استهلال

من نافلة القول إن فكرة "الخصوصية" التي تطرح الآن في وجه "العولمة" ليست أمرا جديدا، وليست حيلة دفاعية من أجل الذود عن "الهوية" أو "الذات الحضارية" بقدر ما هي حاجة أصيلة إلى التميز، ورفض قاطع لتماهي الذات في الآخر، أو مسخ النفس لحساب الغير، أو الاكتفاء بالتقليد، والرضا بالعيش في الهامش البارد، دون أي طموح للتفاعل الخلاق مع العالم، من أدناه إلى أقصاه.

لكن الخصوصية ليست فكرة متفقا عليها، فرغم أصالتها وحيويتها، فإن مساحة الحركة داخلها شاسعة إلى حد التناقض التام بين معتنقيها، أو المنافحين عنها، المتحمسين لها، وبين رافضيها جملة وتفصيلا، ممن يؤمنون بأن العالم صار "قرية كونية" من الضروري أن يذوب الجميع فيها، ليس في مجال التقنيات فحسب، بل أيضا في فضاء القيم والمعاني الإنسانية.

والأكثر إثارة للجدل أن المؤمنين بالخصوصية ليسوا على عقل وقلب رجل واحد في التعامل معها، بل إن بينهم أيضا اختلافات تصل إلى حافة التناقض في بعض الأحيان. فهناك من يتعامل مع المسألة بصرامة وحدة، إذ لا يريد أن يتفاعل أو يستفيد مما لدى الآخر، وإن وجد نفسه منساقا بحكم الواقع إلى الاستعانة أو الاسترشاد بما لدى "الغرب" مثلا، فلا يعدو هذا بالنسبة له على أن يكون "بضاعتنا وقد رُدت إلينا"، في إحالة إلى العطاء الغزير الذي منحته الحضارة الإسلامية في أيامها الزاهرة إلى الغرب.

وعلى الطرف الآخر، هناك من يؤمن بتلاقح الحضارات، ويعتقد اعتقادا راسخا في أن المسلمين بحاجة ماسة إلى الاستفادة مما لدى الآخرين من عطاء، في مختلف المجالات، التقنية والإنسانية، باعتبار "الحكمة ضالة المؤمن أنّي وجدها فهو أولى بها".

على هذين الطريقين، يقف الخطاب الإسلامي بشتى أطيافه من فكرة الخصوصية، موزعا بين اتجاهين، الأول يتمثل في نظرة رحبة للخصوصية، لا ترى أي غضاضة في المزاوجة بين ما لدينا وما يأتينا من الخارج، بشرط أن تكون النسبة الغالبة مما هو عندنا، وأن يشكل هذا القاعدة التي نبني فوقها، والجدار الذي نستند عليه. أما الثاني فينظر إليها باعتبارها نهجا مكتفيا بذاته، لديه اكتمال نظري، وقدرة على تلبية كل ما يتطلبه الواقع من حلول للمشكلات التي تفرض نفسها، آنيا ومستقبليا.

ومن ثم يسعى أصحاب هذا الاتجاه إلى بناء أطر نظرية وعملية تلبي احتياجات الواقع، ويأملون بها أن يرمموا الشروخ الواسعة التي حدثت نتيجة ما يسمونه بالتغريب، أو الابتعاد عن الإسلام. وأنتجت عملية البناء والترميم هذه رؤى عريضة لأسلمة شتى دروب الحياة. فهناك "الاقتصاد الإسلامي" و"القانون الإسلامي"، وهناك "إسلامية المعرفة" ومحاولة لبناء "علم اجتماع إسلامي" و"علم سياسة شرعي" في جوانبه النظرية والإجرائية، و"علاقات دولية إسلامية"، و" فن إسلامي"، ونزولا من هذه التصورات الكلية والأساسية، هناك محاولة لأسلمة تفاصيل صغيرة جدا في الحياة اليومية للفرد، مثل المأكل والمشرب والملبس وطرق الترفيه ونبرة الكلام والضحك، وما يجري في المناسبات الاجتماعية كافة، وفي مقدمتها حفلات الزفاف والمآتم...الخ، بل وصل الأمر إلى تحدث بعض السيدات عن "الريجيم الإسلامي".

لقد بات من الواضح لكل ذي عين بصيرة وعقل فهيم أن المنطلقات والمعالم الفكرية لتيار التوجه الإسلامي الجديد، تقوم في جزء كبير منها على حرص شديد لا يخطئه الباحث على توكيد حد أقصى من التميز والتفرد للإسلام ونظمه، ينفي عنه مشابهة أي عقيدة أخرى، وأي حضارة أخرى، وأي نظام غيره، عرفه الناس قديما أو يعرفونه حديثا.[1]

لكن ما يجب أن يدركه هؤلاء إن كانوا يرومون ما هو في مصلحة الإسلام كدين عظيم، أنه "إذا كان الحرص على تقرير التميز أمرا مشروعا تماما لتحقيق ذاتية الأنا الحضارية، ولرسم حدودها داخل العقل والنفس جميعا، ولوضع الخط الفاصل بين الذات وبين الآخرين، ومنع ذوبان تلك الذات في غيرها، فإن الإسراف الشديد في تقرير هذا التميز، وتلك الخصوصية، والإحساس بالضيق والرغبة الملحة في الإنكار والرفض تجاه أي دعوى لتقرير المشابهة أو الاشتراك في الرؤية النظرية، والموقف العملي من الآخرين، يحتاج إلى مراجعة واستدراك من وجهة نظر تاريخية واجتماعية، ووجهة نظر إسلامية خالصة"[2].

إن البعض يضيق من "الخصوصية" إلى درجة تجعل منها قفصا حديديا يحيط بالفرد من كل جانب، ويكاد أن يخنقه، أو نوعا من "الوسواس القهري" الذي يطارد الإنسان في صحوه ومنامه، ويجعله يشعر بالذنب الدائم، والتقصير المستمر. ومثل هؤلاء يختلط لديهم العقدي الثابت بالاجتماعي المتغير، ويحملون الدين أحيانا فوق طاقته، أو أكثر مما يطلبه الدين نفسه، في قيمه العامة التي تحض على الفضيلة، وتنهى عن الرذيلة.

والمطلوب هو أن تكون الخصوصية سلاحا حقيقيا في وجه تجبر العولمة، وشعورها الزائف بالقدرة على صهر البشرية جمعاء في بوتقة واحدة، أو تحويل الناس إلى أنماط متشابهة، بل متماثلة، تفكر بطريقة واحدة، وتعتنق ثقافة واحدة، وتعيش بأسلوب واحد. وهذا السلاح لا يقوم بجلد الذات، وإغلاق الباب أمام كل ما يرد من "الآخر"، بل يقوم على هضم كل ما لدى الآخرين من إمكانات، وتطويعها لخدمة المصلحة العامة للمسلمين، وهذا ما كان يجري في الأيام الزاهرة للحضارة الإسلامية ، حيث نشطت حركة الترجمة، واستفاد فلاسفة المسلمين مما تركته القريحة اليونانية، واستفاد العرب من طريقة بناء الفرس والروم للهياكل والمؤسسات السياسية، ونهل المسلمون جميعا مما كان لدى البشر وقتها من تقدم في الطب والهندسة، فحازوا بذلك مقدرة على قيادة من على الأرض جميعا، قرونا طويلة.

 

أولا: الخصوصية في الأسس الفكرية الإسلامية: المفترض والمتاح

هناك أربعة ركائز رئيسية يدور حولها أغلب الفكر الإسلامي، ويمكن لمن أراد أن يتبين  الخصوصية في ثناياها. وتتصل هذه الركائز اتصالا مباشرا، وترتبط ارتباطا عضويا، بكل ما يجود به الإسلام في مجالات العقيدة والعبادات والمعاملات، أو في الدعامتين الأساسيتين اللتين يقوم عليهما الإسلام وهما: عبادة الله سبحانه وتعالي، والاستخلاف في الأرض.

1 ـ الثوابت: وأقصد بها الثوابت العقدية، أي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر، خيره وشره. وهناك اتفاق وإجماع حول هذه الثوابت، والخلاف حول التفاصيل المرتبطة بالوصف والماهية والمعاني اللغوية، لا ينال من هذا الإجماع، الذي هو شرط أساسي كي يكون الإنسان "مؤمنا"، ليس كما تقر الرسالة الخاتمة التي حملها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فحسب، بل ما تقره الرسالات السماوية التي سبقتها، حيث وحدة الأصل والمنبع، ووحدة الهدف والمقصد.

2 ـ النظم: وهي الشريعة، التي تحدد علاقة الإنسان بالناس والمجتمع، وترسم له حدود "الحق" و"الواجب" ومعالم "الحلال" و"الحرام" و"المكروه"، وهي كذلك جملة التشريعات المنبثقة من هذه الشريعة، والتي تتأسس على مبادئ ترى أن الإسلام "دين ودولة" وأن القرآن الكريم "دستور".

