مفهوم "الخصوصية" عند أنور عبد الملك(*)
موقع الثقافى/الحضارى فى فكر أنور عبد الملك:
يعد أنور عبد الملك من أبرز المفكرين ذوى الرؤية الحضارية، ويحتل العامل الحضارى مكانة القلب فى فكره، يرى من خلاله الظواهر ويفسرها ويقترح الحلول بناءً عليه، فهو يؤمن بـ"أولوية التوجه الحضارى، لفهم أمور الدنيا، والإسهام فى مواكبتها وتغييرها"[1]. والعالم –فى فكر عبد الملك- يتكون من مجموعة من الحضارات الكبرى التى تمثل "الدوائر الأوسع للتمايز البشرى"، أما ما يطلق عليه بعضهم "حضارة عالمية واحدة" فهو أسطورة لا تمت للواقع بصلة[2].
ومن أهم القضايا التى يتضح فيها جلياً التوجه الحضارى لأنور عبد الملك وأكثرها إلحاحاً وحضوراً فى فكره وكتاباته قضية "النظام العالمى الجديد"؛ حيث يرى عبد الملك أن العالم يتجه الآن نحو صياغة نظام عالمى جديد، هذا النظام المرتقب لن يتخذ شكل إحلال قطب عالمى أوحد محل القطب القائم، كما لن يعود إلى نظام القطبية الثنائية الذى كان سائداً خلال النصف الثانى من القرن العشرين، وإنما سيتخذ هذا النظام الجديد صيغة "عالم متعدد الأقطاب والمراكز والثقافات". هذا العالم الجديد تشكله ثلاثة مكونات رئيسية[3]:
1- الأقطاب: هى الأمم الكبرى. ويعرف عبد الملك الأمة بأنها "المجتمع القومى المتكامل الذى أثبت قدرته على الاستمرارية عبر التاريخ الطويل أو الوسيط من الوحدة الأساسية العاملة بشكل فاعل ومؤثر فى الدائرتين الإقليمية والعالمية". ويعيش أفراد ذلك المجتمع القومى حول مركز سلطة اجتماعية واحد هو الدولة الوطنية، وهى الظاهرة التى تعبر عن خصوصيتها فى ثقافة وطنية جامعة تصل أحياناً إلى مستوى الرؤية العامة للعالم المحيط[4].
وفى هذا المقام يذكر "دور الأمم الثابتة فى تحديد مسار الأزمات والتحديات الكبرى"، ويضرب أمثلة لكل من إيران وكوريا الشمالية والهند وباكستان فى مجال الطاقة الذرية والسلاح النووى، وفرنسا وألمانيا "اللتين تمسكتا باستقلالية قرارهما السيادى فى السلم والحرب" (فى إشارة إلى موقفهما المعارض من الحرب على العراق)، وكل من فنزويلا وكوبا و"البرازيل العملاقة" والأرجنتين باعتبارها دولاً ذات توجه قومى استقلالى فى المجالين الاقتصادى والاجتماعى.
عبد الملك يتحدث، إذاً، عن الأمة القطرية (الدولة القومية الكبرى nation-state)؛ فالدولة القطرية المتكاملة ذات التاريخ الممتد والتى استطاعت عبر هذا التاريخ أن تعمل بشكل مؤثر فى الدائرتين العالمية والإقليمية، هى دولة تتوافر فيها عناصر الأمة. ولابد لهذه الدولة (الأمة) من توحيد الجهود مع غيرها من القوى الفاعلة فى المجالات القومية والإقليمية والعالمية من أجل مواجهة التحديات والمخاطر التى تواجه مستقبل الإنسانية والتى يتخطى تأثيرها الحدود القومية مثل: تدهور البيئة، عقلية الاستهلاك السوقى، انتشار الأمراض الوبائية وخاصة الإيدز والملاريا وأنفلونزا الطيور والحمى القلاعية، تجارة المخدرات والدعارة عبر الحدود، الكوارث الطبيعية مثل تسونامى، شبكات العنف والإرهاب، والخطر النووى. هذا التنسيق وهذه الوحدة العاملة هما اللذان يضمنان ويؤكدان "استمرار فاعلية الأمة رغم ضغوط وتحديات عصر العولمة".
ويرى عبد الملك أنه لما كانت الأمة هى الفاعل الرئيسى فى صياغة مستقبل العالم، فإنه لا ينبغى لها الرضوخ لسياسات العولمة التى لا تعنى إلا "ضعف مناعة الإرادة القومية" و"التراضى مع الهيمنة" و"التنازل عن مكانة الأمة وحق الشعوب فى تقرير مصيرها".
2- التجمعات الإقليمية: هى الآلية التى من خلالها تفعِّل الأمم قدرتها على العمل والتأثير فى مواجهة ضغوط وتحديات العولمة، وكذا "مواجهة تأثير نظام هيمنة القطب الأوحد".
ويميز عبد الملك بين نوعين من التجمعات الإقليمية: نوع أول يقوم على المصالح المشتركة بالمعنى المادى –اقتصادى فى المقام الأول- يهدف إلى الحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية والأمن، ويذكر أمثلة من بينها مجموعة دول حوض النيل والسوق الأوروبية المشتركة وتطورها إلى الاتحاد الأوروبى، ونوع آخر يقوم على الجمع بين المصالح المادية من ناحية والعوامل الجغرافية والثقافية من ناحية أخرى ويذكر من بينها دائرة الأورومتوسطية. ويرى عبد الملك أن هذه التجمعات الإقليمية تصلح قواعد لمراكز عالمية جديدة لا ترتفع إلى مستوى الأقطاب العالمية.
3- الثقافات: باعتبارها "تجمعات تحتل ساحات هائلة عبر القارات"، ولكونها "تؤثر على وجدان الشعوب ورؤى المجتمعات والطلائع بدرجات مختلفة"، فإن "ساحة الأديان والحضارات" هى المكون الثالث للعالم الجديد المرتقب.
ويعرف عبد الملك الحضارة بأنها "الدائرة الشاملة الجامعة لمجموعة من الأمم والمناطق الجيو-ثقافية (أى الساحات المكانية التى تنتشر فيها ثقافة رئيسية محورية) التى يجمع بينها عدد من اللغات والرؤى المتجانسة"، كما تمتلك –وهو الأهم والأكثر عمقاً- مسيرة تاريخية مشتركة بعيدة الأمد. هذه المسيرة التاريخية المشتركة هى المنبع الرئيسى للرؤى والمفاهيم التى تحدد خصوصية هذه الحضارة، أى هى "العنصر التكوينى الأول لصياغة خصوصية حضارة ما".[5]
ووفق هذا المعيار يقسم عبد الملك العالم إلى دوائر حضارية كبرى: المسيحية، الإسلام، الكونفوشية والمعروفة أحياناً باسم دائرة كانجى الثقافية والممتدة فى شرقى ووسط آسيا، البوذية فى جنوب وجنوب شرق آسيا، دائرة ثقافات أفريقيا، الدائرة اللاتينية وتجمع بين أمريكا الوسطى والجنوبية من ناحية ومجموعة دول غرب وجنوب أوروبا من ناحية أخرى، الدائرة الصقلية الأرثوذكسية حول روسيا وامتدادها لآسيا الوسطى، والدائرة الأنجلوساكسونية.
