبي الأكرم (ص).
في
الوقت نفسه تضمن شرح خاتمي عن المجتمع المدني حديثاً طويلاً عن قضية ذات طبيعة
متغيرة، وهى التنمية التي نالت أهميةً كبرى في البرنامج السياسي الإيراني عموماً
عقب انتهاء سنوات طويلة من الحرب مع العراق. وأشار خطاب خاتمي إلى أهمية دعم دور
الجماهير في العملية التنموية، وتشجيع المبادرات الفردية من أجل تقوية وتحسين
الأداء الاقتصادي، ويعود الخطاب ليؤكد على سنة التغير كأساس لمثل تلك القضية
فالتنمية ليست طريقًا واحدًا يجب
على
الجميع
أن
يسير
فيه على حد تعبير خاتمي([6])،
ويتسق ذلك مع ما وضعه خاتمي من قواعد سبقت الإشارة إليها من ضرورة التفرقة بين
الثابت والمتغير في العلاقة مع النماذج التاريخية التي تشكل مع بعضها خلفية الذات
المسلمة، هذه التفرقة التي تفتح بدورها المجال أمام مناقشة موضوعات جديدة كالتنمية
وحقوق الإنسان والديموقراطية دون الخوف من تضييع الهوية.
وبذلك تكون الخصوصية عند خاتمي تعني خصوصية القيم الدافعة والحركة للسلوك التي تستلهم من التاريخ الإسلامي، فمفهوم المجتمع الذي طالب به يمكن أن تقام فيه مؤسسات مدنية كمثيلاتها في الغرب (نقابات وصحف وتنظيمات وتشكيلات غير حكومية مختلفة) لكن يحركها هدف مختلف، وتلتزم بقواعد مختلفة.
قراءة التاريخ/العودة لاكتشاف الذات
تحتل إعاده قراءة التاريخ الإسلامي مكانة مرموقة في رؤيه خاتمي لشروط تحسين وضع الأمة، وشروط تقوية الشعوب في مواجهه الساسة، ففي كتابه "الدين والفكر في شراك الاستبداد" يعرض لمسار الفكر السياسي عند المسلمين بشكل عام، مستخدما مصطلحاً معبراً هو "الفكر السياسي للمسلمين" وليس "الفكر السياسي الإسلامي"، باعتبار أن المسلمين يقرؤون الإسلام ويفسرونه فينتجون فكراً سياسياً يكون صوابه ورشده أو انحرافه وضلاله بمقدار التزامهم بالإسلام وفهمهم له، فتتعدد القراءات وتختلف ولكنها تنتسب إلى الإسلام. والحقيقة التي أراد خاتمي أن يركز عليها أنها تنتسب إلى المسلمين، وقد تقترب أو تبتعد أو تتطابق أو تختلف كليا مع الإسلام.
انطلق خاتمي في هذا الكتاب من أن العالم الإسلامي بعد الخلافة الراشدة سادته ملكية استبدادية، عبر عنها مستخدماً مفهوم "الغلبة"، وأن المشكلة هي انحسار الفكر السياسي في العالم الإسلامي وسيطرة الطبيعة الصوفية على عقول وآداب الكثير من المسلمين، إشارة إلى توقف الاجتهاد وذيوع الاتكال على الغيبيات دون تفعيل الدين في مساقات الحياة. وقد تسببت هذه الأزمة (الغلبة أو الاستبداد) في خسائر كثيرة للمسلمين؛ فسياسة الغلبة القائمة على الصراع والسيطرة ترفض أي منافس لها على أرض الواقع، ولا تطيق البحث والتنقيب في حقيقة الدين أو السياسة. وقد منع هذا المناخ المفكرين من البحث في مجال السياسة والدين على حد سواء، مما جعل الفكر يتجه اتجاها آخر، مبرراً إهماله وتكاسله بالإعراض عن السياسة والهيام في وادي التصوف. بل تم استضعاف عناصر مهمة وطاقات رئيسية من أبناء الأمة بناء على ما ساد الفكر الديني من تكاسل. وتاريخياً رسخت قناعات حول العلاقة بين أفراد المجتمع وبعضهم بعضاً من جانب، وبينهم وبين الحاكم من جانب آخر، وأن هذه القناعات تحتاج للمراجعة لتحرير الفكر( العقل المسلم) من تأثير الاستبداد عليه([7])، عبر إنهاض هذا المجتمع (عودة لوحدة التحليل المصغرة أي للداخل الإيراني بعد أن مارس الخطاب التعميم وتحدث عن عموم المسلمين).