وهذه الفكرة ليست محل إجماع بين فقهاء ومفكري الإسلام، فبينما تتمسك أفكار وآراء وتخريجات رجال "الحركة الإسلامية" بمختلف ألوانهم بالنظم بوصفها جزءا أصيلا من الإسلام، لا يكتمل الدين إلا به، يرى آخرون أن الإسلام دين لا يضع نظاما معينا للحكم، مثلما ذهب الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الشهير "الإسلام وأصول الحكم"، والشيخ جمال البنا في كتابه "الإسلام دين وأمة وليس دينا ودولة". وبين هذين الرأيين تأتي آراء متعددة، تقترب من هذا أو من ذاك، أو تقف في المنتصف تماما.

3 ـ القيم: وهي تتجلى  حين يعبر المرء عن حبه لشيء  وموافقته عليه أو نفوره منه، قياسا إلى شيء آخر.[3] ويختلف مفهوم القيم من الفكر المثالي، الذي ينظر إليها على أنه مسألة مطلقة، عنه في الفكر البراجماتي، الذي يتعامل معها على أنه مسألة نسبية، مرورا بالفكر الواقعي الذي يزاوج بين المفهومين السابقين. لكن هناك أساسا عاما لتعريف هذا المفهوم، ينظر إليه على أنه مجموعة من الأحكام المعيارية المتصلة بمضامين واقعية يتشربها الفرد من خلال انفعاله وتفاعله مع المواقف والخبرات المختلفة، على أن تنال هذه الأحكام قبولا من فئة اجتماعية معينة؛  حتى تتجسد في تعبير الفرد عن شخصيته سلوكيا أو لفظيا، أو من خلال اتجاهاته واهتماماته.[4]

والقيم جزء أصيل من رسالة الأديان، التي تمد الإنسان بمعيار إلهي للحكم على الأشياء والأفعال، فيصبح كلام الله هو الفيصل في الحكم على الحسن والقبيح، وعلى المباح والمحرم، والشرعي والمجّرم، فيكون الحسن هو ما وافق الشرع، ويستوجب الثواب، والقبيح ما يخالف الشرع، ويستلزم العقاب.

وإذا كان هناك من يفرق بين القيم والمعتقد باعتبار أن الأولى تشير إلى الحسن Good مقابل الرديء Bad والثانية تشير إلى الحقيقة True  مقابل الزيف False فإن هناك من يؤكد وجود ارتباط قوي بين الاثنين. فالمعتقدات تنقسم إلى ثلاثة أنواع، الوصفي والتقييمي والآمر الناهي، والقيمة من النوع الثالث، حيث تبدو "معتقدا ثابتا نسبيا،يحمل في فحواه تفضيلا شخصيا أو اجتماعيا لغاية من غايات الوجود، أو لشكل من أشكال السلوك الموصلة إلى هذه الغاية. والقيم شأنها شأن المعتقدات تحتوي على ثلاثة عناصر، الأول معرفي يتمثل في إدراك الإنسان لما يريده ويرغب فيه، والثاني وجداني يتعلق بشعور الإنسان حيال الأشياء والأعمال، والثالث سلوكي يرتبط بحركة الإنسان حيال الواقع المعيش.[5]

وإذا كانت القيمة المحورية في الليبرالية هي "الحرية"، وفي الاشتراكية هي "المساواة" فإن القيمة الأكبر في الإسلام هي "العدالة"، التي لا تقر المساواة الحسابية في قتلها الحافز الفردي المشجع للإبداع والترقي، وتمنع الحرية من أن تجنح إلى التفلت، فتصبح حرية "غير مسؤولة"، أو لا تحدها كوابح من دين أو تقاليد اجتماعية، أو حتى مراعاة حدود حريات الآخرين وحقوقهم.

4 ـ الذات والعالم: وهذا جزء رئيسي في الدين الإسلامي، أسسته آيات بينات من القرآن الكريم، وأكدته الممارسة في عهد النبوة، وفرضه الواقع المتجدد والمتغير، في أيام قوة المسلمين وتمكنهم، وفي ليال ضعفهم وتأخرهم. والعلاقة مع الآخر عولجت في ثنايا الفكر والفقه الإسلامي المعاصر كثيرا في الحديث الذي دار حول الهوية والانتماء، وحوار الحضارات، وموقف غير المسلمين في البلدان الإسلامية، والذي وصل إلى أعلى مراحله حين أقرت بعض الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي بمبدأ "المواطنة" حسب إجراءاته المعمول بها وتصوراته المعهودة في الدول الديمقراطية، بعد أن كانت تكتفي في الماضي بإعلان مبدأ إيجابي مجمل يقول: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

وهذه تعتبر المباحث الأربعة الرئيسية التي تظهر فيها خصوصية الإسلام بشكل عام. أما بالنسبة للخصوصية الثقافية التي يدور حولها هذا البحث، فهي إن كان لها نصيب من الاعتقاد والنظم والقيم والعلاقة مع الآخر، فإن هذا النصيب ينتظم في أربعة ركائز، تدور حولها الثقافة بشكل عام في معناها ومبناها، وهي:

أ ـ المعرفة: التي تعني تحصيل المعلومات من مختلف المصادر المتاحة، وإدراك وجودها وأهميتها.

ب ـ القيم: التي ترسخ في الذهن والنفس بفعل التراكم المعرفي الشفاهي، والتعلم مما يجري في البيئة المحيطة، أو في الواقع المعيش.

ج ـ الاتجاهات: التي تولد من تمسك الإنسان بقيمة أو قيم معينة والذي يقوده إلى الميل لأيديولوجية محددة، أو طريقة حياة ما، أو مذهب اجتماعي، أو انضمامه لجماعة منظمة، معتدلة أو متطرفة، سياسية أو دعوية أو خيرية...الخ.

د ـ السلوك: فهذا الميل يقود الإنسان إلى إنتاج نمط معين من السلوك، نابع من القيم التي يؤمن بها، أو يتبناها، والاتجاه الذي ينحاز إليه، ويستخدم فيها ما أمكنه من المعارف التي حصلها طيلة عمره.

وهذه المحاور الأربعة توجد الثقافة بوصفها أسلوب الحياة السائد في أي مجتمع بشري، بما يميزه عن مختلف التجمعات الحيوانية. وهذا الأسلوب منه المادي الذي تمثله الأشياء كالآلات والأسلحة والملابس ... الخ، ومنه غير المادي الذي تكونه الأفكار والعادات والتقاليد التي تمثل تراثا اجتماعيا ينتقل من جيل إلى جيل، إما عبر اللغة أو بواسطة السلوك.[6]

وفي جانب منه يبدو الدين بالنسبة للبعض "أحد مظاهر السلوك الثقافي"[7] ليعيش جنبا إلى جنب مع مظاهر أخرى، توجدها التقاليد والموروثات تارة، والاحتكاك بالعالم الخارجي المعتنق لدين آخر أو اللاديني تارة أخرى، لكنه عند آخرين أعمق بكثير من السلوك، وهو إما مكتمل بذاته، أو مكتفي بما لديه، أو أن لديه القدرة على هضم أي "وافد" عليه من دين أو حضارة أو تقاليد أخرى، بحيث يستفاد من السمين فيه ويلفظ الغث، من دون أن يتأثر جوهر الدين، أو يتكدر نبعه الصافي، الذي كان عليه وقت نزول الرسالة وتبليغها.

وبالنسبة للمسلمين فهناك من يرى ضرورة أن تكون هناك قطيعة مع الثقافات الأخرى، وخصاما مع أي تقاليد أو موروثات، لأن هذه تشكل "جاهلية" جديدة يجب التصدي لها ومحاربتها، إما بالدعوة التي تنقي ما تعكر، وتصوب ما أصابه الزلل، أو حتى بالقوة التي تغير المجتمع وتبدله تبديلا. وهناك من يتسامح مع المجتمع، ويرفق به، فيثني على النافع ويثبته، ويذم الضار ويخلعه، ويحاور صاحب أي رأي مختلف بالحكمة والموعظة الحسنة.

أما على المستوى العملي فإن الصفاء والنقاء يوجد في "العقيدة" في منبعها وأصلها، وقبل أن تشوبها أي شائبة، أو يختلط بها أي اعتقاد أو ميل مخالف، ويوجد كذلك في "الخطاب القرآني" في ألوهيته، وليس في "الخطاب الديني" في شقه البشري. أما وجود "خطاب ثقافي إسلامي" صاف أو يدعي النقاء المعرفي والقيمي والسلوكي الكامل ضرب من المستحيل، لأسباب عديدة منها:

1 ـ إن الإسلام انفتح على الثقافات الأخرى منذ بدء دعوة الرسول صلي الله عليه وسلم، فثبت كل الفضائل والسلوكيات الحميدة التي كان يفعلها عرب الجاهلية، وقاطع وزعزع كل الرذائل والسلوكيات السيئة التي كانوا يقترفونها. واستمر العمل بهذه القاعدة "الواقعية" عند المسلمين المعتدلين المدركين لروح الإسلام وطرق الدعوة السلمية في كل زمان ومكان.