إذاً، الحضارات فى فكر أنور عبد الملك فاعل دولى، شأنها فى ذلك شأن الدول القومية والتجمعات الإقليمية، بل إن متابعة دقيقة لما يجرى على الساحة العالمية يكشف أن الحضارات
الآن هى "العامل الحاسم فى الفكر والعمل"، بدلاً من الشركات عبر القومية وعبر القارية التى ينتمى معظمها إلى دائرة الهيمنة الغربية[6]. لكن ذلك لا ينفى دور الأمة، "أى المجتمع القومى حول دولته الوطنية"، وتشهد على ذلك محاولات الوحدة –سواء كانت اتحادية أم كونفدرالية- فى المنطقة العربية وكذا الاتحاد الأوروبى أو مختلف دوائر أمريكا اللاتينية وجنوبى شرق آسيا، التى خلصت إلى "ضرورة احترام الوحدات القومية التكوينية". أما الحضارة، وإن كانت تمثل "البيت الجامع" لمجموعة من الأمم والثقافات، فإن لدورها حدوداً من حيث الفاعلية[7].
ومن هذا المنطلق يقدم عبد الملك مفهوم "الأمة ذات المستويين" كأداة لفهم العلاقة بين دوائر الانتماء المختلفة. وبتطبيق هذا المفهوم على مصر يحدد عبد الملك مستويى الأمة: المستوى الأول يكمن فى الوطن –القاعدة الأساسية- أى الأمة المصرية، أما المستوى الثانى فهو مستوى الأمة العربية، وهو الذى "يجمع بين مختلف الأمم والدول والمجتمعات التى تنتمى إلى التاريخ والثقافة العربية"، ويرى عبد الملك أن هذا المفهوم –مفهوم "الأمة ذات المستويين"- يمكن أن يجمع بين "الولاء للوطن الأمة والانتماء العضوى للقومية العربية". ويدلل عبد الملك على رؤيته بتجربة الوحدة المصرية السورية (1958 – 1961) التى أُعلنت تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة، بينما اختفى تماماً اسما مصر وسوريا إذ صارت مصر الإقليم الجنوبى للدولة الجديدة الموحدة وصارت سوريا الإقليم الشمالى. ويرى عبد الملك أن التركيز على مستوى القومية العربية لعب دوراً غير ثانوى فى انفصام الوحدة عام 1961، بينما كان الواجب يقتضى إعلان دولة اتحادية أو كونفدرالية تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة مع الاحتفاظ باسمى جمهورية مصر وجمهورية سوريا توكيداً لشخصية كل منهما. ومن ثم يؤكد عبد الملك أن مفهوم "الأمة ذات المستويين" لا يزال "هو الأقرب إلى تحقيق الوحدة"[8].
وقد تحققت النهضة لمصر فى عهد محمد على حينما وجه جهوده إلى تحقيق النهضة الداخلية وحماية مصر ضد توغل الحملة الفرنسية، وفى الوقت نفسه التوجه خارجياً نحو إحياء قوة الأمة الإسلامية فى إطار الخلافة العثمانية فى تركيا. فالقاعدة، إذاً، كانت الشخصية المصرية (الأمة المصرية) فى حين أن "دائرة الانتماء والتحرك تمتد إلى العالم الإسلامى".[9]
وعليه، يمكن القول إن أنور عبد الملك يؤكد على أهمية الانتماء القومى والحفاظ على الشخصية القومية، ولا يرى فى هذا الأمر تعارضاً مع التوجه نحو مستويات الانتماء الأوسع طالما هناك وعى من الشعوب والقيادات بخصائص كل من هذه المستويات المتوازية. فالوعى بمستويات الانتماء المختلفة هو أقرب السبل إلى تماسك الأمم فى داخلها من ناحية، وبين بعضها البعض داخل إطار مستويات الانتماء الأعلى (الثقافة، الحضارة.. الخ) من ناحية أخرى.
وإذا كان عبد الملك يرى أن للعامل الثقافى تأثيراً أكيداً فى السياسة الدولية، فإن هذه الرؤية لا تقتصر على قراءته للواقع فقط، وإنما تمتد إلى قراءته للتاريخ ويوظف هذه الرؤية الثقافية/الحضارية فى الربط بين الماضى والحاضر. فالواقع الذى نعيشه اليوم ليس منبت الصلة عن تاريخنا، وإنما هو نتاج سلسلة من الأحداث التاريخية المتواترة المترابطة والقائمة على تحقيق مجموعة من الأهداف بعضها ثابت لم يتغير عبر التاريخ.
ففى قراءته لتاريخ الاستعمار والإمبريالية، يرى أنهما ركزا هجومهما –لقرون متتالية- على الشعوب العربية لا للسيطرة السياسة والاقتصادية عليهم فحسب، وإنما أيضاً "لتفتيت شخصيتهم القومية وإنهاكها المستمر من أجل تمكين الفكر الاستعمارى الغربى وثقافته المضادة من اقتلاع جذور المقاومة الحضارية العربية للموجات الاستعمارية المنظمة ضده تاريخياً". فالإمبريالية هى عبارة عن "نظام اقتصادى-سياسى لخدمة هدف حضارى لسيطرة الحضارة الغربية على شعوب وقوميات الشرق وليس نهب مواردها الاقتصادية فقط[10]. واليوم فإن ما يسمى "الحرب الأمريكية على الإرهاب" هى حرب حضارية شنها الغرب من أجل "تفتيت الدائرة الإسلامية من أفغانستان إلى العراق وفلسطين" و"التسلط على مراكز الطاقة" فى الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا، وهذه الحرب الحضارية "تستهدف فى المقام الأول صحوة الصين العملاقة ومن حولها شرق آسيا"، لأن الغرب بقيادة الولايات المتحدة يخشى قيام "المركز العالمى العملاق" بقيادة الصين[11].