العلاقة مع الآخر:
لا ينفصل القسمان اللذان يشكلان المشروع الفكري لخاتمي، كما سبقت الإشارة، سواء الموجه إلى إصلاح الداخل والنهوض به أو الموجه إلى الخارج، فقد تعرض خاتمي في العديد من كتاباته عن العلاقة بين السلطة والأفراد وعن نشأة المجتمع المدني وغير ذلك من القضايا، إلى جدلية يعايشها المسلم في حياته، هي أنه يعيش على حافة حضارتين، فيحمل إرثاً فكرياً وفلسفياً وثقافياً كبيراً لحضارة إسلامية ضخمة قامت ثم انحسرت، وحل محلها حضارة أخرى هي الحضارة الغربية التي يتعامل مع منجزاتها وشواهدها الحاضرة. ولم يكن الوضع ليوصف بالمعضلة أو الجدلية كما جاء بخطاب خاتمي إلا لاختلاف كلتا الحضارتين([8]).
فيعيش المسلم معضلة في عالم اليوم/ عالم الغرب نتجت عن اختلاف حضارته عن الحضارة الغربية، ويستطرد خاتمي أن الحضارة السائدة، وهي حضارة الغرب، قد نتجت عن مباني نظرية ومعرفية معينة منسجمة معها، ويجد المسلم حياته الشخصية والاجتماعية متأثرة بهذه الحضارة الغربية في الوقت الذي يستقي فيه قيمه وعاداته من حضارته الإسلامية التي ولت، والتى تختلف عن الثقافة الغربية المنتجة للحضارة السائدة من حيث محورية الله/ المطلق في فكر المسلم، بينما ثقافة الغرب تبوئ الإنسان/ المتغير سدة المحورية، وتجعله الحاكم الناظم لكافة القوانين والقواعد والحكم عليها في الوقت نفسه([9])، ولهذا جاءت دعوة خاتمي لمد جسر الحوار مع هذا الآخر من أجل التعايش من جهة، ومن أجل وضع حد لحالة تداخل الهويات التي يعيشها المسلم وتؤثر سلبياً عليه من جهة ثانية.
لماذا الحوار؟
يعتبر خطاب خاتمي الحوار مع الغرب (الآخر) ضرورة إنسانية تواجهها المجتمعات غير الغربية عموماً. ويتجه الخطاب أحياناً إلى تدويل قضية العلاقة مع الغرب، عبر خلق مشتركات بين الحضارات غير الغربية. فيستخدم خاتمي تعبير نحن "غير الغربيين" و"نحن الشرقيين" "نحن أصحاب الحضارات الدينية" للدلالة على الذات التي ستقوم بالحوار، وبهذا ينتشل خطاب خاتمي الخطاب الديني الإيراني من الاستغراق الكامل في المحليات ويجعله يستحضر رهانات كونية، مذكراً إياه بالدور الريادي للثورة الإيرانية، وضرورة استمرار هذا الدور.
ويؤكد خطاب خاتمي في معرض تناوله لقضية العلاقة مع الآخر أن القبول بالحوار يستلزم استحقاقات مرتبطة بالتراث الذي هو معين الهوية التاريخية والاجتماعية للأمم، وبخاصة الأمة التي تمتلك حضارة متميزة وثقافة غنية، فالتراث تجلِ لثقافة المجتمع، ولا مجتمع من دون ثقافة حسبما يؤكد خاتمي. وإذا ما قدر لأمة أن تنهض أو تتطور فإنه ينبغي لها في البدء أن تستشعر وجودها وشخصيتها من خلال ارتكازها إلى هويتها التاريخية، لكي تتمكن من الانطلاق منها. وإذا كان نقد التراث وإعادة صياغته أمراً ضرورياً، وهو ضروري بالفعل في مشروع خاتمي، فإن الأمة التي تقوم ذلك تنقح هويتها قبل الدخول في الحوار، وعليه لا مفر من الاتكاء على التراث حتى في الصراع معه عند خاتمي، كخطوة أولى تدرك من خلالها الذات التي ستقوم بالحوار([10]).