2 ـ تعقد مفهوم الخطاب، فهو من ناحية الشكل يشمل كافة أعمال الاتصال، المكتوب منها والشفاهي، المادي والرمزي، المنطوق والسيميائي. و من ناحية المضمون يبدو بناء معقدا يحوي داخله العديد من الأفكار والقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية ... الخ. ومثل هذا البناء المركب والمعقد لا يمكنه أن يحال إلى معين واحد، أو مرجعية واحدة، إلا بالمعنى الواسع، الذي يتفاعل فيه الخاص مع العام، وتتحاور فيه الذات الحضارية مع الإرث الإنساني المشترك.

3 ـ عدم وجود خطاب ثقافي إسلامي واحد في الزمان نفسه، نظرا لعدم تواجد المسلمين في "منطقة ثقافية"[8]واحدة، فهم موزعون جغرافيا على كل قارات الدنيا، بعضهم يسكن الوديان الخصبة وآخرون يعتلون قمم الجبال أو يعيشون في الصحاري القاحلة، وهم موزعون على كل ثقافات الدنيا، الأنجلوسكسونية والفرانكوفونية والثقافات الآسيوية والأفريقية، المتعددة والمعقدة.

4 ـ عدم وجود خطاب ثقافي إسلامي واحد في المكان نفسه. ففي البلد الواحد يمكن أن نجد الخطاب الديني الرسمي وغير الرسمي، والمنغلق والمنفتح، والخطاب المعتدل والمتطرف، والخطاب السلفي والآخر الصوفي ... الخ. علاوة على ذلك توجد دول إسلامية عدة، تضم الواحدة منها أشتاتا من البشر، مختلفين في الأعراق واللغات واللهجات، أي أنهم مختلفون في الثقافة الفرعية، التي يظل لها حضورها، ولها بصمتها على الثقافة الأصلية المستمدة من الإسلام، ومن ثم يكون لدينا في البلد الواحد تجاور لأكثر من خطاب ثقافي إسلامي، باستثناء الذوبان الكامل الذي يمكن أن يحدث في جماعات وتنظيمات إسلامية صغيرة عابرة للإثنيات واللغات واللهجات.

5 ـ اتساع مفهوم الخطاب الإسلامي عند الكثير من المفكرين والفقهاء المسلمين إلى درجة أن الدكتور يوسف القرضاوي يرى أنه: "البيان الذي يوجه باسم الإسلام إلى الناس، مسلمين وغير مسلمين، لدعوتهم إلى الإسلام، أو تعليمه لهم، وتربيتهم عليه: عقيدة  وشريعة، عبادة ومعاملة، فكرا وسلوكا، أو لشرح موقف الإسلام من قضايا الحياة والإنسان والعالم، فردية أو اجتماعية، روحية أو مادية، نظرية أو عملية ... وهو خطاب يتميز بالسعة والشمول، بقدر سعة الإسلام وشموله، فهو يشمل الفرد بجسمه وعقله وروحه ووجدانه، ويشمل الأسرة بعلاقاتها الزوجية والأبوية والأخوية والرحمية، ويشمل المجتمع بكل طبقاته وتكويناته الدينية والعرقية واللغوية والاقتصادية وغيرها، ويشمل الأمة بكل شعوبها وأوطانها، ويشمل الدولة التي تحرس الدين وتسوس الدنيا، ويشمل العالم كله، فهو يوجه الدعوة إليه، ويقيم العلاقة معه، متعاونا على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، متضامنا في مواجهة الطغيان والاستكبار في الأرض، مساندا للمظلومين والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان".[9]

ولا يحصر القرضاوي الخطاب الإسلامي في البعد العقدي الروحاني الخالص، بل يمده ليشمل أبعادا وجوانب أخرى، منها الأخلاقي الذي يتصل بالقيم العليا والفضائل والسلوكيات الراقية، ومنها المجتمعي الذي يبحث عما يرقي المجتمع ويحل مشكلاته، ومنها ما يتعرض لقضايا فكرية واقتصادية وسياسية ودولية، ليقدم العلاج لها في ضوء تعاليم الإسلام.[10]

ومن المستحيل مع هذا الاتساع ألا يلتقي الخطاب الإسلامي في بعده المرتبط بالنظم والقيم والعلاقة بالآخر مع غيره من الخطابات المطروحة داخل أي جماعة بشرية، في أي زمان أو مكان.

6 ـ رحابة الإسلام نفسه في المعنى والأصل، إذ إنه يعني "إسلام الوجه لله سبحانه وتعالى"، بما يجعل الإنسان عبدا مطيعا مخلصا لربه، مؤمنا به وبوحدانيته، ومتوكلا عليه، يراعي وجوده في كل قول يتلفظ به، وفي كل فعل يبدر عنه. كما أنه وبنص القرآن دين يسبق دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأبو الأنبياء سيدنا إبراهيم "أول المسلمين"، بل إن الإسلام بمعناه المذكور سلفا، هو الدين منذ المنشأ،  الذي نزل مع آدم إلى الأرض، بغض النظر عن الأسماء التي أطلقها البشر على الرسالات والدعوات، مثل الإبراهيمية واليهودية والمسيحية. فهذه الرسالات منبعها واحد، وجوهرها واحد، وأي مضمون أو شكل طرأ عليها وجعلها تنحرف عن هذا الأصل وذلك الجوهر، هو من صنع البشر، بالتأويل الخاطئ تارة، وبالاختلاق والكذب على الله تارة أخرى.

ومن ثم فإن الآية الكريمة التي تقول: "إن الدين عند الله الإسلام" (آل عمران: 19) ...  والأخرى التي تقول:"من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" (آل عمران: 85) يجب أن يفهما في ضوء هذا، فالدين واحد، والدعوات والرسالات السماوية متعددة، والأنبياء والرسل متعاقبون. وكل ما يقال عن الاصطفاء والاختيار مشروط بالأعمال والأعباء والواجبات والفرائض التي أمر الله تعالى بها عباده، فلا اليهود "شعب الله المختار" ولا "المسيحيون ملح الأرض ونور العالم" ولا المسلمون "خير أمة أخرجت للناس" بالإطلاق في كل زمان ومكان، ومع أي فعل أو وضع أو ظرف.

7 ـ وجود ثنائية متعايشة بين الخاص والعام في الأديان من دون تفرقة أو تمييز. فالمبشرون بالدعوات الدينية، يقولون في مرحلة التمكن إن لديهم "منظومة قيمية" تنطبق على كل شعوب الأرض. أما في أوقات الضعف، وحين يكون أصحاب هذه الدعوات مستهدفين من قبل الأغيار الأقوياء، يطلبون من هؤلاء ألا يدسوا أنوفهم في شؤونهم، وألا يفرضوا عليهم ثقافة بعينها، ويحترموا خصوصيتهم، ويقروا بتعددية تسمح للجميع بأن يتمسكوا بمعتقداتهم، ويمارسوا طقوسهم الدينية والثقافية. وهذا لا يعني أن عالمية الدعوة أمر غير واقعي أو مرتبطة بمرحلة التمكن فقط، بل يعني في المقام الأول أن هذه العالمية، الرامية إلى هداية البشر أجمعين، يجب أن تكون في بناء العقيدة وتعلم العبادات أو أركان الدين، ولا يجب أن تتغول لتفرض نمطا ثقافيا محددا، فهذا فوق طاقتها، ولا طائل كبير من ورائه، إنما الجدوى تتحقق حين تركز الدعوة على منح الثقافات السائدة إطارا أخلاقيا عاما، لا يجور على التعدد والتنوع، ولا يقطع جذور مجموعة بشرية في أي مكان.

***

والخصوصية الثقافية متعددة المنابع والروافد، فيها من الدين الكثير، وفيها أيضا من الفلكلور والتقاليد والأعراف السائدة، كما أن ما يمكن اعتباره، أو ما هو بالفعل"ثقافي خاص" أمر واسع، فيه من الأشياء المادية، بقدر ما فيه من المعاني والأفكار والتصورات والرموز. وقد بذل البحث العلمي، لاسيما في مجال الأنثروبولوجيا والاجتماع، جهدا فائقا في تناول كل هذا بفروعه وتفاصيله، موضحا نصيب الدين فيه، أو ما هو راجع إلى جذر ديني.