إن هذه "الحرب الحضارية" –كما يراها عبد الملك- ليست إلا حلقة من سلسلة طويلة من الصراعات بدأت منذ القرن العاشر الميلادى. كان التحدى الذى يواجه "الحضارة الشرقية فى إطارها العربى والإسلامى" هو "الوجود على قدم المساواة فى تشكيل وجهة العالم"، وهو ما يتطلب بالضرورة استقلالاً وسيادة وطنية كاملة فى المجال الاقتصادى والسياسى والعسكرى، كما يتطلب –فوق هذا وذاك- استقلالاً ثقافياً وفكرياً. إن المعركة التى تخوضها شعوبنا العربية ليست "معركة مصير" على المستوى الاقتصادى والسياسى، وإنما هى "معركة مصير شعوب العالم العربى بوصفه عنصراً فعالاً فى مستقبل الحضارة فى العالم". ومن ثم "ليست المسألة مسألة حل ‘سياسى‘ أو ‘سلمى‘ أو ‘عسكرى‘، بل مسألة مصير حضارى بالمعنى الكامل لهذه العبارة"[12]
وفى سياق تأكيد أنور عبد الملك على أهمية العامل الثقافى فى تفسير السياسة الدولية، يرى أيضاً –على سبيل المثال- أن "التقارب غير المعلن" بين الولايات المتحدة وألمانيا بعد الحرب على العراق يجد أساساً له فى أن المستوطنين من أصل ألمانى فى الولايات المتحدة يمثلون رابع أكبر عنصر تكوينى للشعب الأمريكى اليوم بعد أحفاد المستعمرين البريطانيين ثم الإيطاليين والبولنديين، وأن الأمريكيين من أصل ألمانى "ينتشرون بكثافة فى المناطق الصناعية وكذا فى الساحات الزراعية الخصبة، ويتولون العديد من مراكز المسؤولية فى مختلف الولايات والمراكز والمدن والمجالس الإقليمية، بالإضافة إلى رافد مهم فى الكونجرس". كما يرى عبد الملك أنه حينما يعلن وزير الخارجية الفرنسى الأسبق هوبير فيدرين فى مقال له بصحيفة لوموند أن الخلاف مع الولايات المتحدة حول مسألة الحرب على العراق لا ينال من الوحدة العميقة بين رؤى ومصالح دول الغرب تجاه التهديدات القائمة، فإنه ينتقل من مستوى العلاقات الدولية "إلى المستوى الحضارى بكل معانى الكلمة"[13].
وعليه، يرى أنور عبد الملك أن "اللحظة التاريخية تشهد صعود مفهوم الحضارة والتوجه الحضارى"، وأن "صياغة العالم الجديد لن تقتصر على تغيير الأنظمة الاقتصادية والسياسية" وإنما سوف تنطوى على تصاعد دور الحضارات والثقافات، وهى "الساحة التكوينية فى الأعماق"، وأن إعمال خصوصيات هذه الحضارات والثقافات سوف تكون له الريادة فى صياغة العالم الجديد[14].
والسؤال الآن: ما هو تعريف أنور عبد الملك لمفهوم الخصوصية؟ وما تصوُّره لماهيتها بحيث يكون إعمالها هو المفتاح لصياغة ذلك العالم الجديد الذى يشهد تصاعداً لدور الحضارات والثقافات؟
قدم عبد الملك مفهوم "الخصوصية specificity" فى الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، كاستجابة لمناخ فكرى يدعو فيه دعاة العالمية "لتعديل أدواتنا النظرية من خلال نظرية عالمية تصلح للتعامل مع المجتمعات البشرية كافة"[15]. فمن ناحية كان رفض عبد الملك لهذه الأطروحات دافعاً له تطوير مفهوم الخصوصية.
ومن ناحية أخرى، قدم عبد الملك مفهوم "الخصوصية" كجهد تنظيرى لحل المعضلة التى يواجهها المثقف العربى عند تعرضه لقضية النهضة بوجه عام، والنهضة الحضارية بوجه خاص، وهى معضلة العلاقة بين مفهومى "الأصالة" و"العصرية"[16]. إن مفهوم "الحضارة" –و"الأصالة" بالضرورة- يتعرض لمحاولات متعمدة لتشويهه وتقديمه على أنه كل قديم وتراثى مما لا يمت بصلة لحياتنا المعاصرة. ويحذر عبد الملك من هذه المحاولات التى هى من صميم سياسات الهيمنة العالمية التى من خلالها تهدف الأقطاب المهيمنة إلى "تغييب فعالية الخصوصية الحضارية المتصلة بحياة المجتمعات... وادعاء أن الحضارات القديمة لا صلة لها بالعصر الحديث، إلى حد إيحاء الجماهير الواسعة من شعوب هذه الحضارات بفكرة أنها بنت اليوم، يمكن أن تتباهى، ولكنها لن يمكن أن تعتمد على ذخيرة حية من هذا التراث الذى يقولون إنه مات إلى غير رجعة". إن دعاة "الحداثة" ينادون بضرورة التخلص من الجذور الحضارية العريقة للأمم والشعوب، باعتبار أن ذلك هو "مفتاح اللحاق بالأنماط المجتمعية للدول المتقدمة". إن تبنى هذا المفهوم التراثى للحضارة يصبو إلى "تهميش العمل الفاعل لشعوب المجتمعات العريقة فى عالم اليوم" ومن ثم إلى تكريس تبعية الأمم والشعوب، وهذا ما قد تم فى دائرة الحضارة الإسلامية العربية-الفارسية بعد أفول نجمها العلمى والفكرى والاقتصادى والحربى تحت وطأة الضربات المتتالية من حروب الفرنجة.[17]
لذا يطرح عبد الملك التساؤل: "ما العلاقة بين الأصالة والعصرية؟"، وإذا كان المفهومان متناقضين فكيف يمكن الربط بينهما؟ أو "كيف يمكن تحقيق العصرية الأصيلة فى عالمنا اليوم؟"[18].
يُرجع أنور عبد الملك مفهوم "الأصالة authenticité" إلى كلمة "أصل"، والأصيل –فى تعريفه- هو كل "ما كان له أصل حقيقى مشروع وفقاً لمنشئه وليس لمضمونه"، ومن ثم فإن الحديث عن الأصالة يدفع بالضرورة للإحالة إلى الماضى، ليس بوصفه قديماً مهجوراً، ولكن لكونه ماضياً حياً يحمل "بنيات وآثار وتقاليد وأدوات للتعايش وأشكال للثقافة، ومؤسسات رهينة ماضيها – مهيبة أحياناً ومؤثرة دائماً، كاشفة بناءة". وقد كان للحفاظ على الأصالة بهذا المعنى الفضل فى الحفاظ على ثقافات المجتمعات التى خضعت للاستعمار والسيطرة الأجنبية، وفى حماية تراثها المادى والمعنوى. لكن الغلو فى التمسك بالأصالة والحفاظ على التراث من جانب من سماهم عبد الملك "الصفوة الأصيلة" –لا سيما المثقفين منهم- دفع بعضهم إلى رفض مظاهر الحياة الحديثة والانعزال ثقافياً عن هذه الحياة والعيش فى "منفى داخلى". ومن هذا المنطلق يربط عبد الملك بين مفهومى "الأصالة" و"الخصوصية"، حيث إن الأخير يقوم على "الرجوع إلى الأصل، والتمسك بالأساس، بالأصل الحى الذى يوجد بيننا وفينا"، مع الأخذ فى الحسبان –فى الوقت نفسه- أن هناك واقعاً نحياه وجديداً سنعيشه.[19]
وبهذا المعنى، يقدم عبد الملك مفهوم الخصوصية "كأداة تستطيع فى مجال الرؤية والفكر وفى مجال السياسة أن تأخذ فى الحسبان الاستمرار والتطور فى أى من، أو فى كل المجتمعات المعنية (نموذج المحافظة/الاستمرارية المجتمعاتية societal maintenance)، وأن تفعل ذلك من خلال العوامل المشتركة التى يمكن التحقق منها، والمتعلقة بأى من أو بكل المجتمعات القومية، وتعمل فى كل واحد منها بدرجات وأشكال مختلفة عبر إطار الوجود التاريخى/الجغرافى الذى وجد، ويوجد، بداخله أى مجتمع من المجتمعات".[20]
وعليه، فإن هذا الربط بين مفهومى "الأصالة" و"الخصوصية" بهذا المعنى الذى يقدمه عبد الملك لكل منهما يمكن أن يحل معضلة العلاقة بين الأصالة والعصرية، حيث "تقتلع الأصالة من معزلها وتعاد إلى استمراريتها... ويعبَّر عن الأصالة بدقة وصراحة فى نفس عملية العودة إلى المعاصرة. وتمد الأصالة تحول المجتمعات بالعناصر الأكثر ابتكاراً، لأنها أصيلة، الخاصة بأسلوبها للدعم المجتمعى وخصوصيتها الذاتية. وتصنع هذه الأصالة المستقبل من خلال قالب معين لخصوصية كل مجتمع". ويوجز عبد الملك العلاقة بين الأصالة والخصوصية بقوله إن "تطبيق تصور الخصوصية يسمح بتحديث الأصالة الذاتية للمجتمعات المختلفة".[21]
وفى تأسيسه لمفهوم "الخصوصية"، يقدم عبد الملك تصوراً للخصوصية يتشكل من ثلاثة مستويات[22]:
1- المستوى الأول "يعنى بالتركيب الداخلى لتصور الخصوصية... [و] يهدف إلى تبين النمط المتميز للاستمرارية الاجتماعية لمجتمع قومى معين"، هذا النمط عبارة عن العلاقة بين أربعة عناصر تكوينية لأى مجتمع؛ هذه العناصر هى[23]:
(أ) تمكين الحياة الاجتماعية من التحقق والثبات؛ أى مستوى إنتاج حاجيات الحياة المادية (مستوى الاقتصاد).