يحدد خاتمي ثلاثة أهداف لحوار الحضارات، أولها حل المعضلة المتمثلة في تناقض الأسس الفلسفية والفكرية التي تقوم عليها كل حضارة، والذي يغلب الصراع كنمط للتفاعل، والهدف الثاني وقف محاولات الغرب الهيمنة والسيطرة على الشعوب والحضارات الأخرى، وسعيه لتسييد نمط حضارى واحد. فقيام الغرب بالحوار مع الحضارات الأخرى يعني ضمناً اعتراف الغرب بوجود هذه الحضارات، فضلا عن أن الحوار هو حالة اتساع للمعنى، وتكرار مختلف لتفسير نفس الظاهرة، أى تأسيس لحق الاختلاف. وينظّر الخطاب الخاتمي إلى أن الحوار بين طرفين مختلفين يجعلهما متساويين، إذا أُحسنِت إدارة الحوار. وبالتالي ينطوي الحوار على فرصة لأصحاب الحضارات المتراجعة (كالمسلمين)، هي مساواة الغرب في عرض الرؤى والتصورات، وكسر استعلاء النموذج الغربي في ادراكه وتعاملاته مع الشعوب خارج منظومته المعرفية([11]). والهدف الثالث هو أن الحوار، كما عناه خاتمي، سيسهل استيعاب المنجزات الغربية. فخاتمي يؤكد أن للحوار معنى حقيقياً وآخر مجازياً؛ أما الحقيقي فهو التعاون وتبادل الخبرة في مجالات الفن والثقافة والعلوم والاقتصاد والسياسة والآداب، وأما المجازي، الذي يسميه أحيانا فلسفياً أو نظرياً، فهو ينصرف إلى تنظيم الاجتماعات من أجل تبادل وجهات النظر حول موضوعات مختلفة([12]). ولو كان قصد خاتمي أن الحوار هو تبادل للآرء لأطلق عليه حوار الثقافات. وقد خصص خاتمي جزءا من خطابه لمناقشة حوارات فرعية على هامش دعوته الأساسية لحوار الحضارات، كحوار الأديان وحوار الثقافات. بحيث يظل مفهوم حوار الحضارات أوسع من تلك الحوارت الفرعية([13]).
في هذا السياق يتناول خاتمي ثورة المعلومات، باعتبارها نموذجاً للحوار "الحقيقي" بين الحضارات، ولمنجزات الغرب التي يتعاطى معها المسلمون، مشيرا إلى أنها تغطي الجوانب العلمية، كما تغطي الجوانب السياسية والثقافية. ويؤكد خاتمي أن على المسلمين أن يستفيدوا من معطيات التقدم العلمي، مع الأخذ في الاعتبار أن النظريات العلمية خاضعة باستمرار للتبدل والمراجعة. وتشكل ثورة المعلومات تحدياً للشعوب غير الغربية، حيث إنها توظف في أحيان كثيرة لخدمة مصالح الغرب، ولتعليم غير الغربيين الإقرار بهيمنة الغرب وسيادته. ويوضح خاتمي أنه لا يدعو إلى الانعزال عن ثورة المعلومات، بل يدعو إلى النضوج الاجتماعي بما يكفي للحكم عليها بشكل صادق، والاستفادة منها في معرفة الغرب، ويجعل من تلك المعرفة شرط أن يرث المسلمون الحضارة الغربية بعد أفولها، ويقر بدور الثورة العلمية والتكنولوجية في إطالة عمر الحضارة الغربية. لكن خاتمي يعود ليكرر مقولة مفكرين إسلاميين سابقين بشأن حتمية الانهيار القريب لتلك الحضارة([14]).