وأسهم الفقهاء وأصحاب الفتوى وأهل الذكر جنبا إلى جنب مع الباحثين والمفكرين والنقاد بمختلف ألوانهم ومشاربهم في الجدل الذي دار ويدور حول ما هو ثقافي إسلامي، بدءا بالأزياء والملابس وانتهاء بالأدب والفن. والخوض في هذا المضمار قد لا يأتي بجديد، ولا يضيف كثيرا إلى رؤية الخطاب الإسلامي لقضية الخصوصية الثقافية.

كما أن الخطاب الفكري الإسلامي الإسلامي في تمسكه بالخصوصية الثقافية في وجه عولمتها، جاء خطابا عاما، كغيره من الخطابات التي تصدت لهذه القضية وغيرها في سياق الأخذ والرد بشأن ما يسمى "النظام الدولي الجديد"، ثم "العولمة" وأخيرا ما نتج عن حدث 11 سبتمبر. وهذه العمومية جعل الخطاب الديني في هذه المرحلة أشبه بإعلان المواقف السريعة، بما يجعله قابل للتغير مع تطورات الأزمة المستمرة، ويبعده عن التأصيل والتعمق الفقهي والفلسفي،[11]الذي ميز هذا الخطاب في مراحل سابقة، وحول قضايا أخرى.

وما يستحق إمعان النظر، نظرا للجدة والجدية والأهمية، فهو رؤية هذا الخطاب للعولمة الثقافية مقابل خصوصيتها، في المجمل والكلي أو في الأصول والأسس، نظرا لأن العولمة تعنى بالسياسة والاقتصاد مباشرة،[12] وتعطيهما أولوية على الثقافة، والأخيرة إما أن تتحول إلى خادم للأهداف الاستراتيجية لقادة العولمة أو تأتي تابعا لتحولات سياسية واقتصادية في المجتمعات المحلية بفعل التأثير الكاسح للعولمة.

وتفرض طبيعة الإسلام ذاته أن يكون له رؤية حيال العولمة الثقافية، وهذا مسألة يعترف بها المفكرون الغربيون أنفسهم فهاهو فيك جورج يقول: "الإسلام ليس دينا فقط بل طريقة للحياة أيضا، مما جعل عديدا من المسلمين يعتقدون أن ضغوط الحياة الغربية التي تنتقل إليهم من خلال شبكات الاتصال الثقافية الدولية تمثل تهديدا للإسلام"[13]. بل يفصل جون بيليس وستيف سميث في تبيان ردود أفعال المسلمين الأولية على الثقافة الغربية التي حملتها العولمة بقولهما: "في منطقة الشرق الأوسط جرى التأكيد مجددا على القيم الإسلامية، بصفتها ظاهرة جماهيرية. وسعت أنظمة الحكم الإسلامية في المملكة العربية السعودية وإيران إلى استبعاد الأخبار والأفلام وأشرطة الفيديو الموسيقية والأفلام من طراز Baywatch من خلال حظر استقبال الإرسال التلفزيوني الفضائي. وبرزت مكانة المرأة في المجتمع، وعلى الأخص قضية الحجاب، بصفتها رمزا رئيسيا للإسلاميين، الذين يسعون لتعزيز مؤسسات المقاومة الثقافية، والسيطرة الاجتماعية"[14].

لكن ردود الأفعال هذه ازدادت عمقا عقب حدث الحادي عشر من سبتمبر ومطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بتعديل مناهج التعليم الديني، وبالتبعية تغيير الخطاب الإسلامي حيال الغرب، بالتوازي مع مطالبة بتعزيز التحول صوب الديمقراطية، بعد أن ربط التفكير الاستراتيجي الأمريكي بين الإرهاب والاستبداد، الأمر الذي قاد إلى نقاش وجدل عميقين حول "الإصلاح" بما فيه الإصلاح الثقافي، الذي لا يقتصر على تنظيم الهياكل والإجراءات، بل يمتد إلى مجال القيم ذاته.

عند هذا الحد عاد جزء كبير من الحديث عن "الخصوصية الثقافية" والعولمة إلى مناقشة العموميات والمبادئ، حول القيم والنظم والعلاقة مع الآخر والهوية، خاصة مع استمرار أمريكا في طرح مشروعات محددة لإعادة صياغة المنطقة على أسس جديدة، مثلما جاء في مشروعات سياسية حملت أسماء "الشرق الأوسط الكبير" ثم "الموسع" و"الجديد"، وفي أطروحات فكرية مهدت لمثل هذه المشروعات وغيرها مثل كتاب صمويل هنتنجتون "صدام الحضارات" وكتاب فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ وخاتم البشر".

وهنا وجدت قضية الخصوصية الثقافية نفسها موزعة على سبيلين، الأول هو أنها باتت جزءا من المقاومة الشاملة لهذه المشروعات وتلك الاستراتيجيات ذات الطابع الاستعماري، خاصة في ظل إدراك مفكري الإسلام وفقهائه لمآرب اليمين المسيحي المتصهين الذي وصل إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة. أما الثاني فهو دخول هذا النوع من الخصوصيات ضمن النقاش العام حول تجديد الخطاب الديني، ليس استجابة لمطالب خارجية، ولا انصياعا لها، لكن رغبة في مواصلة الاجتهاد حول القضايا المستجدة، وتوسيع معالم ومدارك ومباحث "فقه الواقع"، وهي مسألة متصلة منذ صدر الإسلام، ولا يمكن لمنصف أن يعزو ما ينتجه المتحمسون لهذا الاتجاه في الوقت الراهن إلى مواكبة المشروعات الأمريكية، أو الانكسار أمامها.

ثانيا: الخصوصية الثقافية في ثلاثة خطابات فكرية إسلامية متدرجة

يسعى كثيرون للوقوف على حقيقة مفهوم الخصوصية في الخطاب الإسلامي المعاصر، من خلال توزيعه على الجماعات والتنظيمات والمؤسسات الإسلامية التي يموج بها الواقع، والتي تبدأ بالصوفي الإنكفائي إلى الثوري المفرط النشاط والانخراط. وهناك من يسلك سبيلا مختلفا ويتساءل: هل من الأفضل اختبار وجود المفهوم وحدوده عند هذه الجماعات والتنظيمات بعد تقسيمها قيميا  وحسب التوجه والوضع القانوني إلى متطرف ومعتدل؟، أم رسمي /غير رسمي؟ أم مشروع /محظور؟  أم منتمون/ مستقلون؟ أم هل الأجدى أن ننظر إلى تطور المفهوم وتعيين حدوده زمنيا، في ظل المراجعات والتجديدات التي أدخلتها الحركة الإسلامية على الكثير من تصوراتها العامة والخاصة، الاستراتيجية والتكتيكية؟. أم يمكن أن نختار أسماء بعينها تمثل كافة هذه التنظيمات، أو تنوب عنها، ونختبر تصورها للخصوصية من خلال خطابها الشفاهي والمكتوب؟.

هذه كلها طرق ومسارب يمكن أن يمضي فيها البحث، لكن يبدو من الأفضل اتباع الطريقة الأخيرة، التي تنقب عن الخصوصية، بمفهومها وحدودها وأشكالها، في ثنايا الخطاب الشفاهي (الفكري). وهذا الاختيار ليس ارتياحا للأسهل، ولا محاولة لاختزال الأمر، والهرب من التفاصيل، لكنه يبدو الأجدى نظرا لعدة اعتبارات هي:

أ ـ إن الفكر يمثل في كثير من الأحيان والأوضاع واسطة بين النص والممارسة، فهو الذي يضع للمعاني والمفاهيم والمضامين التي يحملها النص طريقا للتطبيق في الواقع.

ب ـ تبدو تجلية الخطاب في "الفكر" أوقع وأوضح من تجليته في الأنساق الأخرى، سواء كانت نصوصا أو ممارسات أو حتى إشارات وتعبيرات رمزية غير لفظية.

ج ـ غزارة الفكر الإسلامي وتبحره، حيث فاضت عقول لا حصر لها بالفهم الذي حصلته من قراءة النصوص وتفسيراتها، والوقوف على السنن وآثارها، وقراءة سير الرعيل الأول من المسلمين المشحونة بالأقوال والأفعال. وتراكم ما أنتجته هذه العقول حتى صار لدينا تلا شاهقا من المعرفة الإسلامية، لا يمكن لأحد أن يعتليه بمفرده، ولا يستطيع أي فرد أن يدعي الإلمام بكافة جوانبه، إلا في الخصائص العامة، والسمات الرئيسية.

د ـ حالة التراكم هذه في المعرفة الإسلامية، شأنها شأن المعارف الأخرى، تجعل إنتاج المعاصرين من مفكري الإسلام متأثرا بما أنتجه السابقون، وقد يمثل، إن كان يحسن الجدل مع الواقع، ذروة لهذا التفكير.