(ب) استمرارية حياة المجتمعات البشرية عبر الأجيال المتعاقبة reproduction ( عامل الحياة الجنسية البيولوجية كأساس لتناسل الأجيال البشرية).
(ج) النظام الاجتماعى والسياسى الذى يحقق حداً أدنى من الأمن والسلام داخل المجتمع وخارجه (السلطة والدولة).
(د) علاقة الإنسان فى مجتمعه مع البعد الزمنى (الأديان والفلسفات).
2- المستوى الثانى يعنى بتحريك هذه العناصر التكوينية الأربعة داخل الإطارين التاريخى والجغرافى. ففيما يتعلق بالبعد التاريخى، يتحدث عبد الملك عن "عمق المجال التاريخى"، بمعنى أنه كلما تعمق البعد التاريخى، أمكن التدقيق فى تقدير الأوزان النسبية لهذه العناصر وكيفية تحركها عبر التاريخ. أما فيما يتعلق بالبعد الجغرافى (المكان)، فهو يعنى أن "كل مجتمع بشرى يحيا ويتطور فى مجال جغرافى محدد بالنسبة للمجالات الجغرافية الأخرى، وهذا ما تعنى به الجغرافيا السياسية. كما أنه يمارس وجوده وتطوره التاريخى فى مجال جغرافى له تركيب داخلى محدد، وهذا ما تعنى به الإيكولوجيا التى ترصد الإمكانات والطاقات البشرية والحيوية معاً".
3- المستوى الثالث "هو مستوى التفاعل الجدلى بين عوامل الاستمرارية وعوامل التغير". إن التطور التاريخى لما يسميه عبد الملك "المربع التكوينى" فى إطاره التاريخى يشكل العلاقات المتبادلة، وبالتالى الأهمية والوزن النسبى، لكل عنصر من هذه العناصر التكوينية الأربعة. هذه العلاقات المتبادلة والأهمية النسبية هى التى تؤدى، على مر الأجيال، "إلى تشكيل خصوصية كل مجتمع قومى محدد، مثلاً: دور الدولة والجيش فى الحياة المصرية، أهمية مستوى الثقافة الوطنية فى إيطاليا وألمانيا، أيديولوجية اقتحام الحدود واللاقومية من المجتمع الأمريكى، النزعة التجريبية الموضوعية فى المجتمع الإنجليزى، استيعاب التناقضات فى دائرة الشخصية القومية فى المجتمع الصينى... إلخ".
و"تمتاز كل حضارة وكل أمة قوية ثابتة عبر مرحلة طويلة من التاريخ بخصوصية هى مفتاح الاستمرارية والعبور والتقدم"[24]. وكلما زادت درجة الكثافة المجتمعية والعمق التاريخى للحضارة أو الأمة، تمتعت بدرجة أكبر من الخصوصية. ولهذا تعد "التشكيلات الاجتماعية القومية القديمة" أفضل مجالات الخصوصية أو "الأرض النموذجية للخصوصية". أما المجتمعات حديثة التكوين أو الدول مصطنعة الحدود مثل بيافرا –وبشكل عام الوحدات المسماة "الأمم الجديدة" وفق تعبير توماس جيفرسون عن الولايات المتحدة الأمريكية- فلن تكون خصوصيتها "واضحة للعيان لكونها أقل بروزاً وتعريفاً من تلك المتعلقة بمجتمعات مستقرة زماناً ومكاناً"[25].
لكن أنور عبد الملك يؤكد أن ذلك لا يتعارض مع كون الخصوصية مفهوماً قابلاً للتطبيق عالمياً، حاضراً فى كل المجتمعات الحية الموجودة، "حيث تقوم خصوصية كل مجتمع بالتأثير عليه". هذا على مستوى الواقع. أما على المستوى النظرى، فينتقد عبد الملك قصور أدبيات علم الاجتماع عن معالجة مفهوم الخصوصية فى المجتمعات الغربية والصناعية، حيث يرتبط مفهوم الخصوصية فى الأذهان بالمجتمعات القومية غير الغربية وغير الصناعية (الصين، شبه القارة الهندية، آسيا ما عدا اليابان، العالم العربى الإسلامى، أفريقيا، دول أمريكا اللاتينية الداخلية). هذا الربط غير الدقيق وغير العلمى يقوم –فى نظر عبد الملك- على محاولات تنظيرية اعتمدت فى السابق على "علم الاجتماع الكولونيالى (الميت الآن)" وتعتمد حالياً على "علم الاجتماع التنموى المزدهر (سوسيولوجيا التخلف والعالم الثالث)"، وهى المحاولات التى يصفها عبد الملك بأنها "رؤى عرقية ترتدى ثوب علم الاجتماع".[26]
الخصوصية والعولمة:
تعد قضية العولمة من أهم المجالات التى يبرز فيها مفهوم الخصوصية فى فكر أنور عبد الملك، فهو يوجه نقداً شديداً لدعاوى العولمة والانفتاح على الغرب من أجل التحديث واللحاق بالركب الحضارى، ويؤكد أنها ليست إلا دعاوى لفرض النفوذ والهيمنة، وهى لن تحقق إلا مزيداً من التبعية والانحدار. أما النهضة والتنمية فتتحققان بالتمسك بالشخصية القومية والاجتماعية والثقافية واتباع السبل التى تتلاءم وهذه الشخصية. وفى هذا السياق يضرب مثلاً بفيتنام التى نجحت فى تحقيق انطلاقة فى اقتصادها الوطنى، وذلك بفضل إصرار الفيتناميين على "سيادة القرار وصالح الأمة بعيداً عن التبعية باسم التحديث والعولمة"[27].