يرى خاتمي الحضارة الغربية مستفيدة هي الأخرى إذا ما نظرت إلى حوار الحضارات على أنه الوجه الإنساني لظاهرة العولمة، وأن الحوار ليس هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لبناء نسق جديد للعلاقات الدولية، يتأسس على الاقتناع بالترابط والمصير الإنساني المشترك، مما يستدعى المشاركة في المعارف المتراكمة والتجارب الإنسانية. وبدخول الغرب في حوار مع الحضارات الدينية فإنه يتجه لحل كبرى مشكلاته الآنية، وهي "أزمة المعنويات"، أي إن سبب الأزمة هو الفراغ المعنوي، فالحضارات الدينية لديها وفرة من القيم/ الحلول التي قد تمد بها الغرب عبر الحوار([15]).
في معرض انشغال خاتمي بفكرة اقامة حوار بين الحضارات ردا على أطروحة صدام الحضارات أو صراع الحضارات، اعتمد على التاريخ الإسلامي مغذيا فكرته بأن الحوار تقليد إسلامي تاريخي وفعل ثقافي رفيع مارسه المسلمون أثناء فتوحاتهم في عهود الإسلام الأولى لتصبح دعوته بذلك من قبيل العودة لسنه تاريخية انقطعت، وهو يؤكد أن كل حضارة لديها "القابلية للحوار" والرغبة في تنمية قيمها في أزمنة السلم وأزمنة الحرب.
شروط الحوار:
يتخذ خاتمي من الاخلاق مدخلاً لتحديد ما أسماه الشروط المسبقة للحوار في محاولة منه لحماية الثقافة الإسلامية التي يمثلها من الانجراف في الحوار دون ضوابط بما قد يعرضها للخطر.
يرى خاتمي أن الاهتمام بالبعد الأخلاقي في مقترحه للحوار مسألة مهمة، بل تشكل قاعدة المقترح. ويوضح أن تنفيذ رؤيته عن الحوار يتطلب حدوث تحول جذري في الأخلاق السياسية؛ فالتواضع والالتزام بالعهود والمساهمة الفاعلة من أهم المتطلبات الأخلاقية لإرساء مبدأ الحوار في مجال السياسة والعلاقات الدولية.
وبعد هذه المقدمة يحدد خاتمي القواعد التي يجب أن يبنى عليها الحوار، ويجعل من بلورة أسس فلسفية نظرية أول هذه الشروط / القواعد، على أن تهدف تلك الجهود النظرية إلى فك الاشتباك بين الحوار كقضية وهدف، وبين ما قد تقوم عليه حضارة ما من تعميم وجزم قد يقفان في وجه أي بحث عن الحقيقة.
وقد أراد خاتمي بهذا الشرط أن يؤكد على التخلص من التصورات القاطعة لكل حضارة عن نفسها وعن الآخرين، لأن ذلك يناقض روح الحوار القائمة على الإيمان بوجود التنوع، وأن كل حضارة من خلال الحوار إنما تبحث عن الحقيقة([16]).
ثم يجعل خاتمي من "التكافؤ" الشرط الثاني للحوار، ورغم تأكيد خاتمي أن مشروع حوار الحضارات فلسفي في المقام الأول، وأن التفاعلات الحقيقية (سياسية أو اقتصادية) التي ستتم في سياقه يجب أن ينظّر لها الفلاسفة، وأن المفكرين هم أبطال الحوار دون رجال السياسة([17])، فهو يعرف التكافؤ بأنه "التعاون في شتى المجالات"، ويسهب في التأكيد على أن هذا التعاون هو السبيل إلى صياغة لمستقبل البشر يشارك فيها الجميع دون إقصاء أو تهميش لأي طرف، فالحوار برأى خاتمي سيكون ساذجاً إذا تم في ظل الفجوة الكبرى بين الدول الغنية والفقيرة: "حين نجد أن 30% من سكان العالم لا يزالون يعيشون تحت خط الفقر حتى عام 2000 فكيف يمكننا الحديث عن السلام والحوار والأمن في حن نترك العدل كي يلفه النسيان"([18]).