هـ  ـ إلى جانب التراكم هناك إعادة إنتاج لكثير من الأفكار التي قيلت أو كتبت في الزمن السابق. فحتى إن أراد البعض أن يصلوا إلى النص المؤسس (القرآن الكريم) مباشرة محاولين فهمه، فإنهم يستعينون بما جاد به من سبقهم بين علماء التفسير والفقه، وواضعي المذاهب الإسلامية.

و ـ في ظل هذا التراكم والتشابه يوجد تنوع بات يسير داخل ثلاثة أضلاع أو بين ثلاثة خطوط متوازية، الأول سلفي ماضوي، والثاني وسطي يصل الماضي بالحاضر، والثالث عصري، يريد أن يتجه مباشرة إلى الواقع ليعالجه برؤى جديدة، تتعامل مع روح الإسلام وجوهر رسالته، غير عابئة بما قاله الأوائل، لأنهم "هم رجال ونحن رجال".

ز ـ داخل كل نوع من هذه الأنواع هناك العديد من المفكرين والفقهاء والدعاة والخطباء، والفروق بين أصحاب كل لون طفيفة، وواحد منهم قد يغني عن البقية، حال التصدي لدراستهم بوصفهم ظاهرة، أو جماعة فكرية أو فقهية.

وزيادة في التحديد، فإن من المفيد أن يقتصر البحث على المنتج الفكري لثلاثة ممن يعبرون عن الفكر الإسلامي المعاصر في مختلف صوره الحاضرة أمامنا، والماثلة لأذهاننا، وهم:

1 ـ الشيخ محمد حسان،[15] كتعبير عن السلفية في تمسكها بالأصوليات، وإضفائها نوعا من الاحترام الزائد الذي يصل إلى حد "التقديس" لعلم الرجال، أو ما أنتجه فريق بعينه من الأسلاف في الفقه والحديث.

2 ـ الدكتور يوسف القرضاوي،[16] كتعبير عن الوسطية في اتزانها المعرفي والنفسي، وفي مزاوجتها بين الأصول،  حيث التمسك بكثير مما ورد في تراث المسلمين وبين ما يقتضيه الواقع المعيش من تجديد الفقه وإعمال العقل والتفاعل الخلاق مع ما يجري، في وسطية جلية.

3 ـ الأستاذ جمال البنا،[17] في نزعته العالية إلى التجديد، ورفضه الامتثال لكل ما أنتجه الأولون من فقه، وذهابه مباشرة إلى "النص المؤسس" وهو القرآن الكريم، والجزم بأن كل ما يقع خارج الثوابت الإيمانية يحتمل، بل يفترض، إعمال العقل نقدا واجتهادا، والبحث عن المصلحة العامة للأمة.

وفي رأي حسان فإن الخصوصية بوجهها العام مرتبطة بـ"خيرية" الأمة الإسلامية، التي يوقن أنها " ليست ذاتية ولا عرقية ولا عصبية ولكنها خيرية مستمدة من الرسالة التي شرفت الأمة بحملها للناس أجمعين... ولم يكن هذا التكريم والتفضيل لهذه الأمة اعتباطاً.. وإنما كان لأمة استقامت على دين الله وحولت الإسلام إلى منهج حياة، في جانب الاعتقاد وفى جانب التعبد، وفى جانب التشريع، وفى جانب المعاملات، والأخلاق والسلوك، وأقامت للإسلام دولة من فتات متناثر"[18].  

أما "الخصوصية الثقافية" فينطلق حسان من تصور لها ـ من دون أن يسميها أو يطرحها في صيغة هذا الاصطلاح ـ  يتبنى فيه قول أبو الحسن الندوي : "المسلم لم يُخلق ليندفع مع التيار ويساير الركب البشرى حيث اتجه وسار ، بل خُلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة ، ويفرض على البشرية اتجاهه ، ويُملى عليها إرادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم اليقين ، ولأنه المسئول عن هذا العالم وسيره واتجاهه فليس مقامه مقام التقليد والاتباع ، ولكن مقامه مقام الإمامة والقيادة ، ومقام الإرشاد والتوجيه ، ومقام الآمر الناهي ، وإذا تنكر له الزمان ، وعصاه المجتمع ، وانحرف عن الجادة ، لم يكن له أن يستسلم ويخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر ، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضى الله في أمره "[19].

لكن شيئا من هذا لم يتحقق في الغالب الأعم، من وجهة نظر حسان، بفعل "الغزو الفكري"، الذي يراد له أن يقضي على "الخصوصيات الثقافية" للمسلمين، ليفعل فيهم ما أخفقت في فعله الآلة الحربية الغربية. وهنا يقول حسان: "انتفض الأوروبيون وأعوانهم انتفاضة رجل واحد للقضاء على هذا المارد العملاق (العالم الإسلامي)  فتوالت هجماتهم وحملاتهم الصليبية المتكررة التي لم تزد المسلمين إلا عزماً على النصر أو الشهادة في سبيل الله  وفشل أسلوب الحديد والنار  ومن ثم فكر أعداء الإسلام في أسلوب جديد لا يقل ضراوة وخطراً من الغزو العسكري، وهو الغزو الفكري الذي نجح في أن يوجد جيلاً فرخ في مدارس أعداء الدين ، وشرب من منابعهم وحج إلى قبلتهم !! ثم عاد ليسبح بحمد أوربا ويهتف باسم الغرب  ويؤدى دوره بدقة وأمانة لمسخ هوية الجيل وزرع بذور التشكيك والإلحاد والتحرر ، ونجحوا إلى حد بعيد في أن يخرجوا هذا الجيل من المستغربين الذين أغشى أبصارهم بريق الحضارة الغربية المادية المذهلة التي صادفت هزيمة نفسية مزرية في كثير من القلوب"[20].

ويرفض حسان كل ما يرد من ثقافات الغرب وطرق حياته ونظمه، وينهي الأمة الإسلامية عما يسميه "التسول على موائد الفكر الإنساني"، ويرى في تبني هذا الفكر خطأ كبيرا، فيقول: نحت الأمة الإسلامية شريعة الله عز وجل وحكمت فوانين الشرق والغرب!! فخابت وخسرت. ونزلت من عليائها إلى هذا الدرك من الذل والهوان الذي وصلت إليه اليوم،  بل وأصبحت قصعة مستباحة للذليل قبل العزيز وللضعيف قبل القوى وللقاصي قبل الداني ... وأصبحت غثاء من النفايات البشرية تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدويلات متناثرة ومتصارعة. تفصل بينها حدود جغرافية ونعرات قومية مصطنعة ، وترفرف في سمائها راية القومية وتحكمها قوانين الغرب العلمانية وتدور بها الدوامات السياسية فلا تملك نفسها عن الدوران، ولا تختار لنفسها المكان الذي تدور فيه"[21].

ويضرب حسان أمثلة على هذا الغزو الفكري أو الخطط  و"المؤامرات" الغربية الرامية إلى النيل من الخصوصية الثقافية" للمسلمين، وهي في نظره:[22]

 1 ـ افتعال قضية المرأة: وهنا يقول: "حيث يحرص أعداء الدين على أن يوهموا الناس أن للمرأة قضية تحتاج إلى نقاش وذلك للانتصار لها ، أو الدفاع عنها ، ولذلك يكثرون الطنطنة والدندنة في وسائل الإعلام بكل صورها علي هذا الوتر بأن المرأة في مجتمعات المسلمين في معاناة دائمة وأنها مظلومة وإنها شق معطلة ومهملة وأنها لا تنال حقوقها وأن الرجل قد استأثر دونها بكل شيء" .

2- إضعاف مناعة المجتمع المسلم، حتى يفقد الغيرة على دينه والحمية لعقيدته ، وذلك من خلال الصحف والمجلات المنافية للأخلاق التي تُظهر المرأة بصورة فاضحة مخزية لحد أصبح معتاداً جداً عند كثير من الناس بل أصبح الإنكار لهذا التهتك تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام ، ونشر الفكر المنحرف بصورة منتظمة إلى أن يعتاد كثير من الناس عليه عبر المسلسلات والأفلام والندوات والأخبار والمقابلات وغيرها ... وتصوير البيت والأمومة وقوامة الرجل بصورة مشوهة تتقزز منها النفوس وتأباها الطباع  ... ومحاربة الحجاب بكل سبيل والدعوة إلى الاختلاط الفاحش المستهتر للزج بالطاهرات في مستنقعات الرذيلة والفتنة بحجة أن الأخلاق والتربية هما الأصل والأساس".