وفى الصين رفع الصينيون شعار "فليخدم كل ما هو عالمى كل ما هو صينى"، فاتبعوا سياسة الانفتاح على العالم الخارجى بما يخدم القوة القومية، بدلاً من انفتاح الداخل على الخارج بما يخدم أهداف مراكز الهيمنة من الدول والمؤسسات المالية العالمية "التى تحيل الرأسمالية الوطنية إلى مافيات للسمسرة تستنزف طاقات الداخل لصالح قوى الإمبريالية والهيمنة". لقد تحققت "المعجزة الاقتصادية" بالتفاف الدولة الوطنية والجماهير الشعبية حول محور الحزب الحاكم؛ ذلك الحزب الذى يستمد شرعيته السياسية من التاريخ، فهو امتداد للحركات الثورية الشعبية فى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. إذاً الحزب الواحد –قائد الثورة- هو كلمة السر لنهضة الصين، إذ عمل على تعبئة جماهير الشعب وجميع فئاته وطبقاته وحقق التنمية القومية المستقلة واستقلال القرار السياسى للدولة بعيداً عن التبعية والاستسلام للهيمنة[28].
وفى البرازيل حدث الإصلاح فى عهد الرئيس الحالى لولا دى سيلفا، الذى ركز فى برنامجه الإصلاحى على تصحيح المسار الاقتصادى، فى وقت لم يتخلَّ فيه الشعب البرازيلى عن شخصيته القومية ولا عن فنونه التى تعبر عن الوجدان العميق.[29]
إن القاسم المشترك بين تلك النماذج -التى أوردها أنور عبد الملك فى مواضع مختلفة من كتاباته- هو تمسك الأمم والشعوب باستقلاليتها وخصوصيتها فى مواجهة ما سماه "شراسة الحصر النمطى" الذى يعمل على تطويع هذه النماذج لتكون مجرد وحدة من بين وحدات أخرى متجانسة تكوِّن ما يسميه دعاة العالمية "القرية الواحد"، وفى هذه النماذج لا يقل تأثير التمسك بالخصوصية (بالشخصية القومية والاجتماعية) عن تأثير العامل الاقتصادى؛ فالخصوصية –بهذا المعنى- هى إحدى دعائم التنمية.
وفى هذا العالم الذى تنفتح فيه الحضارات على بعضها، تعنى الخصوصية –بتعبير أنور عبد الملك- "التمايز بدلاً من الحصر النمطى reductionism، المسيرات المتنوعة بل والمتباينة بدلاً من المسار الأوحد للتاريخ الذى ادعوا أنه انتهى"[30]. ويرى عبد الملك أن المنهج الأمثل للتفاعل بين الحضارات هو منهج "التثاقف" بعيداً عن الحصر النمطى[31]، فعلينا أن نسأل أنفسنا أولاً من نحن، أى أن نعرف حقيقتنا وهويتنا الحضارية وأن نضع أيدينا على موقع حضارتنا بين الحضارات الأخرى فى العالم، وعند الانفتاح على هذه الحضارات وعلى رؤى وإنجازات وتحرك شعوبها وقومياتها، فإن ذلك يقتضى أن نحترم خصوصيات الغير، على أن نبدأ باحترام خصوصياتنا"[32].
ويرتبط السؤال عن حقيقتنا وهويتنا الحضارية كمدخل للتفاعل الحضارى بقيمة مهمة يشير إليها أنور عبد الملك هى قيمة "الاعتزاز بالذات" كأداة من أدوات الإنتاج الفكرى والفلسفى. ويتحدث عبد الملك هنا عن الاعتزاز بالذات بمعنى "التركيز، كل التركيز، على إيجابيات وجودنا القومى، لا بالوقوف على الأطلال وما شابه ذلك، وإنما برصد كل ما كان من شأنه أن يمكِّن شعوبنا من استمراريتها الاجتماعية الوطنية والقومية، ويجمع بين الروافد المتعددة، وبعضها شامخ جبار، لحضارات وثقافات ما قبل الدعوة، وبدء العالم العربى والإسلامى، فى نسيج متشابك متناقض، متضافر، متواكب على كل حال". ويقول عبد الملك إن هذا الاعتزاز بالذات وبالخصوصية الحضارية يمثل "القاعدة التى نستطيع على أساسها أن ننتقل إلى الاعتماد على الذات". وفى هذا الصدد يعرف عبد الملك الاعتماد على الذات بأنه "رصد كل الإمكانات والعوامل الفعالة فى مجتمعاتنا المعاصرة القادرة على صيانة جوهر شخصيتنا الحضارية من ناحية، والتفاعل الذكى النقدى من جميع معطيات العالم المحيط بنا، حسب احتياجاتنا وأولوياتنا، لا ابتداءً من احتياجاته وأولوياته من ناحية أخرى"، ويوجز عبد الملك معنى الاعتماد على الذات فى جملة: "فليخدم كل ما هو عالمى كل ما هو عربى"[33].
ولذلك، نجد أنور عبد الملك يربط دائماً بين العولمة وكل من التبعية ونظام هيمنة القطب الواحد؛ فيرى أن من مثالب العولمة سيادة "التنكر لمجموعة القيم التى يقوم على أساسها المجتمع الصالح فى كافة الحضارات والثقافات والأمم التى عرفها التاريخ"، بحيث باتت قيم الوفاء والولاء والوطنية والالتزام ضرباً من "السذاجة" وراسباً من "رواسب الرومانسية"، وحلت محلها قيم المال والمصلحة المادية والانتفاع، بل إن الولاء لم يعد للأمة وإنما صار الولاء للمؤسسات المالية العالمية، وبذا اضمحلت قيم الوطنية والقومية والمواطنة. ولذلك يحذر عبد الملك من محاولات "العدو" الدءوب من أجل "اختراق شخصيتنا الوطنية وخصوصيتنا الحضارية"، ومنهجه فى ذلك هو "تعميم الفكر السطحى والملذات والشهوات البدائية". والهدف من هذه المحاولات –فى نظر عبد الملك- هو التعتيم على خطورة الهوة المتزايدة بين الأمم والمجتمعات الفقيرة (وهم الغالبية العظمى) والأمم المجتمعات الفقيرة (وهم أقلية)؛ هذه الهوة التى يعمل دعاة العولمة والكوكبة والقرية الواحدة على تكريسها من أجل دعم استمرار نظام هيمنة القطب الواحد وكسر شوكة الأمم الصاعدة[34].