استخدم خاتمي تعبير "تعاون" لا "تفاهم" أو "تفهم"، مع مفهوم "الأفكار" حينما كان يشرح التكافؤ في الأفكار، ليعني قطع مراحل أبعد من مجرد تفهم القائمين بالحوار للأفكار ومعاني المفاهيم المختلفة لدى كل طرف متحاور، فيعني التعاون- وفق ما جاء بالخطاب- قيام القائمين على الحوار بشرح نتائجه لشعوبهم، ليؤتي الحوار نتائج حقيقية، وإلا لظلت هذه النتائج نخبوية ومؤقته. وما يستتبعه ذلك من تطوير في التفاعلات وفي لغة الدبلوماسية، وقد طبق الإصلاحيون ذلك حينما كانت صحفهم تتولى شرح نتائج المؤتمرات الدولية حول المرأة وحقوق الإنسان والتنمية، وتقوم بتغطية فاعلياتها.
يحقق شرط التكافؤ بمعانيه المادية والمعنوية كما شرح خاتمي ما فشلت فيه منتديات الحوار الرسمية العديدة بين العالم العربي ـ الغرب الأوروبي ـ الأمريكي، حيث بدأت تلك المنتديات من صياغة فهم اعتذاري يستند إلى خصوصية الدين الإسلامي والثقافة العربية لتفسير ظواهر مثل غياب الرأسمالية والديموقراطية والتعددية وشخصنة السلطة وذيوع نظريات المؤامرة ورؤى نهاية التاريخ. وانسحب نفس الأمر على النظرة النمطية للغرب التي رأت في عقلانيته أساس تقدمه وفي مادية مفترضة لثقافته مصدر لاأخلاقية مجتمعاته المعاصرة
حاول خاتمي أن يجعل شروط الحوار عامة ومنطبقة على الحضارات القائمة كافة لكنه وفي معرض حديثه عن قواعد الحوار يعود إلى تصنيفه للعالم كحضارات دينية في مواجهه حضارة متفوقة غربية (لادينية)، حيث الشرط الثالث للحوار عنده هو الاعتراف بمكانة الدين ودوره. ويشرح خاتمي فكرته قائلاً إنه لا ينبغي النظر إلى الدين كأمر ثابت لا يقبل التغيير أو إعادة النظر، دون أن تتناقض عمليات إعادة النظر تلك مع جوهر الإيمان بالله([19])، وربما أراد خاتمي بذلك أن يحافظ على الثوابت الإسلامية من أن يطالها النقاش أو الجدل، فكان هذا الشرط بمثابة السياج أو الحد الذي يفصل بين ما يمكن التحاور معه وبين ما لا يقبل النقاش.
القاعدة الأخيرة للحوار هى الاعتقاد بالصلة بين السلام والحوار. وأن كليهما يعزز الآخر ويؤدي إليه.
*
الرئيس
الخامس للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولد في أدركان عاصمة إقليم يزد الأوسط
عام 1943 لأسرة متدينة. وبعد ان أنهى دراسته الابتدائية، دخل مدرسة قم الدينية
في عام 1961، ثم حصل علي درجة البكالوريوس في الفلسفة من جامعه أصفهان، وبعد
تخرجه أكمل المستوى المتقدم في الدراسة الدينية في معهد قم. وفي عام 1970 درس
العلوم التربوية في جامعة طهران، ثم عاود دخول معهد قم لدراسة علم الاجتهاد.
شارك في نشاطات سياسية ضد الشاه، وفي إعداد ونسخ وتوزيع بيانات سياسية. لا سيما
تلك التي تصدر عن مؤسس الجمهورية الإيرانية الخميني. بدأ نشاطه السياسي في
اتحاد الطلبة المسلمين بجامعة أصفهان، كما ترأس مركز هامبورغ الإسلامي في
ألمانيا قبل انتصار ثورة 1979 الإسلامية.