ويحاول حسان أن يضع آليات لمواجهة الغزو الفكري هذا، فيبدأ أولا بالاعتراف بوجود هذه "المشكلة" ثم يقترح ما يراه " انطلاقة صحيحة للقضاء على هذه العقبة"، وذلك بـ" غرس العقيدة الصحيحة الشاملة من كفر بالطواغيت والأنداد والأرباب والآلهة وصرف العبادة بجميع أجزائها لله جل وعلا وحده ، ومن ولاء وبراء  ولاء لله ولرسوله وللمؤمنين  وبراء من الشرك والمشركين ، ورد المسلم إلى هويته وانتمائه ليعتز بهذا الدين العظيم ... و يكون على يقين أن دولة الإسلام وإن مرضت واعتراها الركود إلى فترات طويلة فإنها لا تموت بإذن الله!! وبالعودة مرة أخرى إلى كل ميادين الحياة لتحويلها إلى واقع عملي حي يشهد للإسلام والمسلمين شهادة عملية وذلك بإعداد الكوادر المسلمة المتخصصة المتقنة في كل مواقع العمل وميادين الإنتاج"[23] .

ثم يقترح حسان في موضع آخر ما يعتبرها وسائل مهمة لنقل الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة، وهي:[24] إقامة الفرقان الإسلامي لاستبانة سبيل المجرمين، وتصفية العقيدة، وتنقية الشريعة، وتهيئة الفرد المسلم الذي يحول العقيدة والشريعة إلى منهج حياة، وبعث آداب السلوك والأخلاق الإسلامية، وجعل الولاء للإسلام فقط دون سواه ".

ولا يختلف القرضاوي كثيرا عن حسان في رؤيته لشرور العولمة فيقول في إحدى خطبه: "العولمة صكها من صكها كمصطلح يغزون به عقلنا وأفكارنا. يقولون: الحداثة، وما بعد الحداثة، النظام العالمي الجديد، وبعدها العولمة. والعولمة في حقيقتها هي الأمركة. عولمة الناس أي أمركتهم حتى يصبحوا خاضعين للثقافة الأمريكية والفلسفة الأمريكية في عالم الاقتصاد، والثقافة والدين والأمن".[25]

ويفرق القرضاوي بين "العالمية" التي جاء بها الإسلام و"العولمة" الذي يدعو إليها الغرب عامة، وأمريكا خاصة، فبينما يدعو المسلمين إلى التفاعل الخلاق مع الأولى ينظر للأخيرة

على أنها "فرض هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية من الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، وخصوصا عالم الشرق والعالم الثالث، وبالأخص العالم الإسلامي"[26].

لكن القرضاوي يبدو أكثر واقعية من حسان، حين يشدد على ضرورة أن يتفاعل الخطاب الديني مع عصر العولمة من دون أن يغفل الجوانب المحلية والإقليمية، وذلك لسببين، أولهما: أن هذه هي طبيعة الدعوة الإسلامية، فهي ليست دعوة عربية، ولا دعوة شرقية، وليست دعوة عرقية ولا إقليمية بحال، بل هي دعوة للعالمين. وثانيهما أن العزلة الآن لم تعد ممكنة، ولم يعد في إمكان عالم أو داعية أن يغلق أبواب مسجده أو معهده على نفسه، وعلى مصليه أو تلاميذه ويقول لهم ما يود أن يقوله من دون أن يسمع به أحد، فقد تقارب العالم وصار "قرية صغرى".[27]

وبصفة عامة يضع القرضاوي تصورا رحبا لما يجب أن يكون عليه الخطاب الإسلامي في زمن العولمة، بما يجعله قادرا على الوصول إلى الناس، بإقناع عقولهم واستمالة قلوبهم. ويجمل خصائص هذا الخطاب في خمس عشرة نقطة هي: (يؤمن بالله ولا يكفر بالإنسان ـ يؤمن بالوحي ولا يغيب العقل ـ يدعو إلى الروحانية ولا يهمل المادية ـ يعني بالعبادات الشعائرية ولا يغفل القيم الأخلاقية ـ يدعو إلى الاعتزاز بالعقيدة وإلى إشاعة التسامح والحب ـ يغري بالمثال ولا يتجاهل الواقع ـ يدعو إلى الجد والاستقامة ولا ينسى اللهو والترويح ـ يتبنى العالمية ولا يغفل المحلية ـ يحرص على المعاصرة ويتمسك بالأصالة ـ يستشرف المستقبل ولا يتنكر للماضي ـ يتبنى التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة ـ يدعو إلى الاجتهاد ولا يتعدى الثوابت ـ ينكر الإرهاب الممنوع ويؤيد الجهاد المشروع ـ ينصف المرأة ولا يجور على الرجل ـ يصون حقوق الأقلية ولا يحيف على الأكثرية)[28].

وبالنسبة لتأثير العولمة على الخصوصية الثقافية يرى القرضاوي أن أمريكا تريد فرض ثقافتها الخاصة التي تقوم على فلسفة المادية والنفعية وتبرير الحرية إلى حد الإباحية، وتستخدم أجهزة الأمم المتحدة لتمرير ذلك في المؤتمرات العالمية". وهنا يستشهد بما جرى في مؤتمر السكان الذي استضافته القاهرة في صيف 1994، حيث محاولة تمرير وثيقة تبيح الإجهاض بإطلاق، وتجيز زواج المثليين، والاعتراف بالإنجاب خارج الزواج الشرعي، وكذلك بمؤتمر المرأة الذي انعقد ببكين سنة 1995، وكان استمرارا لمؤتمر السكان، وتأكيدا لمنطلقاته، واستكمالا لتوجهاته.[29]

ويقدم القرضاوي أدلة تبرهن على احترام الإسلام للخصوصيات الثقافية والاجتماعية، فيؤكد أن الإسلام يعترف باختلاف الأمم، وحقها في البقاء، حتى لو كانت أمة من الحيوانات، فما بالنا بأمم من البشر. كما لا ينسي الخطاب الإسلامي البعد المحلي، فالأقربون أولى بالمعروف والشفعة.

 ويصل تفاعل القرضاوي مع العطاء الفكري والحضاري للآخر ذروته في الجوانب السياسية والحقوقية، فيقول: لقد انتهى حصاد تجارب إنسانية من مختلف الإعصار ومختلف البيئات، تتمثل في "ضمانات" أساسية لحماية حق الشعوب ضد طغيان الحكام وأهوائهم، مثل المجالس النيابية، وما لها من حق مراقبة الحكومة ومحاسبتها، بل إسقاطها، ومثل الدساتير، التي تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتصون حريات الأفراد، وتحد من طغيان السلطات الحاكمة، ومثل حرية الصحافة، وتعدد الأحزاب، وتكوين النقابات، وحق الإضراب. ويجب علينا ـ نحن المسلمين ـ أن نعض بالنواجذ على هذه الضمانات، التي كسبتها الإنسانية بالجهاد الطويل مع الفراعنة والجبابرة والطغاة، وأن نعتبر الحفاظ على هذه الضمانات والمكاسب فرضا دينيا، لا يجوز التفريط فيه، لأن العدل والشورى والنصيحة، وأداء الأمانات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي أوجبها الإسلام لا تتم إلا بها، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب"[30]

ولا يختلف جمال البنا عن سابقيه في نظرته للعولمة، إذ يرى فيها آخر صيحة أو مدى وصل إليه النظام الرأسمالي، كان فصلها الأول هو الغزو العسكري لنهب موارد المستعمرات، وفصلها الثاني هو الشراكة في إقامة المؤسسات الصناعية والتجارية بين الطرفين، أما الثالث فهو العولمة "التي جندت ثلاثة فيالق لا يمكن لأي دولة أن تقف أمامها وهي اختراق البورصات والانتقال المفتوح لرؤوس الأموال، وغزو السلع والمنتجات أسواق العالم في ظل الجات وبنود منظمة التجارة العالمية، والإعلام المعتمد على الأقمار الصناعية، والذي يقوم بالغزو الفكري والنفسي لفلسفة العولمة، بحيث يمكن في النهاية أن يأكل العالم كله الهامبورجر، ويشرب الكوكاكولا، ويلبس الجينز، ويشاهد الأفلام الأمريكية"[31].

لكن البنا لم يقع في فخ التشاؤم حيال العولمة على غرار ما جرى لحسان، ولم يخاف منها بالقدر الذي يخيف القرضاوي، إنما يؤكد أن "أن كل الأديان والنظم عجزت عن توحيد العالم كله، وأن قوى الدين واللغة والتراث والخصائص ستقف أمام طوفان العولمة، بحيث لا يمكن الاستحواز على الإنسان الأفريقي أو الأسيوي، وبوجه خاص الإنسان المسلم، الذي يقدم له الإسلام أكبر حصانة من الإذابة"[32].