إن قراءة متمعنة لفكر أنور عبد الملك الذى يهيمن عليه توجهه الحضارى ونظرته الحضارية لجميع شؤون الحياة تجعلنا لا ندهش حين نجده يوظف هذا التوجه الحضارى فى النظر إلى جميع مناحى الحياة، ويفسر أدق الأمور وأبسطها تفسيراً ثقافياً-حضارياً يعزو الأمور إلى سياسات القطب المهيمن الرامية إلى طمس الهوية الثقافية للأمم والشعوب وانسياق هؤلاء إلى دعاوى "التحديث" و"اللحاق بالركب الحضارى" ولو كان ذلك على حساب شخصيتهم ورموزهم القومية. ولذلك نجد عبد الملك فى أحد المواضع ينكر على فريق النادى الأهلى المصرى لكرة القدم –فى لقاء له مع إحدى فرق كرة القدم الأوروبية- ارتداء لاعبيه قمصان عليها شعار إحدى سلاسل المطاعم الأمريكية الشهيرة بدلاً من أن تحمل هذه القمصان صوراً لرموز مصرية من قبيل الأهرامات أو تمثال نهضة مصر أو حتى علامات مقهى الفيشاوى أو أى من مطاعم الأكلات الشعبية الشهيرة فى مصر. ويتساءل عبد الملك: "هل مقاهى ومطاعم مصر ورموزها أقل من المطاعم الأمريكية؟" أم أن "المقام، على ما يبدو، يستلزم استبعاد رموز نهضة مصر ربما باسم اللحاق بركب التحديث الدولارى المبتذل[35]"؟
لكن عبد الملك يرى أن للصورة جانباً آخر مشرقاً، فهو يطمئن إلى أن حركات التحرر الوطنى لمعظم شعوب وأمم أفريقيا وآسيا منذ مطلع القرن التاسع عشر "حتى شباب اليوم الرافض لعولمة هيمنة القطب الواحد" أدت إلى صحوة الخصوصيات القومية-الثقافية-الدينية-الحضاري، مما رفع مكانة العامل الفكرى والروحى إلى مقام ينافس العاملين الجيوسياسى والاقتصادى[36]. لذلك فإنه فى مرحلة تغيير العالم وصياغة العالم الجديد، يتوقع عبد الملك أن تكون الأولوية "لانبعاث الهويات الثقافية – القومية" التى عانت لفترة طويلة من الخضوع للهيمنات المركزية الغربية، ويؤكد أن "التشديد على الخصوصية، واستخراج مختلف الخصائص الثقافية – القومية والحضارية لعالمنا يشكلان، منذ الآن، الطريق الأضمن لجعل العالم عالمياً"[37].
وعليه يرى عبد الملك أن أول ما ينبغى على العرب فعله –شعوباً ودولاً- من أجل تحقيق النهضة الحضارية فى هذه الحقبة العولمية هو: "ضرب السراب الثقافى، أى القضاء على ذلك الوهم المتأصل فى عقول وقلوب كثير من المثقفين العرب والزاعم أن لا جودة إلا فى الغرب، ولا تطور إلا ويسير فى دروب الغرب، ولا ذوق إلا ويكون انعكاساً لعادات وتقاليد الغرب، ولا عصرانية إلا على شكل مواكبة الظواهر الغربية". هؤلاء المثقفون الذين يتنكرون لخصوصيتهم التاريخية، وأصالتهم الحضارية الموضوعية، يصفهم عبد الملك بأنهم "عملاء حضاريون للغرب المهيمن" هدفهم ربط مصر والعالم العربى بأوروبا والغرب وعزلهما –أى مصر والعالم العربى- عن الشرق الحضارى الذى نحن فى طليعته.[38]
وينفى عبد الملك تماماً أن تكمن نهضة العالم العربى فى تحقيق مجالات أوفر للاستثمارات الغربية فحسب، أو فى جذب الملايين من السياح على شواطئنا، وإنما النهضة الحقيقية للعالم العربى "تعمل على كسر الهيمنة الغربية المتنكرة لحضارات الشرق على مصائر العالم المعاصر وإشراق الشرق الناهض بشكل فعال وقيادى فى تخطيط مجرى مصائر العالم خلال عشرات الأجيال القادمة"[39].
الخصوصية و"ريح الشرق":
استناداً إلى ما سبق، ينعى أنور عبد الملك على العرب والمسلمين –وبخاصة شعوب العالم العربى- انسياقهم إلى ترديد التساؤل: "كيف نكون مثل الغرب؟ أين نحن من حضارة أوروبا وعنفوان أمريكا؟... كيف يمكن أن نقنع "الغير" –أى الغرب- بأننا على حسن النوايا وطهارة القلب؟ وكأننا نتمثل نمطه الرائد"[40]. لقد انطلقت المشروعات الحضارية للشرق منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم من خلال التفاف مجتمعات حضارات الشرق حول الأركان التكوينية الثابتة لهذه الحضارات والتمسك بمجموعة من المعانى والقيم التى وفرت لها من الإمكانات والطاقات ما مكنها من الصمود والانطلاق. وقد نشأت هذه المشروعات الحضارية وتكونت بناءً على تكامل مثلث القوى: القوة العسكرية والقوة الاقتصادية (وهما عنصرا القوة الخشنة)، والقوة الناعمة (أى منظومة القيم السائدة فى الحياة الاجتماعية)، فأى مشروع حضارى لن يحظى باحترام وقبول شعوب العالم ودوله وثقافاته المتنوعة إلا بقدر ما يحترم ذلك المشروع شخصية كل من تلك الشعوب والدول والثقافات بما تملك من خصوصيات مميزة واحتياجات وطموحات[41].
ويرى عبد الملك أن هناك قدراً من التنوع فيما بين هذه المشروعات –المشروعات الحضارية للشرق- وذلك "حسب نسبة مختلف العوامل التى صاغت خصوصيتها عبر التاريخ"، لكن ثمة ساحة من المشترك بين هذه الحضارات –حضارات الشرق فى رافديها العربى-الإسلامى والآسيوى، هذا المشترك هو الذى يكوِّن جوهر هذه الحضارات ويعبر عن خصوصيتها[42]:
1- "أولوية الجماعة والروح الجماعية بدلاً من الفرد والفردانية... ومن هنا أولوية معانى الحضارة والدين والثقافة والأمة والقومية والوطن والأسرة فى مواجهة ابتزاز الطاقة باسم أولوية الفرد الذى تصور مفكرو العلمانية الأوروبية بين القرنين السادس والثامن عشر أنه سيد أو مالك الكون، من حقه وفى استطاعته أن يستولى على طيبات الطبيعة وينتج منها كل ما يشاء من منتجات بلا حدود، ثم أن يستهلك من موارد الطبيعة وكذا منتجاتها بدون قيد أو شرط أى بدون حدود، وكذا أن يمارس المتعة دون رقيب ولا حدود". وإذا كانت هذه الفلسفة قد نجحت فى تحقيق كثير من الإنجازات، إلا أن الثمن كان باهظاً "إذ أصبحت الحرب والقتال والاختراق والاستعباد والاستغلال سمات تاريخ استيلاء الرأسمالية الغربية على معظم العالم حتى بداية القرن العشرين، جوهر (فائض القيمة التاريخى)".
وقد اتخذت هذه "الروح الجماعية" أشكالاً متعددة منها "التأليف الوفاقى consensus فى اليابان، والأمة فى العالم الإسلامى".
2- "التنمية الاجتماعية والإنسانية بدلاً من مجرد التنمية الاقتصادية". إن الهدف من عملية التنمية فى مجتمعات الشرق الحضارى كانت دوماً زيادة قدرات الفرد والمجتمع و"رفع مستوى علمهم وذوقهم الفنى".