تولى عدة مسؤوليات أثناء الحرب مع العراق، منها نائب ورئيس القيادة المشتركة
للقوات المسلحة، ورئيس قيادة الحرب الدعائية، ثم عين مجددا وزيرا للثقافة
والتوجيه الإسلامي في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني عام 1989. وبعد استقالته عام
1992 عين السيد خاتمي مستشارا ثقافيا للرئيس رفسنجاني، ورئيسا للمكتبة الوطنية
الإيرانية. كما أصدر خاتمي بوصفه مثقفا ومعنيا بالفلسفة، مجموعة كتب ترجم
معظمها إلى اللغة العربية. للمزيد انظر: مصطفى اللباد، " تطورات الخطاب الديني
الإيراني من الخميني إلى خاتمي " في عمرو الشوبكي(محررا)،
إسلاميون
وديموقراطيون: إشكإليات بناء تيار إسلامي ديموقراطي
(القاهرة: مركز
الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام، 2004) ص 230.
[1]- محمد خاتمي، الإسلام والعصر(القاهرة: مكتبة الشروق، ط1، 1999) ص ص 41-45.
[2]- محمد خاتمي، الديمقراطية وحاكمية الأمة، ترجمة سرمد الطائي (دمشق: دار الفكر، ط 1، 2003) ص 49
[3]- من مقال وارد على موقع المستبصرين، منشور على الانترنت متاح على : http://www.aqaed.com/mostabser/mosahemat/204.html
ويظهر خاتمي كفليسوف وامتداد لمدرسة التجديد الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر خاصة جمال الأفغاني ومحمد عبده حينما اتجه لمقابلة الأسس الفلسفية الغربية بالأسلامية في تصور كل منهما للمجتمع فالأولى تدرك المجتمع كخاضع لقوانين جبرية توجه حركة التاريخ، في حين ذهبت الثانية في قسم كبير منها الى إخضاع حركة التاريخ لحركة المجتمع وليس العكس، وللأفغاني يعود الفضل في كسر أهم الحواجز النفسية التي تحول دون خوض معركتي مراجعة اكتشاف الذات والجرأة على اكتشاف ومقارعة الآخر بآن واحد.
[4]- جملة الاستشهادات الواردة مأخوذة من كتاب: محمد خاتمي، مطالعات في الدين والإسلام والعصر( بيروت: دار الجديد، طبعة ثالثة، 1999).
1- محمد خاتمي، المجتمع المدني الإسلامي، مقال منشور على موقع البلاغ، متاح على:
http://www.balagh.com/islam/xn001x1d.htm
1- أمل حمادة، "خاتمي والبحث عن شرعية جديدة "، مقال منشور على موقع إسلام أون لاين متاح على :
http://www.islamonline.net/Arabic/politics/2001/05/article27.shtml
1- محمد خاتمي، الدين والفكر في شراك الاستبداد، ترجمة ماجد الغرباوي (دمشق، بيروت: دار الفكر، ط1، 2001) ص ص 23-48.
2- في معرض شرح هذا الاختلاف يؤكد خاتمي على الفارق بين مفهومي الحضارة والثقافة، فالحضارة عنده هى الآثار المادية للحياة الاجتماعية وجميع المراكز والمؤسسات (السياسية والاقتصادية والصناعية) التي تنبض بالحياة، بينما الثقافة هي المعتقدات والعادات والتقاليد والتراث الفكري والعاطفي الذي تمتد جذوره في المجتمع. راجع: محمد خاتمي، الإسلام والعالم، مرجع سابق، ص ص 17-21.
3- المرجع السابق، ص ص 47-49.
1- المرجع السابق، ص ص 64-66.
1- عبد النبي أصطيف، المسلمون وحوار الحضارات قبل حوادث أيلول وبعدها في: كيف نواصل مشروع حوار الحضارات (دمشق: منشورت المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية، 2002، جزء 2 ) ص ص 123-136.
2- محمد خاتمي، حوار الحضارات، ترجمة سرمد الطائي(بيروت، دمشق: دار الفكر 2002)، ص ص41-42.
3- المرجع السابق، ص ص 87-90.
1- وليد عبد الناصر، "خاتمي وحوار الحضارات"، مختارات إيرانية ، العدد 10 (القاهرة،2001) ص ص 47-51
2- محمد خاتمي، الإسلام والعالم، مرجع سابق، ص 120.
[16]- المرجع السابق، ص 46.
2- المرجع السابق، ص 147.
1- المرجع السابق ، ص 50.
2- المرجع السابق، ص 48.