ويتفاعل الخطاب الفكري لدعوة الإحياء الإسلامي التي أطلقها جمال البنا مع كثير من الأفكار التي أنتجها الغرب، فيؤكد أن الدور الذي قامت به الاشتراكية في التاريخ الإنساني لا يمكن إغفاله، ويتوقع أن يكون لها جولة أخرى، لأن وجودها أمر جدلي بالنسبة للرأسمالية. وينطبق المسار نفسه ـ في نظره ـ على القومية التي رزقت عوامل مواتية جعلتها تشغل الساحة، وتظفر في بعض الحالات بالصدارة. أما العلمانية فيدعو البنا إلى التصالح معها، ولا يرى أي تعارض بين العلمانية والإسلام في بعض الجوانب، ويؤكد أنها إن اختلفت مع الإسلام في أمور، لكن تظل لها أهمية حتى لا يطغى التدين الأخروي على التدين الدنيوي.[33]

لكن البنا لا يرى في أي من المذاهب الثلاثة بديلا عن الإسلام، فـ"الأديان أغنى وأثرى من أي فكر إنساني"، ويرد القومية والاشتراكية والعلمانية إلى أصلها الأوروبي، ويرى فيها نبتا لأرض غير أرضنا، لكنه يدعو إلى أن "نستوعب بعض دروسها التي تتلاءم معنا، ونعكف عليها لتعربيها"[34].

ويتعمق البنا في تفاعله مع العطاء الفكري والثقافي للآخرين فيقول: "نحن من دعاة إحكام اللغات الأجنبية والإطلاع على الثقافة الأوروبية، ولكن هناك فرقا بين أن نحكمها لحساب ثقافتنا الخاصة، وبين أن نحكمها على حساب ثقافتنا الخاصة. والمفروض أن نلم بكل الثقافات والمعارف، لأنها جزء من الحكمة التي هي هدفنا، والتي تدخل في مكونات الإسلام"[35].

ويجعل البنا من "الحكمة" التي تقوم في جزء منها على اقتباس المفيد من ثقافة الغير، مصدرا من مصادر الفقه، علاوة على أنها في نظره "أصلا من أصول الإسلام"، ويعيب على الفقهاء إهمالهم لها قائلا: "أغلب الظن أنهم عزفوا عن الاعتراف بأصل ومصدر مفتوح، غير محدد أو منضبط، يسمح بالانفتاح والتعددية، وهي صفات يضيق بها الفقهاء عادة، لأنها تفتح عليهم بابا لا يمكنهم التحكم فيه"[36].

ويتبنى البنا تعريفا للحكمة مفاده أنها "العقل والعلم والفهم وإدراك روح الإسلام ومقاصده وقيمه"[37]، ليدعونا إلى أن "ننهل من كل معين لحكمة، من علوم وفلسفة وآداب وفنون دون حرج ... فلا يكون هناك احتكار للمعارف ولا سدود قائمة تحول دون الإفادة من ذخائر الحضارة الإنسانية"[38]، ويقول: "ثورة المعرفة في العصر الحديث وتدفقها من أربعة أركان العالم، ووصولها عبر المطابع والقنوات الفضائية والإنترنت وخدمات التصنيف، وضع تحت أيدي البحاث كل كنوز العالم القديم، وكل مستجدات العصر الحديث، بحيث أصبح (الكتاب) أي القرآن يمثل دليل العمل والإطار العريض للخطوط الرئيسية، أما ما يملأ الحياة فهي هذه العلوم والفنون والمعارف التي تتدفق فيما يشبه الفيضان من كل الدول المتقدمة، وأصبحت رمز ثروة وقوة العصر الحديث"[39]، الذي يدعو البنا إلى الانخراط فيه والتفاعل معه.

خاتمـة

رغم أن قضية "الخصوصية الثقافية" احتلت حيزا مهما من الخطاب الفكري الإسلامي المعاصر، فإنها لم تشكل تحديا كبيرا للمسلمين في بلادهم، ففرض الثقافات بالقوة ثبت فشله، ولنا في تجربة الاتحاد السوفيتي السابق بالقرم والقوقاز وآسيا الوسطى عبرة وعظة. والمزاوجة بين غطرسة القوة المفرطة وتسريب القيم لم يفلح هو أيضا في إزاحة الثقافات المحلية أو التعمية عليها، والتجربة الأمريكية الراهنة تقدم شاهدا جليا ودليلا دامغا على هذا. أما التغيير الطوعي والتدريجي، الذي يمكن أن تحدثه الدعوات والتبشير الديني، أو الاحتكاك الطويل بالمجتمعات الأخرى، فهو الأكثر وقعا وتأثيرا في هذا المضمار.

لكن قضية الخصوصيات الثقافية باتت تشكل تحديا كبيرا بالنسبة للمسلمين المقيمين في بلاد الغرب، والذين يتمسك كثيرون منهم بخصوصياتهم إلى حد مذهل، وإلى درجة تضر أكثر مما تفيد، لأنها تمنعهم من التفاعل الخلاق مع البيئة المحيطة بهم، وهو أمر يشجع عليه الإسلام ذاته، سواء في نصه، أو في التجربة التاريخية للمسلمين الأوائل.

ويحتاج هؤلاء إلى خطاب فكري إسلامي أكثر قدرة على التعاطي مع واقعهم الجديد. وظني أن مثل هذا الخطاب إن اشتد عوده واستوى على سوقه سيمثل إضافة مهمة في حل الإشكالية القائمة بين "الخصوصيات الثقافية" و"العولمة"، وقد يعيد في إطار "حوار الحضارات" طرح قضية "العالمية" بشدة، ليحض على التفاعل البناء والإيجابي بين أجزاء سكان الأرض برمتهم، من دون مآرب استعمارية تقوم على الاستغلال والنهب والاستعلاء.

 

 


 

 


 

هوامش

 

[1] د. كمال أبو المجد، "حوار لا مواجهة"، (القاهرة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب"، مكتبة الأسرة، الطبعة الثالثة، 2002، ص: 184.

[2]  المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[3]  فرانك بيلي، "معجم بلاكويل للعلوم السياسية"، (دبي: مركز الخليج للأبحاث)، الطبعة الأولى، 2004، ص: 682.

[4]  د. ضياء زاهر، "القيم في العملية التربوية"، (القاهرة: مؤسسة الخليج العربي)، 1984، ص: 7 ـ 24.

[5]  د. عبد اللطيف محمد خليفة، "ارتقاء القيم: دراسة نفسية"، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب)، سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم (160)، إبريل 1992، ص: 47 و 48.

[6] محمد شفيق غربال (مشرفا) "الموسوعة العربية الميسرة"، (القاهرة/ دار الجيل ـ الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية)، 1995، الجزء الأول، ص: 581.

[7]  بريان وايت وريتشارد ليتل ومايكل سميث، "قضايا في السياسة العالمية"، ترجمة مركز الخليج للأبحاث، (دبي: مركز الخليج للأبحاث)، الطبعة العربية الأولى، 2004، ص: 209.

[8]  The New Encyclopaedia Britannica,1978,volume 5,p: 364 – 368.

 

[9] د. يوسف القرضاوي، "خطابنا الإسلامي في عصر العولمة"، (القاهرة: دار الشروق) الطبعة الأولى 2004، ص: 15 و 16.

[10] المرجع السابق، ص: 16.

[11] نبيل عبد الفتاح، "الخطابات الدينية الإسلامية في إطار أزمة عولمية"، مجلة الديمقراطية، العدد 12، أكتوبر 2003، ص: 65.

[12] فريدريك جيمسون و ماساو ميوشي، "ثقافات العولمة" ترجمة: ليلى الجبالي، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة) المشروع القومي للترجمة، العدد (668)، الطبعة الأولى، 2004، ص: 7.

[13][13]  فيج جورج وبول ويلدينج، "العولمة والرعاية الإنسانية"، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة) المشروع القومي للترجمة، العدد (783)، الطبعة الأولى، 2005، ص: 31.

[14]  جون بيليس وستيف سميث، "عولمة السياسة العالمية"، ترجمة مركز الخليج للأبحاث، (دبي: مركز الخليج للأبحاث) الطبعة العربية الأولى، 2004، ص: 787.

[15]  ولد الشيخ في قرية دموه مركز دكرنس بمحافظة الدقهلية بدلتا مصر، والتحق وهو في الرابعة من عمره بكتاب القرية وأتم حفظ القرآن الكريم وهو في الثامنة من عمره، ثم أنهى حفظ بعض المتون في اللغة العربية والفقه الشافعي والعقيدة. والتحق حسان بالدراسة النظامية حتى أنهى الجامعة بالحصول على بكالوريوس الإعلام من جامعة القاهرة، ثم التحق مباشرة بمعهد الدراسات الإسلامية للحصول على الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية . وسافر حسان  إلى السعودية ليعمل إماما وخطيبا لجامع الراجحي لمدة تزيد على ست سنوات، وعمل مدرسا لمادتي الحديث الشريف ومناهج المحدثين في كليتي الشريعة وأصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وخلال هذه الفترة تأثر تأثرا شديدا بالمدرسة السلفية للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتتلمذ على آراء وفتاوى رموزها المعاصرين مثل الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين.وقد تفرغ حسان للدعوة والتدريس بعد عودته من السعودية، وهو أستاذ مادة العقيدة بمعهد إعداد الدعاة بجماعة أنصار السنة بالمنصورة ورئيس مجلس إدارة مجمع أهل السنة. ولحسان عدد من المؤلفات منها "حقيقة التوحيد" و "خواطر على طريق الدعوة" و" قواعد المجتمع المسلم" و" أئمة الهدى ومصابيح الدجى" وماذا قدمت لدين الله" و "نهاية العالم متى وكيف" و "الحصاد الحلو والحصاد المر" و" الثبات حتى الممات" و " اجتنبوا السبع الموبقات" و" تبرج الحجاب" و"   الطريق  إلى  القدس".