"التنمية إذاً ليست عملية كمية تعبر عن إحصاءات الإنتاج ومعدلات الإنتاجية ومعدلات صعود (وكذا هبوط) الأسواق المالية... [ولا هى] الأرقام القياسية لإنجازات رجال المال والمتلاعبين بالأسواق".
3- "السلام بين الشعوب"؛ بمعنى السلام القائم على "العدل والإنصاف"، وليس مجرد (عملية) سلام تكرس موازين القوى والمظالم القائمة". وإذا كانت الشعوب تناضل من أجل التحرر والحفاظ على كرامتها واستقلال أراضيها، فإن "السعى إلى العدالة بين المجتمعات والشعوب يفسح المجال لنظام دولى يؤلف بين المصالح الواقعية المشروعة وكرامة الأمم والشعوب".
4- وجود سلطة مركزية قوية "تتفاعل مع الشعب من أجل الحفاظ على السيادة واستقلالية القرار، "على أن يتم ذلك فى عصرنا على صورة جبهة وطنية ممتدة تجمع جميع القوى السياسية من ناحية، وكذا جميع المدارس الفكرية القومية –دون أدنى استثناء".
5- "البعد الروحى على تنوع صوره: منظومة التراث والرؤى الحضارية، الدين، القيم الأخلاقية". هذا البعد الروحى "يتيح إقامة منظومات من القيم والمعايير الأخلاقية التى تهذب الحياة ولا تحاصرها... [وهو] يواكب حياة الغالبية العظمى من المجتمعات والشعوب –على تنوعها- وخاصة فى مختلف دوائر الشرق الحضارى".
وعلى الرغم من هذه المساحة الواسعة من المشترك بين حضارات الشرق، إلا أن الوجدان السياسى والفكرى المصرى والعربى لا يزال غائباً عنه فكرة انتقال مركز الثقل العالمى من دائرة الأطلنطى حول الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطى إلى آسيا والمحيط الهادى، حول آسيا الشرقية والصين. وعلى الرغم من تزايد المؤشرات على هذا الانتقال، إلا أن التوجه المصرى والعربى ما زال عازفاً عن إدارة الدفة نحو هذا المركز الجديد. هذا العزوف هو أحد عواقب انتشار ثقافة كامب دافيد، التى أوهمت الرأى العام أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، وكذلك بفعل الرؤية قصيرة النظر للمصالح القومية.[43] ويتساءل عبد الملك عن روح باندونج 1955؛ لماذا توارت؟ ذلك الحدث –مؤتمر باندونج- الذى هبت معه "ريح الشرق" وكانت مصر فى قلبها، تلك الريح التى جلبت معها ثورات وعمليات تحرير جعلت العالم يستيقظ وينفض عن نفسه وصمة الرقاد. ويتساءل عبد الملك: هل تعود مصر إلى قلب ريح الشرق، "أم أنه حلم لذيذ فات أوانه"؟[44]
الخصوصية المصرية:
عندما يطبق عبد الملك مفهوم الخصوصية –بمستوياته الثلاثة القائمة على فكرة "المربع التكوينى"- تطبيقاً عملياً على المجتمع المصرى، فإن الغرض ليس هو التدليل على أن مصر بلد يمتاز بالخصوصية، فهذه هى سمة المجتمعات ذات الجذور التاريخية العريقة، وإنما يهدف عبد الملك إلى "تحديد نوعية الخصوصية المصرية كما تحددت عبر التاريخ وكما تندرج أمامنا اليوم"[45]:
لقد عاش المجتمع المصرى "بوصفه مجتمعاً ثابتاً وُجِد على أرض مصر، كما هى الآن، منذ نحو سبعة آلاف عام، حول ضفتى النيل، وكان لا بد، لإنتاج الغذاء الضرورى لاستمرار الحياة البشرية، أن يسيطر المصريون على مجرى نهر النيل حتى مصبه فى البحر المتوسط. "وهذا العمل لا سبيل إلى تحقيقه إلا بواسطة تنظيم مركزى موحد يستطيع أن يدبر المياه ويحفر القنوات ويبنى السدود والجسور وينظم الرى والصرف والملاحة النهرية – على أساس أن موارد الأمطار محدودة تكاد لا تذكر فى مناخ مصر. ومن الناحية الجغرافية، فإن موقع مصر الجغرافى، بين الشرق والغرب، وبين القارات الثلاث، "جعل منها منطقة العبور التجارى والاقتصادى والإنسانى والعسكرى، وبالتالى جعل منها أرض الغزو المرموقة – وهذا ما تم بالضبط منذ الهكسوس حتى الدولة الصهيونية والأسطول السادس". كما أن "مكانتنا الجيوسياسية تجعل من مصر، قلب العالم العربى، همزة الوصل بين دائرتى الحضارة الغربية الأوروبية والأمريكية من ناحية، وعلى الضفة الأخرى دراما الحضارتين الشرقيتين الصينية والإسلامية – ‘الآخر‘ المغيب منذ القرن السادس عشر – ريح الشرق الطالع الساطع فى مطلع القرن الجديد"[46].
هذه الطبيعة الجغرافية فرضت على مصر –عبر مراحل التاريخ المختلفة- نمطاً معيناً للاستمرارية الاجتماعية يحيا من خلاله المجتمع حياة موحدة فى ظل سلطة مركزية موحدة تملك مفاتيح الإنتاج والحفاظ على الوجود والأمن القومى بواسطة جيش وطنى "هو محور جهاز الدولة المصرى عبر عشرات الأجيال من أحمس إلى محمد على وجمال عبد الناصر". كما تحققت هذه الوحدة أيضاً –بالضرورة- على صعيد الفكر والوجدان، حيث تتالت على أرض مصر الحضارات الفرعونية، ثم القبطية، ثم الإسلامية العربية، "وثلاثتها تتسم بسمة التوحيدية الفلسفية والدينية مما يتفق فى الأساس مع حاجة مصر التاريخية إلى تحقيق أكبر قدر من الكثافة الموحدة لا الممركزة للحفاظ على وجودها والاستمرار فى أداء رسالتها".
ويصل عبد الملك إلى أن هذا النمط من الخصوصية يجعل لزاماً على الباحث والدارس والمراقب أن يدرك جيداً "ذلك الرباط الجذرى الحيوى الذى لا يمكن فصمه بين شعب مصر ودولته، بين جيش مصر وشعبها، بين وحدة الوجدان والضمير والتفكير وطبقاتها الاجتماعية ومدارسها الفكرية والسياسية المختلفة. إن تطوير المجتمع المصرى لا يهدف إلى إحلال طبقة اجتماعية مكان طبقة أخرى... وإنما يهدف إلى إحلال جبهة من الطبقات والفئات الاجتماعية والمدارس والتيارات الفكرية والفلسفية المختلفة محل جبهة أخرى قد تتفق عناصرها إلى حد ما مع جبهة القوى الجديدة وإنما تختلف عنها تماماً فيما يتعلق بكيفية علاج العروة الوثقى فى قلب المجتمع المصرى لتحقيق مهام الحفاظ على المجتمع المصرى وتأمين استمراريته، وتمكينه من التقدم لإنجاز المهام التاريخية التى يحددها لنفسه فى كل مرحلة من مراحل التاريخ".[47]
وللإيجاز والتوضيح يقول عبد الملك: "إن خصوصية مصر مثلاً ليست فى حانات خان الخليلى وتجمعات الطريقة الشاذلية، وإن كانت من عناصرها، وإنما فى دور الجيش والشعب معاً فى الوجدان القومى كما ظهر ذلك بشكل ساطع يومى 9 و10 يونيو 1967 ويوم جنازة الرئيس جمال عبد الناصر ويوم 6 أكتوبر 1973 وما تلاه من تحرك تاريخى هز أركان ميزان القوى فى العالم أجمع"[48].