1[16] ولد الشيخ الدكتور يوسف مصطفى القرضاوي في مصر بتاريخ9/9/1926م ونشأ فيها،حفظ القرآن الكريم وجوّده وهو دون العاشرة، أتم تعليمه في الأزهر الشريف. حصل على الشهادة العالية من كلية أصول الدين عام 1953م، وعلى إجازة التدريس عام 1954م، وكان ترتيبه الأول في كليتيهما،وفي سنة 1960م حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين، كما حصل على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام 1973م .وعمل القرضاوي بعد تخرجه في مراقبة الشؤون الدينية بالأوقاف، وإدارة الثقافة الإسلامية بالأزهر، ثم أعير إلى قطر مديراً لمعهدها الديني، فرئيساً مؤسساً لقسم الدراسات الإسلامية بكليتي التربية فعميداً مؤسساً لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ومديراً لمركز بحوث السنة والسيرة الذي كلف بتأسيسه ولازال يديره . واشتغل القرضاوي بالدعوة منذ فجر شبابه، وشارك في الحركة الإسلامية، وأوذي في سبيلها بالاعتقال عدة مرات، في عهد الملكية وعهد الثورة ..وتنوع عطاؤه بتنوع مواهبه، فهو خطيب مؤثر، يقنع العقل ويهز القلب .. وكاتب أصيل لا يكرر نفسه ولا يقلد غيره .. وفقيه تميّز بالرسوخ والاعتدال، فشرّقت فتاواه وغرّبت. . وعالم متمكن في شتى العلوم الإسلامية، جمع بين علوم أهل النظر، وعلوم أهل الأثر..وشاعر حفظ شعره الشباب الإسلامي وتغنى به في المشرق والمغرب.

جاوزت مؤلفات القرضاوي الثمانين، وقد لقيت قبولاً عاماً في العالم الإسلامي، وطبع بعضها عشرات المرات، وترجم عدد كبير منها إلى اللغات الإسلامية، واللغات العالمية. أما مقالاته ومحاضراته وخطبه ودروسه فيصعب حصرها. وصفه الذين كتبوا عنه بأنه من المفكرين الإسلاميين القلائل، الذين يجمعون بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر، وبأن كتاباته تميزت بما فيها من دقة الفقيه، وإشراقة الأديب، ونظرة المجدد، وحرارة الداعية.من أبرز دعاة ( الوسطية الإسلامية ) التي تجمع بين السلفية والتجديد. وتمزج بين الفكر والحركة، وتركز على فقه السنن، وفقه المقاصد، وفقه الأولويات، وتوازن بين ثوابت الإسلام ومتغّيرات العصر، وتتمسك بكل قديم نافع، كما ترحب بكل جديد صالح تستلهم الماضي، وتعايش الحاضر، وتستشرف المستقبل. والقرضاوي عضو في عدة مجامع ومؤسسات علمية ودعوية وعربية وإسلامية وعالمية، منها: المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامية بمكة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن، ومركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد، ومجلس أمناء الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد، ومنظمة الدعوة الإسلامية بالخرطوم، ورئيس لهيئة الرقابة الشرعية في عدد من المصارف الإسلامية. وقد حصل على جائزة البنك الإسلامي للتنمية في الاقتصاد الإسلامي لعام 1411هـ. كما حصل على جائزة الملك فيصل العالمية بالاشتراك في الدراسات الإسلامية لعام 1413هـ.، وحصل على جائزة العطاء العلمي المتميز من رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا لعام 1996م. وحصل على جائزة السلطان حسن البلقية ( سلطان بروناي الإسلامي لعام ) في الفقه 1997م.

[17] ولد الأستاذ جمال البنا في المحمودية من أعمال البحيرة في 15/12/1920، لأب كان مشغولا بعلوم الدين، إذ صنف مسند الإمام أحمد بن حنبل في الحديث. وعكف البنا، الذي هو الشقيق الأصغر للإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، منذ طفولته على الإطلاع، وبعد أن أتم دراسته الابتدائية، التحق بالمدرسة الخديوية الثانوية، لكنه ترك الدراسة إثر شجار بينه وبين مدرس اللغة الإنجليزية، وراح يستكمل تعليمه بوسائله الخاصة.

عني البنا بقضايا العمل النقابي، فأسس عام 1981 الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل، بعد أن استعانت به منظمة العمل الدولية في عدد من الترجمات، ومنظمة العمل العربية كخبير استشاري.وفي سنة 1997 أسس مع شقيقته السيدة فوزية مؤسسة "فوزية وجمال البنا للثقافة والإعلام الإسلامي"، وهي دار نشر ومكتبة إسلامية عامرة، تحوى أكثر من عشرة آلاف كتاب بالعربية، وثلاثة آلاف بالإنجليزية.

وأطلق البنا دعوة "الإحياء الإسلامي" التي ضمنها خلاصة فكره الإسلامي والسياسي والثقافي. ورغم أنها الدعوة قوبلت في البداية بتعتيم وتجاهل كاملين، فإنها لم تلبث أن شقت طريقها في مصر والبلدان العربية والإسلامية، ولاقت اهتماما من هيئات دولية.

وتفرغ البنا منذ شبابه للتأليف فد أصدر أكثر من مائة كتاب، ترجمت عشرة منها إلى اللغات الأجنبية. وأول كتاب له ظهر عام 1945 عن "الإصلاح الاجتماعي"، ثم أبتعه في العام التالي بكتاب وسمه بـ"ديمقراطية جديدة". ومن أهم كتب البنا "نحو فقه جديد" ,الإسلام دين وأمه وليس دينا ودولة" و"تجديد الإسلام" و"الإسلام والعقلانية" و"مسؤولية فشل الدولة الإسلامية" وكلا ثم كلا" و"الإسلام وحرية الفكر" و"الإسلام كما تقدمه دعوة الإحياء" و"روح الإسلام" و"تفسير القرآن الكريم بين القدامى والمحدثين" و "الإسلام والحركة النقابية" و" تفنيد دعوى النسخ في القرآن" و"الجهاد" و"الحجاب" و"المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء" و"إخواني الأقباط".

[18]  من إحدى خطب الشيخ حسان المكتوبة، أنظر:    www.mohamedhassan.org

[19]  محمد حسان، "جراح وأفراح: خواطر على طريق الدعوة"، (الرياض: دار المسلم)، ص: 18.

[20]  المرجع السابق، ص: 71.

[21]  من إحدى خطب الشيخ حسان المكتوبة، أنظر:    www.mohamedhassan.org

 

[22] المصدر السابق.

[23]  محمد حسان، جراح , وأفراح، مرجع سابق، ص: 72.

[24] من إحدى خطب الشيخ حسان المكتوبة، المصدر السابق.

[25]  من إحدى خطب القرضاوي، أنظر موقعه على شبكة الإنترنت www.qaradawi.net

[26]  . يوسف القرضاوي، "خطابنا الإسلامي في عصر العولمة"، مرجع سابق، ص: 123.

[27]  المرجع السابق، ص: 120 ـ 121.

[28] نفسه، ص: 54 ـ 55.

[29]  نفسه، ص: 124 ـ 125.

[30] أنظر: د. يوسف القرضاوي، "الإسلام والعلمانية وجها لوجه"، ( بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع).

[31]  جمال البنا، "استراتيجية الدعوة الإسلامية في القرن 21"، (القاهرة: دار الفكر الإسلامي)، ص: 98.

[32] المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[33] أنظر: جمال البنا، "موقفنا من العلمانية والقومية والاشتراكية"، (القاهرة: دار الفكر الإسلامي)

[34] المرجع السابق، ص: 123 ـ 124.

[35]  جمال البنا "كلا ثم كلا"، (القاهرة: دار الفكر الإسلامي)، الطبعة الأولى، 1994، ص: 152.

 

[36]  جمال البنا، "أصول الشريعة"، (القاهرة: دار الفكر الإسلامي)، الطبعة الأولى، 2006، ص: 109.

[37] المرجع السابق، ص: 113.

[38]  نفسه، ص: 116.

[39]  نفسه، ص: 115 ـ 116.