إننا لن نبحث عن أثر الحضارة المصرية الضاربة بجذورها فى عمق التاريخ بين طيات الكتب والمخطوطات، وإنما هو موجود فى الوجدان المصرى على مر الأجيال.[49]
خاتمة:
إن مفهوم الخصوصية عند أنور عبد الملك لا يمثل إسهاماً أكاديمياً وإضافة ثرية للنظرية الاجتماعية فحسب، وإنما هو أيضاً ضرورة حياتية تضمن استمرارية وتماسك المجتمعات القومية. فالخصوصية هى أحد ركائز التنمية بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، والتخلى عن الخصوصية والتنكر للقيم والمفاهيم الراسخة والرموز الحضارية فى أى مجتمع لن يؤدى إلا إلى وفقدان الشخصية القومية لذلك المجتمع، ومن ثم إلى مزيد من الضعف والتبعية. ويشيد عبد الملك دوماً بالدول التى قدمت نماذج تنموية يحتذى بها، فحققت انطلاقة اقتصادية ونهضة حضارية من خلال إصرارها على التمسك بشخصيتها القومية وخصوصيتها الحضارية.
الخصوصية عند أنور عبد الملك ليست نقيضاً للعالمية، فالتمسك بالخصوصية وإعمالها لا يعنى أبداً عدم الانفتاح على العالم الخارجى ورفض التفاعل مع الحضارات الأخرى واستقاء الخبرات منها، وإنما الخصوصية –فى فكر عبد الملك- هى "المدخل الأوحد والأمثل إلى العالمية، أى إلى المشاركة فى صياغة عالم جديد"[50].
الهوامش
[1] أنور عبد الملك، "فى أصول المسألة الحضارية"، كتاب الهلال، العدد 651، (القاهرة: دار الهلال، مارس 2005)، ص 4.
[2] المرجع السابق، ص 146 – 147.
[3] أنور عبد الملك، "الأقطاب.. المراكز.. الثقافات"، الأهرام، 30/8/2005.
[4] أنور عبد الملك، فى أصول المسألة الحضارية، مرجع سابق، ص 334.
[5] المرجع السابق، ص 336 و338.
[6] المرجع السابق، ص 333.
[7] المرجع السابق، ص 340.
[8] أنور عبد الملك، "حوار ليلة صيف (2)، الأهرام، 20/8/2002.
[9] المرجع السابق.
[10] أنور عبد الملك، من أجل استراتيجية حضارية، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2005)، ص 14.
[11] أنور عبد الملك، فى أصول المسألة الحضارية، مرجع سابق، ص 23.
[12] أنور عبد الملك، من أجل استراتيجية حضارية، مرجع سابق، ص 15.
[13] أنور عبد الملك، "حديث الأمل فى رأس السنة"، الأهرام، 6/1/2004.
[14] أنور عبد الملك، فى أصول المسألة الحضارية، مرجع سابق، ص 4.
[15] أنور عبد الملك، من أجل استراتيجية حضارية، مرجع سابق، ص 189.
[16] المرجع السابق، ص 119 - 121.
[17] أنور عبد الملك، فى أصول المسألة الحضارية، مرجع سابق، ص 75-87.
[18] أنور عبد الملك، من أجل استراتيجية حضارية، مرجع سابق، ص 119 - 121.
[19] المرجع السابق، ص 148-150.
[20] المرجع السابق، ص 189 – 190.
[21] المرجع السابق، ص 150 – 151.
[22] المرجع السابق، ص 123 – 124.
[23] انظر أيضاً: المرجع السابق، ص 111.
[24] أنور عبد الملك، فى أصول المسألة الحضارية، مرجع سابق، ص 183.
[25] أنور عبد الملك، من أجل استراتيجية حضارية، مرجع سابق، ص 144 و146-147.
[26] المرجع السابق، ص 188.
[27] أنور عبد الملك، "وثبة فيتنام لكسر الركود"، الأهرام، 20/7/2004.
[28] أنور عبد الملك، "رسالة مفتوحة إلى الرئيس هوجنتاو: الصين فى عيون المصريين"، الأهرام، 29/1/2004.
[29] أنور عبد الملك، "تحديات وتساؤلات فى عصر العولمة"، الأهرام، 24/12/2002.
[30] المرجع السابق.
[31] أنور عبد الملك، فى أصول المسألة الحضارية، مرجع سابق، ص 10.
[32] أنور عبد الملك، "حوار ليلة صيف (4)"، الأهرام، 17/9/2002.
[33] أنور عبد الملك، من أجل استراتيجية حضارية، ص 78 – 79.
[34] أنور عبد الملك، "قضية الساعة: الحب فى زمن الحرب"، الأهرام، 1/1/2002.
[35] أنور عبد الملك، "مصر فى قلب ريح الشرق (7): كلام الليل يمحوه النهار"، الأهرام، 21/8/2001.
[36] أنور عبد الملك، فى أصول المسألة الحضارية، مرجع سابق، ص 143-144.
[37] المرجع السابق، ص 60.
[38] أنور عبد الملك، من أجل استراتيجية حضارية، مرجع سابق، ص 92 و93.
[39] المرجع السابق، ص 128.
[40] المرجع السابق، ص 97.
[41] أنور عبد الملك، "الطريق إلى قلوب الناس"، الأهرام، 13/9/2005.
[42] أنور عبد الملك، من أجل استراتيجية حضارية، مرجع سابق، ص 101 – 104.
[43] تكررت هذه الفكرة فى مقالات عديدة لأنور عبد الملك منها:
- "مصر فى قلب ريح الشرق (2): صندوق الدنيا سنة 2020، الأهرام، 12/6/2001.
- "إلى متى التوهان فى زمن الحرب؟(1)، الأهرام، 11/4/2006.
- "من رسالة الرواد إلى الجيل الجديد"، الأهرام، 18/7/2006.
[44] أنور عبد الملك، "مصر فى قلب ريح الشرق (5): من مؤتمر الطلبة الشرقيين"، الأهرام، 24/7/2001.
[45] المرجع السابق، ص 125-126.
[46] أنور عبد الملك، فى أصول المسألة الحضارية، مرجع سابق، ص 24.
[47] أنور عبد الملك، من أجل استراتيجية حضارية، مرجع سابق، ص 126.
[48] المرجع السابق، ص 128.
[49] مقابلة أجرتها الباحثة مع أ.د/ أنور عبد الملك فى 18/8/2006.
[50] أنور عبد الملك، "تحديات وتساؤلات فى عصر العولمة"، مرجع سابق.